المسلمون الأميركيون.. ما وراء تأييد كيري ومعارضة بوش   
الأحد 29/10/1425 هـ - الموافق 12/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 16:13 (مكة المكرمة)، 13:13 (غرينتش)





















علاء بيومي

- توجه نحو المشاركة السياسية
- تأييد كيري تأييد لقطاعات واسعة
- توحيد طاقات المسلمين

إعلان كبرى منظمات المسلمين الأميركيين في 11 أكتوبر/ تشرين الأول 2004 تأييدهم لمرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة جون كيري هو أمر في حقيقته أكبر من مجرد قرار لتأييد كيري أو لمعارضة جورج دبليو بوش, فالقرار في مضمونه الحقيقي يتضمن العديد من الدلالات الهامة.

توجه نحو المشاركة السياسية
أولا: القرار هو علامة واضحة على أن الغالبية العظمى من المسلمين الأميركيين ومنظماتهم باتت أكثر تحفزا للنشاط السياسي دفاعا عن حقوقهم وحرياتهم ورغبة في تغيير أوضاعهم للأفضل، وأن تبعات أحداث سبتمبر/ أيلول 2001 السلبية الخطيرة على أوضاعهم لم تدفعهم إلى العزلة أو إلى التقوقع بل إنهم نجحوا في الحفاظ على مستويات مشاركتهم السياسية إن لم يكونوا قد زادوها بالفعل كما تشير مؤشرات عديدة.

إذ تشير أحدث الاستطلاعات الخاصة بتوجهات المسلمين الأميركيين نحو المشاركة السياسية إلى أن نسبة الراغبين في المشاركة السياسية في أوساطهم بلغت 93%، كما أن نسبة العازمين على التصويت بين الناخبين المسلمين المسجلين في السجلات الانتخابية الأميركية تبلغ 95% وهي بدون شك نسب مرتفعة.

"
أكد قرار تحالف المنظمات المسلمة الأميركية على أن تأييدهم لكيري هو عبارة عن "اتفاق جزئي" و"مشروط"  على أمل أن يتيح لمسلمي أميركا في حال فوز كيري فرصة معالجة قضاياهم
"
وعلى صعيد منظمات المسلمين الأميركيين السياسية، دخل المسلمون الأميركيون انتخابات عام 2000 بتحالف مكون من أربع مؤسسات سياسية، أما انتخابات عام 2004 فقد دخلوها بتحالف يتشكل من عشر مؤسسات كبرى على الأقل بما فيها مؤسسات دينية واتحادات طلاب ومنظمات تمثل المسلمين الأفارقة الأميركيين.

هذا إضافة إلى النمو الواضح الذي طرأ على بعض هذه المؤسسات وعلى رأسها مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) والتي تعد أكبر منظمات الحقوق المدنية المسلمة الأميركية والتي تضاعف عدد فروعها في أرجاء الولايات المتحدة وكندا أربع مرات خلال السنوات الثلاثة الماضية لتصل إلى 29 فرعا.

ثانيا: القرار يعكس أن الفترة الأخيرة دفعت المسلمين الأميركيين إلى مزيد من الواقعية السياسية والتي تقتضي عدة أشياء، أولها إدراك أن الحياة السياسية ليست مثالية وأن المسلمين الأميركيين كأي جماعة أميركية أخرى يستحيل أن يجدوا المرشح الذي يرضي جميع مطالبها.

ولذا فالعبرة هي بالمشاركة وبالتواجد داخل العملية السياسية، واستخدام ما يتوافر لدي المسلمين الأميركيين من أصوات وأموال ومنظمات وقدرة على التفاوض وصناعة النفوذ للتأثير على السياسية الأميركية من داخلها وليس من خارجها.

ومن هنا أكد قرار تحالف المنظمة المسلمة الأميركية على أن تأييدهم جون كيري هو عبارة عن "اتفاق جزئي" و"مشروط" مع كيري على أمل أن يتيح هذا القرار لمسلمي أميركا في حالة فوز كيري فرصة "العمل معه" لمعالجة قضايا الحقوق المدنية والعدالة الاجتماعية وسيادة الدستور والقانون وغيرها من القضايا الهامة من المسلمين والليبراليين بالولايات المتحدة.

ومن منطلق الواقعية ذاتها قدمت المنظمات المسلمة الأميركية الشكر للمرشح المستقل رالف نادر والذي بذل كثيرا من الجهد لاجتذاب أصوات مسلمي أميريكا والتقرب من قضاياهم، ولكنه في الوقت نفسه لا يمتلك فرصة حقيقية للفوز بالرئاسة الأميركية.

ويكفي أن نشير هنا أن كثير من المسلمين الأميركيين أيدوا دينيس كوزينتش (عضو مجلس النواب الأميركي عن ولاية أوهايو) خلال تنافسه في أوائل العام الحالي على الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي له في انتخابات الرئاسة الأميركية.

وكان كوزينتش وما زال هو الأقرب بالفعل من قضايا المسلمين الأميركيين مقارنة بجون كيري أو بغيره من المتنافسين الديمقراطيين، ولكن كوزينتش لم يتمكن من الفوز بترشيح الحزب الديمقراطي، ومع انتهاء الانتخابات داخل الحزب الديمقراطي انتهى تأثير كوزينتش كمرشح رئاسي وإن بقى تأثيره كعضو كونغرس مساند للمسلمين الأميركيين وقضاياهم يرحب المسلمون الأميركيون بالعمل معه.

تأييد كيري تأييد لقطاعات واسعة
ثالثا: تأييد المسلمين الأميركيين لجون كيري هو في حقيقته تأييد لقطاعات واسعة وحلفاء كبار داخل المجتمع الأميركي ساندوا مسلمي أميركا بوضوح خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.

وقد أتي معظم هؤلاء الحلفاء - كجماعات الحقوق المدنية وجماعات السلام والجماعات المنادية بحقوق الأقليات – من خلفيات يسارية وليبرالية أمريكية واضحة.

في المقابل وقف اليمين الأميركي موقف المنكر – والمساند في بعض الأحيان – لما تعرض له المسلمون الأميركيون وقضاياهم من تمييز وما تعرضت له صورتهم من تشويه خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.

إذ أشار استطلاع لتوجهات الشعب الأميركي نحو الإسلام والمسلمين أصدرته كير في أوائل شهر أكتوبر/ تشرين الأول الحالي إلى أن المنتمين إلى التيار الأميركي اليميني المحافظ أكثر استعدادا للاعتقاد في صور سلبية عن الإسلام والمسلمين مقارنة بالمنتمين إلى التيار الليبرالي.

"
مواقف كيري نحو قضايا المسلمين الأميركيين -رغم ما يعتريها من ضبابية- مازالت أكثر قربا من مطالب المسلمين الأميركيين لو قورنت بمواقف بوش
"
أكثر من ذلك أدلت بعض قيادات اليمين المسيحي الأميركي الدينية – مثل بات روبرتسون وفرانكلين جرام وجيري فالويل- وبعض قياداته السياسية والرسمية - مثل الجنرال وليام بويكين ووزير العدل الأميركي جون أشكروفت والنائب الجمهوري توم دلاي – بدلوها في موجة التعصب والكراهية والتشويه التي تعرض لها الإسلام والمسلمون منذ أحداث سبتمبر/ أيلول.

ويكفي هنا أن نشير إلى الحملة التي قادتها بعض المنظمات المسلمة الأميركية في أوائل عام 2002 لمواجهة وزير العدل الأميركي جون أشكروفت، وذلك بعد أن نشر كال توماس – وهو صحفي أميركي معروف في 7 ديسمبر 2001/ كانون الأول مقابلة أجراها مع أشكروفت على صفحات موقع صحفي إلكتروني أميركي نسب فيها إلى أشكروفت القول بأن "الإسلام هو دين يطالبك فيه الرب أن ترسل ولدك ليموت من أجله، أما المسيحية فهي عقيدة يرسل فيها الرب ولده ليموت من أجلك".

وكررت المنظمات في أكثر من مناسبة مطالبتها لأشكروفت بأن يصدر بيانا صريحا يوضح موقفه من التصريحات المسيئة، ولكن مثل هذا البيان لم يصدر.

وكان الرد الطبيعي على ذلك من قبل المسلمين الأميركيين هو أن يتحولوا بعيدا عن اليمين الرافض لهم – على الرغم من مساندتهم له على صعيد القضايا الأخلاقية والاجتماعية – نحو اليسار الأميركي المرحب بهم، وقد أبرز استطلاع أصدره مركز أبحاث أميركي تابع لجامعة جورج تاون الأميركية في منتصف شهر أكتوبر/ تشرن الأول الحالي أن 50 % من المسلمين الأميركيين أصبحوا ينظرون إلى الحزب الديمقراطي على أنه حزبهم المفضل في مقابل 12 % من المسلمين الأميركيين مازالوا يشعرون بالانتماء إلى الحزب الجمهوري.

هذا إضافة إلى انخفاض نسبة مؤيدي بوش في أوساط المسلمين الأميركيين إلى 7 % أو أقل، بل أن نصف المسلمين الجمهوريين – كما يشير الاستطلاع – يؤيدون جون كيري.

رابعا: مواقف جون كيري نحو قضايا المسلمين الأميركيين خاصة على مستوى القضايا الداخلية على الرغم مما يعتريها من ضبابية مازالت أكثر قربا من مطالب المسلمين الأميركيين لو قورنت بمواقف جورج دبليو بوش.

فقد أشار الاستطلاع الذي أجرته جامعة جورج تاون إلى أن 44 % من الناخبين المسلمين الأميركيين يعتبرون القضايا الداخلية هي العامل الأكثر تأثيرا على أصواتهم، مقارنة بنسبة 34 % يرون أن القضايا الخارجية هي العامل الأهم بالنسبة لهم.

وعندما سئل المشاركون في الاستطلاع عن أهم التحديات التي تواجه المسلمين الأميركيين في الفترة الحالية جاءت قضية الحقوق المدنية في المرتبة الأولى بنسبة 28% من أصوات المشاركين في الاستطلاع، تلتها قضية العنصرية بنسبة 24%، ثم قضية المشاركة في التيار العام الأميركي بنسبة 11%، وحلت قضايا السياسة الخارجية رابعة بنسبة 8 % فقط.

وعندما سئل جورج بوش في المناظرة التلفزيونية الثانية عن تبعات قوانين مكافحة الإرهاب السلبية على الحقوق المدنية، رد بوش بالنفي ورفض الاعتراف بتعرض الحقوق المدنية بالولايات المتحدة للتراجع.

في المقابل تعهد كيري في مناسبات مختلفة بمراجعة بعض بنود قانون الوطنية (الصادر في عام 2001 لمكافحة الإرهاب) وبتقوية إشراف الكونغرس على البرامج الأمنية التي وضعت منذ 11/9 وبوقف استخدام الأدلة السرية ضد المهاجرين والمواطنين على حد سواء.

كما بذلت حملة جون كيري جهودا واضحة في الوصول إلى المسلمين الأميركيين وإلى قادتهم ولجذب أصواتهم وشارك في هذه الجهود سياسيون مخضرمون على رأسهم السيناتور إدوارد كيندي المعروف بمواقفه الإيجابية نحو المسلمين الأميركيين.
ولذا بدا جون كيري أكثر قربا إلى قضايا المسلمين الأميركيين الداخلية على الأقل.

توحيد طاقات المسلمين
"
أي قرار سياسي لا يخلو من مخاطرة، فقد يفوز بوش أو كيري ولا يفي بتعهداته كما فعل بوش عام 2000، ولكن المخاطرة هي جزء لا يتجزأ من القرار السياسي
"
خامسا: أظهرت استطلاعات الرأي المختلفة التي أجرتها المنظمات المسلمة الأميركية حقيقتين هامتين أولهما التحول الواضح في أوساط المسلمين الأميركيين (أكثر من 60 % منذ مطلع الصيف الحالي) نحو تأييد المرشح الديمقراطي للرئاسة وبعيدا عن تأييد جورج دبليو بوش، أما الحقيقة الثانية فهي تأثر المسلمين الأميركيين (69 % منهم على الأقل) بمواقف منظماتهم الكبرى وحاجتهم لموقف قوي وواضح من قبل هذه المنظمات يوحد طاقاتهم ويوجه الأقلية المترددة في أوساطهم.

وقد صار واضحا أن وحدة المسلمين الأميركيين وقدرتهم على التصويت ككتلة واحدة لصالح المرشح الأكثر تمثيلا لقضاياهم - وهي الممارسة التي بدؤها في انتخابات عام 2000 – باتت تشكل واحدة من أهم معالم خصائصهم ونفوذهم السياسي في الفترة الحالية.

فالمسلمون الأميركيون – كما تشير الاستطلاعات - أصبحوا أكثر رغبة في الوحدة السياسية، كما أن الدوائر السياسية والإعلامية الأميركية أصحبت تتوقع هذه الوحدة وتترقبها كما ظهر في تغطية العديد من وسائل الإعلام الأميركية لمواقف المسلمين السياسية خلال موسم الانتخابات الحالي.

وبدون شك لعبت الحقيقتين السابقتين دورا كبيرا في التأثير على قرار المنظمات المسلمة الأميركية والذي جاء ليعكس ويقوي ويوحد توجهات الغالبية العظمي من المسلمين الأميركيين.

أخيرا بقى لنا أن نشير إلى أن أي قرار سياسي لا يخلو من مخاطرة، فقد يفوز بوش أو يفوز كيري ولا يفي بتعهداته كما فعل بوش في عام 2000، ولكن المخاطرة هي جزء لا يتجزأ من القرار السياسي ومن القيادة السياسية.

وما يقلل من تبعات المخاطرة هو أن يقوم أي قرار سياسي على دعائم مختلفة وعلى نظرة واسعة للأمور وهو الأمر الذي حاولنا شرحه وتبيانه خلال هذا المقال.

فقرار المسلمين الأميركيين تأييد جون كيري في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني القادم يتخطى مساندة كيري ومعارضة بوش إلى العديد من الأهداف الهامة التي يرجى تحقيقها من وراء توحيد أصوات الناخبين المسلمين الأميركيين في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني 2004.
ـــــــــــــــــ
مدير الشؤون العربية بكير

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة