شبح التهويد والتطهير يطارد عرب النقب   
الخميس 1431/8/17 هـ - الموافق 29/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:41 (مكة المكرمة)، 13:41 (غرينتش)
نبيل السهلي


منطقة النقب حقائق أساسية
تغيير الخريطة الديموغرافية عبر تهجير العرب
يهودية الدولة ومخاطر تهويد النقب

استخلاصات أساسية

تتجسد مأساة الشعب الفلسطيني في أوضح صورها في منطقة النقب جنوب فلسطين المحتلة، فمن الاعتقال والملاحقة للشباب العربي هناك، مرورا بهدم المنازل وتدمير القرى العربية، وصولا إلى مصادرة الجيش الإسرائيلي لما تبقى من الأراضي العربية.

وقد زاد الوضع سوءا الشعارات العنصرية التي أطلقها عدد كبير من قادة إسرائيل وأحزابها السياسية في الآونة الأخيرة، والداعية في مجملها إلى القيام بحملة تطهير عرقي كبيرة من أجل طرد العرب الفلسطينيين من أرضهم، ومن بينهم عرب النقب.

ولتهيئة الظروف من أجل إفراغ منطقة النقب من أهلها العرب، سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ العام 1948 إلى حرمان العرب هناك من أبسط الحقوق الإنسانية، من تعليم وصحة وخدمات اجتماعية أخرى.

لكن الأخطر ما حدث مؤخرا، حيث قامت الجرافات الإسرائيلية بإزالة قرية العراقيب في منطقة النقب بشكل كامل، واقتلع الجيش الإسرائيلي الأشجار هناك، وقام بتدمير معالم القرية العربية بغية الانقضاض على الوجود العربي في منطقة النقب وتهويدها في نهاية المطاف.

ولهذا باتت الضرورة ملحة لإلقاء الضوء على سياسة إسرائيل إزاء عرب النقب الذين يواجهون سياسة تهويد محكمة.

"
ألزمت السلطات الإسرائيلية أهالي منطقة النقب في بداية السبعينيات من القرن العشرين تسجيل أرضهم في دائرة ما يسمى هيئة أرض إسرائيل، وهي تعلم حقيقة عدم احتفاظ غالبيتهم بمستندات حول ملكيتهم في أراضي النقب
"

منطقة النقب .. حقائق أساسية
تستحوذ منطقة النقب في جنوب فلسطين المحتلة على أكثر من 50% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومترات مربعة، وبفعل الزيادة السكانية العالية بين العرب في تلك المنطقة ارتفع عددهم من 15 ألفا في العام 1948 إلى حوالي 170 ألفا في بداية العام الحالي 2010 يمثلون 12% من إجمالي عدد العرب داخل الخط الأخضر.

وقد سعت سلطات الاحتلال منذ السنوات الأولى لإقامة إسرائيل إلى السيطرة المباشرة على ما تبقى من أراضي البدو في النقب لصالح بناء الترسانة العسكرية الإسرائيلية من جهة، وبناء مزارع حكومية وخاصة من جهة أخرى.

وتبعا لذلك ألزمت السلطات الإسرائيلية أهالي منطقة النقب في بداية السبعينيات من القرن العشرين تسجيل أرضهم في دائرة ما يسمى هيئة أرض إسرائيل، وتعلم السلطات الإسرائيلية حقيقة عدم احتفاظ غالبية أهالي النقب البدو بمستندات حول ملكيتهم في أراضي النقب والتجمعات والقرى هناك، خاصة عاصمة النقب بئر السبع.

ومن الأهمية بمكان الإشارة أيضا إلى أن المحاكم الإسرائيلية كانت أقرت في العام 1948 بأنه لا ملكية للبدو في أرضهم وأرض أجدادهم. وبفعل عمليات المصادرة الإسرائيلية المبرمجة منذ عام النكبة قبل أكثر من 62 عاما، فإن الحقائق والدراسات المختلفة تشير إلى أن مساحة المنطقة المأهولة بالسكان البدو العرب أصحاب الأرض الأصليين لا تتعدى 240 ألف دونم من أصل مساحة صحراء النقب البالغة نحو 13.5 مليون دونم، ومن بين أهم الحجج الإسرائيلية للسيطرة على أراضي البدو في النقب حجة الحفاظ على التنظيم الهيكلي للمنطقة، وضبط عمليات البناء بشكل ممنهج، ناهيك عن الدواعي الأمنية والعسكرية، وذلك بغية بناء المزيد من المعسكرات والمصانع العسكرية والمطارات الإسرائيلية في الأراضي العربية بعد إتمام مصادرتها وتهويدها.

وفي هذا السياق يذكر أنه من بين أهم المفاعلات النووية الإسرائيلية مفاعل ديمونة الذي يوجد في صحراء النقب، حيث يعد من أهم المفاعلات الإسرائيلية التي تمتلكها إسرائيل.

تغيير الخريطة الديموغرافية عبر تهجير العرب
وبناء على ذلك تمكنت السلطات الإسرائيلية عبر سياسات ديموغرافية واستيطانية محكمة من عدم الاعتراف بكل التوسعات العمرانية العربية في منطقة النقب، وقامت السلطات الإسرائيلية بتجميع بدو النقب في مناطق محددة لأسباب أقلها محاولة كسر التمركز الديموغرافي الشديد للبدو في مناطق لها هوية عربية خالصة، ومن تلك المناطق التي تم إسكان قسم من البدو فيها بلدة مرعيت، وهذه الخطوة كانت بمنزلة اقتلاع وترحيل قسري لعرب النقب في الوقت نفسه.

وثمة العديد من المخططات الإسرائيلية لإعادة تجميع عرب النقب في ثلاث مناطق في جنوب فلسطين المحتلة هي: ديمونا وعراد وبئر السبع، وفي نفس الاتجاه قد تتم عمليات التجميع في سبع قرى عوضا عن سبعين قرية بدوية منتشرة في صحراء النقب غير معترف بها أصلا من السلطات والإدارات الإسرائيلية المختلفة، وهو ما سيجعل حياة البدو أكثر هامشية في مجالات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية الأخرى.

"
ثمة دراسات تشير إلى وجود مخططات استيطانية إسرائيلية رسمية وأكاديمية للانقضاض والسيطرة على ما تبقى من أراضي البدو في قرى صحراء النقب لتحويلها إلى مناطق ومزارع عسكرية إسرائيلية  
"
وثمة دراسات أشارت إلى وجود مخططات استيطانية إسرائيلية رسمية وأكاديمية أيضا للانقضاض والسيطرة على ما تبقى من أراضي البدو في قرى صحراء النقب لتحويلها إلى مناطق ومزارع عسكرية إسرائيلية، وفي هذا السياق تندرج عملية تدمير قرية العراقيب وإزالتها بالكامل.

واللافت أنه قد جرى الحديث في وسائل الإعلام الإسرائيلية في أكثر من مناسبة عن احتمالات مصادرة نحو 700 ألف دونم من أراضي البدو في النقب في السنوات القليلة القادمة، ما يجعل البدو العرب يتركزون في مأوى لكن دون الاعتراف بهم مواطنين لهم حقوق المواطنة الكاملة في دولة تدعي الديمقراطية لمواطنيها، وقد كانت تصريحات طومي لبيد زعيم حركة شينوي قبل فترة حول وضع عرب النقب أصدق تعبير عن توصيف حالتهم، فقد قال "بأن كل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة عاملت عرب النقب كما عامل الأميركيون الهنود الحمر قبل مئات السنين".

يهودية الدولة ومخاطر تهويد النقب
لقد برزت في الآونة الأخيرة نداءات إسرائيلية وشعارات حزبية تؤكد على ضرورة تهويد ما تبقى من أرض عربية في صحراء النقب، وقد ينعكس شعار يهودية الدولة الذي أكد عليه في الخطاب السياسي الإسرائيلي أيضا على النشاط الاستيطاني الإسرائيلي وتعزيزه في صحراء النقب لجهة طمس الهوية العربية في تلك المنطقة، وهذا ما اتضح على الأرض من خلال تدمير وإزالة معالم قرية العراقيب في النقب مؤخرا.

وقد تستخدم الحكومة الإسرائيلية ومراكز البحث الإسرائيلية مسميات عديدة تحت ما يسمى بعمليات التطوير من أجل تكثيف الاستيطان وتسمينه بغية ابتلاع مزيد من أراضي البدو في صحراء النقب.

مما تقدم اتضحت معاناة عرب النقب، الأمر الذي يتطلب أكثر من أي وقت مضى تسليط الضوء على أوضاع العرب داخل الخط الأخضر، خاصة في صحراء النقب، وهذا يتطلب فضح السياسات الإسرائيلية المتبعة ضدهم والهادفة إلى تهجير أكبر عدد ممكن من العرب الفلسطينيين إلى خارج أرضهم أو إلى إعادة توزيعهم في قرى أخرى غير قراهم التي ترعرعوا في كنفها، فضلا عن ابتلاع ما تبقى من أراض عربية في حوزة العرب الفلسطينيين في جنوب فلسطين المحتلة.

واللافت في هذا السياق أنه رغم أن الأقلية العربية داخل الخط الأخضر تشكل نحو 20% من إجمالي سكان إسرائيل لا تمتلك تلك الأقلية في أرضها التاريخية سوى 3% من مساحة المنطقة المقامة عليها إسرائيل، الأمر الذي يؤكد أهمية الخطوات الإسرائيلية في تهويد الأرض الفلسطينية ركيزة هامة وأساسية في استمرار التوجهات الإسرائيلية وبناء المؤسسات الإسرائيلية وفرض الأمر الواقع الإسرائيلي على حساب الشعب الفلسطيني وأرض أجداده.

"
تستخدم الحكومات الإسرائيلية ومراكز البحث الإسرائيلية مسميات عديدة تحت ما يسمى بعمليات التطوير من أجل تكثيف الاستيطان وتسمينه بغية ابتلاع مزيد من أراضي البدو في صحراء النقب
"

استخلاصات أساسية
من خلال ما تقدم يمكن تسجيل الاستخلاصات التالية:

أولا: اتضحت الأهداف الإسرائيلية بعد تدمير قرية العراقيب في النقب قبل عدة أيام، حيث العمل جار على قدم وساق لتهويد تلك المنطقة.

ثانيا: تستحوذ منطقة النقب في جنوب فلسطين المحتلة على أكثر من 50% من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومترات مربعة، وبفعل الزيادة السكانية العالية بين العرب في تلك المنطقة ارتفع عددهم من نحو 15 ألفا في العام 1948 إلى حوالي 170 ألفا في بداية العام الحالي 2010.

ثالثا: تشير الدراسات المختلفة إلى وجود مخططات استيطانية إسرائيلية رسمية وأكاديمية أيضا للانقضاض والسيطرة على ما تبقى من أراضي البدو في قرى صحراء النقب لتحويلها إلى مناطق ومزارع عسكرية إسرائيلية، وفي هذا السياق تندرج عملية تدمير قرية العراقيب وإزالتها بالكامل.

رابعا: قد تستخدم الحكومات الإسرائيلية ومراكز البحث الإسرائيلية مسميات عديدة تحت ما يسمى بعمليات التطوير من أجل تكثيف الاستيطان وتسمينه بغية ابتلاع مزيد من أراضي البدو في صحراء النقب في المستقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة