الشروخ في الثقافة الإسرائيلية.. الغناء مثالا   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ صالح محمد النعامي

- الغناء بالعربية
- سرقة الألحان الشرقية
- الروس منقطعون عن الثقافة الإسرائيلية
- نهاية المشروع الصهيوني الثقافي
- زيف القومية اليهودية

على مدى أكثر من خمسة عقود عمل قادة الحركة الصهيونية وزعماء إسرائيل دوما وبكل ما أوتوا من قوة على جعل الدولة العبرية بمثابة "البوتقة" التي تنصهر فيها شتى الثقافات التي انتمى إليها اليهود قبل هجرتهم لإسرائيل، ليكون نتاج عملية الانصهار هذه "الثقافة الإسرائيلية" التي طمحوا لأن تسهم في تشكيل شخصية اليهودي "الإسرائيلي".

لكن الواقع يؤكد أن الدولة العبرية لم تفشل فقط في "صهر" الثقافات المتباينة للمهاجرين" ودمجها لإنتاج "الثقافة الإسرائيلية"، بل إن القائمين على الشأن الثقافي في الدولة العبرية باتوا يدركون أن توحيد الهوية الثقافية بين اليهود كان أمرا مستحيلا بسبب التباين الكبير بين الطوائف التي تشكل المجتمع الإسرائيلي.

وإن كانت الثقافة لأي شعب أو أمة تتكون من اللغة والتراث والعادات والأدب والموسيقي والفن، فإن اختبار واقع الغناء في الدولة العبرية على سبيل المثال يشكل دليلا قويا على انعدام وجود ثقافة إسرائيلية موحدة، بل سيادة العديد من الثقافات الإثنية في الدولة.

بعد أكثر من خمسة عقود ظل المهاجرون متعلقين بأنماط الغناء التي كانت سائدة في الثقافات التي حملوها معهم إلى الدولة العبرية، ولم تنجح بوتقة الصهر في "أسرلة" الغناء وجعله "إسرائيليا"، وظلت كل طائفة مخلصة للغناء بلغات الدول التي هاجرت منها.

الغناء بالعربية

الاستماع للأغاني العربية ليس مقصورا على كبار العمر الذين مازالوا مشدودين لتراثهم الثقافي، بل إن هؤلاء يورثون هذا الميل الثقافي لأبنائهم الذين ولدوا وترعرعوا في إسرائيل نفسها
الذي يتجول في مدن "التطوير" التي تقع في أطراف الدولة أو في الأحياء الشعبية بالمدن الكبرى، وهي المناطق التي يقطنها عادة اليهود ذوو الأصول الشرقية، لا بد أن يسمع بسرعة أصوات الأغاني والموسيقى العربية المنبعثة من البيوت في هذه المناطق، فضلا عن ملاحظته الأكشاك التي تبيع الأشرطة والأقراص المدمجة للأغاني العربية.

في الأسواق الشعبية بالمدن الكبرى مثل القدس وتل أبيب وحيفا التي يرتادها عادة اليهود ذوو الأصول الشرقية يستخدم أصحاب المحلات التجارية والبسطات مكبرات صوت تصدح بالأغاني العربية، ليس فقط لأن هؤلاء يستمعون لهذه الأغاني، بل إن ذلك أصبح وسيلة للتنافس بينهم لجذب الزبائن.

أصحاب المحلات التجارية من اليهود ذوي الأصول العراقية يحرصون على سماع أغاني كبار قدامى المطربين العراقيين أمثال ناظم الغزال وصالح الكويتي وغيرهما، في حين أن اليهود المهاجرين من مصر يسمعون أغاني فريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ.

الاستماع للأغاني العربية ليس مقصورا على كبار العمر الذين لازالوا مشدودين لتراثهم الثقافي، بل إن هؤلاء يورثون هذا الميل الثقافي لأبنائهم الذين ولدوا وترعرعوا في إسرائيل نفسها، وهؤلاء يقبلون بشكل واضح على اقتناء أشرطة الغناء العربي، بل إنهم يرددونها.

وحتى كبار قادة الدولة من ذوي الأصول الشرقية يحرصون على الاستماع للغناء العربي، فقد عرضت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي جانبا من حفل زفاف ابنة وزير الخارجية الإسرائيلي الأسبق ديفد ليفي النائب الحالي عن حزب الليكود، وظهر الوزير وهو يراقص ابنته ويوجه لها كلمات المطرب فريد الأطرش "جميل جمال، مالوش مثال".

ومن بين قادة الدولة من ذوي الأصول الشرقية من لا يتردد في الإقرار بتعلقه بالغناء الشرقي، مثل رئيس الدولة موشيه كتساف ووزير الدفاع الإسرائيلي المتطرف شاؤول موفاز، وكلاهما مهاجر من إيران، ويؤكد الاثنان أنهما يحرصان على الاستماع للغناء بالفارسية أكثر من الاستماع للغناء بالعبرية.

سرقة الألحان الشرقية
نظرا للإقبال على الغناء العربي فقد انتشرت في إسرائيل ظاهرة المطربين الذين يحيون حفلات الزفاف والمناسبات الاجتماعية عبر أداء أغان عربية، في الوقت نفسه لجأ كبار المطربين الإسرائيليين إلى سرقة الكثير من ألحان الأغاني العربية وركبوا عليها أغاني باللغة العبرية، وذلك من أجل إكساب هذه الأغاني شعبية في أوساط ذوي الأصول الشرقية على وجه الخصوص.

وعلى سبيل المثال لحن أغنية "أهافتي أهافتي" (محبوبتي محبوتي) التي يؤديها نجم الغناء العبري آفي جولان هي في الحقيقة لحن أغنية "مريم مريمتي" التي يؤديها أحد المطربين اللبنانيين. وبعض المطربين يسافر إلى بعض الدول العربية في محاولة للعثور على ألحان لأغان قديمة تترك أثرا في نفوس اليهود الشرقيين، كما فعلت المطربة زهافا بن التي سافرت لليمن من أجل الحصول على ألحان تتناسب مع أذواق المهاجرين من اليمن.

أحد الأدلة على فشل نظرية "صهر" ثقافات اليهود، هو حقيقة أن العديد من الجمعيات اليهودية أصبحت تعنى ببعث الثقافة الشرقية في الدولة، فعلى سبيل المثال أقيمت فرق موسيقية تعنى بالتغني بالشعر العربي الذي نظم إبان وجود اليهود في الأندلس، وهناك فرق تعنى بغناء الموشحات الأندلسية التي نظمها الشعراء العرب في تلك الحقبة. ويحرص رجال أعمال يهود على تمويل أنشطة هذه الجمعيات.

الروس منقطعون عن الثقافة الإسرائيلية

الغناء لدى اليهود الروس مثال آخر على فشل جهود الدولة لبلورة الثقافة الإسرائيلية المتنوعة, فالمهاجرون الروس أقاموا الإذاعات وقنوات الكوابل التلفزيونية التي تعنى بالأغاني الخاصة
معروف أن المهاجرين الروس يشكلون أكبر قطاع إثني في الدولة العبرية، فهؤلاء وحدهم يشكلون سدس السكان في الدولة، ومع هذا الثقل الديموغرافي الكبير وعلى الرغم من أنه قد مضى أكثر من 14 عاما على هجرة معظم اليهود الروس للدولة إلا أن أغلبيتهم الساحقة لا تزال تتداول اللغة الروسية، ومعظم هؤلاء لا يجيدون اللغة العبرية، من هنا كان التنافر بين هؤلاء و"الثقافة الإسرائيلية" حادا وقاطعا.

والغناء لدى اليهود الروس هو بالتالي مثال آخر على فشل جهود الدولة لبلورة الثقافة الإسرائيلية، المستوعبة لثقافات الإثنيات التي ينتمي إليها اليهود في إسرائيل. فالمهاجرون الروس قد أقاموا الكثير من الإذاعات وقنوات الكوابل التلفزيونية التي تعنى ببث الأغاني باللغة الروسية.

إلى جانب ذلك حرص ممثلو الروس في الحكومة والبرلمان على إرغام وزارة الداخلية على السماح لمطربين روس بالقدوم لإسرائيل من أجل إحياء حفلات غناء في مسارح ونواد ليلية روادها من الروس فقط.

في الوقت نفسه حرص ممثلو اليهود الروس على تشجيع ظهور مطربين ومطربات من أوساط اليهود الروس يغنون باللغة الروسية، أو باللغات التي يتحدث بها المهاجرون من الجمهوريات الأخرى التي كانت تشكل الاتحاد السوفياتي.

ووصل الأمر إلى حد تنازل الدولة عن دمج الروس في الثقافة الإسرائيلية، حيث استطاعت القيادات السياسية لليهود الروس إقناع الدولة بتخصيص ميزانيات كبيرة نسبيا لدعم المؤسسات التي تعنى بالغناء الروسي، على الرغم من أن ذلك يمثل ضربة لقادة الحركة الصهيونية الذين حلموا أن تكون العبرية -والعبرية فقط- هي حاضنة مركبات الثقافة في الدولة.

كبار قادة الدولة والسياسيون وجدوا أنفسهم مرغمين على تملق المنتمين إلى التجمعات الإثنية المختلفة من أجل كسب تأييدهم السياسي عبر تشجيع الغناء بلغات البلدان التي هاجر منها هؤلاء وآباؤهم.

فرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون حرص في الحملة الانتخابية الأخيرة على مشاركة أطفال روس أداء أغنية باللغة الروسية، وما يقوم به الساسة تجاه الروس يقومون به تجاه المنتمين إلى الأقليات الإثنية الأخرى.

نهاية المشروع الصهيوني الثقافي
فشلت اللغة العبرية في احتضان مركبات الهوية الثقافية الإسرائيلية كما أمل مؤسسو الحركة الصهيونية والدولة العبرية. ومن المفارقات ذات الدلالة أنه كلما ازداد عدد المهاجرين اليهود للدولة ازدادت الشروخ في الهوية الثقافية الإسرائيلية وأصبحت أكثر عمقا.

وحسب تقرير أعده البرفيسور إلياهو كاتس والدكتور هيد سيلع تبين أن جميع الخبراء في مجال الثقافة الذين تحدث إليهم الباحثان يؤكدون أن إسرائيل لا تملك سياسة ثقافية. وأوجد هذا الواقع ثلاث ثقافات تنشط في الدولة ما يفرقها أكثر كثيرا مما يوحدها، فهناك الثقافة العبرية الغربية بشقيها العلماني المتأثر بالثقافة الأوروبية والأميركية والديني الإشكنازي.

والثقافة الشرقية العبرية العربية، وهي ثقافة اليهود الذين هاجروا من الدول العربية والإسلامية، وهي أيضا منقسمة إلى دينية وعلمانية، والثقافة الروسية وهي ليست عبرية ولا يهودية، بل ثقافة روسية صرفة رموزها دستويفسكي وتولستوي وبوشكين.

وفي استطلاع نشر في يونيو/ حزيران 2001 عن أكثر الكتاب قراءة لدى اليهود الروس تبين أن هؤلاء الثلاثة لازالوا أبطال الثقافة بالنسبة لليهود الروس، حتى بالنسبة لأولادهم الذين ولدوا في إسرائيل.

وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة هامة، وهي أن مؤسسي الدولة العبرية كانوا يحرصون على الطابع الغربي للثقافة الإسرائيلية، فقد كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول بن غوريون يفاخر قائلا "إن إسرائيل هي امتداد الحضارة العلمانية الغربية وسط الشرق المتخلف"، من هنا سخرت الطاقات من أجل تغليب الطابع الغربي للثقافة الإسرائيلية.

لكن هذا الطابع من الثقافة ظل نخبويا إلى حد كبير، فالذين يستمعون للغناء العبري على النمط الغربي هم في الحقيقة من الطبقات الوسطى التي تآكلت إلى حد كبير، فقط النخب اليهودية ذات الأصول الغربية هي التي لازالت تستمع إلى نجوم الغناء العبري على النمط الغربي، أمثال: ريتا وإيفي ليخشتاين وكاسبي.

لقد فشلت الثقافة الإسرائيلية في استيعاب الثقافات الأخرى وعجزت عن صهرها، ليكون ذلك دليلا على نهاية المشروع الثقافي الصهيوني.

زيف القومية اليهودية

عجز الثقافة الإسرائيلية عن استيعاب معظم ثقافات اليهود يدحض مزاعم الصهاينة بأن هناك "قومية يهودية"، وهي المزاعم التي على أساسها تدعي الحركة الصهيونية أن لها الحق في إقامة "وطن قومي لليهود"
اللافت للنظر أن الفئات التي تنأى عن الثقافة العبرية الإسرائيلية هي في الغالب ذات توجهات يمينية ونزعة شوفينية، خصوصا الروس والشرقيين، وبالتالي لا يمكن اتهام هذه الفئات بالتقصير في تحقيق أهداف الحركة الصهيونية.

لذا فإن عجز هذه الثقافة عن استيعاب ثقافات معظم اليهود الذين هاجروا للدولة إنما يدحض مزاعم الصهاينة بأن هناك "قومية يهودية"، وهي المزاعم التي على أساسها تدعي الحركة الصهيونية أن لها الحق في إقامة "وطن قومي لليهود".

هذه الحقيقة استوعبها العديد من كبار الباحثين في الدولة العبرية، فأستاذ علم الاجتماع الإسرائيلي باروخ كيلمبرغ يعتبر أن تعدد الثقافات الإثنية –كما يعكس ذلك واقع الغناء في الدولة- لا يمثل تعددية ثقافية بقدر ما يعني زيف ادعاء الحركة الصهيونية بوجود شيء اسمه "قومية يهودية".
ـــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة