سياسة أميركا الداخلية بشأن الحرب على الإرهاب   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ غراهام فولر

ظهرت في الأسبوع الماضي غضبة سياسية في واشنطن بشأن المعلومات الاستخبارية التي توفرت لدى إدارة الرئيس بوش في الأسابيع التي سبقت هجمات 11 سبتمبر/أيلول الإرهابية في العام الماضي. وعلى الرغم من أن الاتهامات التي وجهت لبوش بأنه لم يأخذ على محمل الجد التحذيرات التي قدمت له لم تكن اتهامات ذات شأن كبير، فإن بدء الهجوم على إدارة بوش يمثل تطورا جديدا وهاما جدا في السياسة الأميركية والتي يمكن أن تؤدي إلى إضعاف موقف الرئيس وسياساته.

وتقول المعلومات التي أوردتها الصحف الأسبوع الماضي بأن وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) زودت بوش بتحذيرات سرية للغاية في شهر أغسطس/آب 2001 تفيد بأن أسامة بن لادن كان يخطط للبدء بعمليات إرهابية لأول مرة داخل الأراضي الأميركية انتقاما من الضربات الصاروخية الأميركية على معسكراته في أفغانستان عام 1998. وذهب تقرير المخابرات إلى حد أن بن لادن يمكن أن يحاول خطف طائرات داخل الولايات المتحدة. إضافة إلى ذلك ذكر تقرير لمكتب التحقيقات الفدرالي بأريزونا في شهر يوليو/تموز 2001 عن وجود عدد من العرب يتدربون في مدارس الطيران هناك في ظروف تبعث على الريبة. لكن هذه المعلومة لم ترسل إلى واشنطن كما أن السي آي إيه لم تستلمها أبدا. وقد تبين فيما بعد أن قائمة أسماء المتدربين العرب كانت تضم اثنين من المرتبطين بتنظيم القاعدة. وعلى الرغم من أن بوش علم بتقرير السي آي إيه بخصوص احتمال قيام بن لادن بخطف طائرات داخل الولايات المتحدة، فإن ذلك التقرير لم يحدد بالضبط تواريخ أو أماكن محتملة لعمليات الخطف، كما لم يأت التقرير على أي ذكر لاحتمال اصطدام الطائرات المخطوفة بالمباني على النحو الذي جرى بعد ذلك. ومع ذلك فإن دراسة عن الإرهاب قامت بها مجموعة خاصة من الباحثين قبل ذلك بعام أشارت إلى احتمال قيام إرهابيين بخطف طائرات لمهاجمة مفاعلات نووية أو مركز التجارة العالمي أو مبان في واشنطن.


الجدل بشأن علم الرئيس بوجود مخططات لضرب أهداف داخل أميركا يزداد حدة مما يجعل الرئيس بوش يشعر بشيء من الضعف تجاهها في انتخابات الكونغرس في الخريف القادم
وقال منتقدو إدارة بوش إنه كان ينبغي عليه اتخاذ عمل أكثر حزما قبل 11 سبتمبر/أيلول لتشديد إجراءات الأمن في المطارات للحيلولة دون خطف الطائرات، وقد ردت الإدارة على هذه الاتهامات بغضب حتى إن نائب الرئيس تشيني شكك في وجود بواعث وطنية من إثارة هذه الاتهامات قائلا إن الديمقراطيين يخوضون في قضية حساسة هي الأمن القومي ويوظفونها لأغراض سياسية. وقد طالب الديمقراطيون في الكونغرس بإجراء تحقيق في المعلومات التي كانت متوفرة لدى البيت الأبيض قبل 11 سبتمبر/أيلول، فالنبرة التي يتم فيها طرح هذه المسألة في واشنطن تتزايد حدة مما يجعل الرئيس بوش يشعر بشيء من الضعف تجاهها في الانتخابات القادمة.

وبرأيي فإن التهم التي تقول بأن بوش كان يستطيع عمل أكثر مما عمل لمنع هجمات 11 سبتمبر/أيلول لا تقوم على أساس متين، فعلى الرغم من أنني أنتقد بشدة إدارة بوش والطريقة التي تدير فيها الحرب على الإرهاب، فإنني لا أعتقد أن هذه التهمة بعينها صحيحة.

إن أي شخص عمل في مجال الاستخبارات أو الأمن يعرف أن الحكومة تتلقى عشرات التقارير عن تهديدات أمنية محتملة، وكثير من هذه التقارير أو غالبيتها غير صحيحة ومتحيزة وغير دقيقة أو أنها غامضة لا تفيد. فقبل بضعة أيام -أو في 18 مايو/أيار بالتحديد- قال تشيني في تصريح تلفزيوني إن هناك احتمالا نسبته مائة بالمائة بأن تقوم القاعدة بهجوم آخر في المستقبل القريب. لكن مثل هذا التحذير -كقبله من التحذيرات- لا يساعد أبدا، فعندما لا يكون معروفا وقت أو مكان أو حتى أسلوب الهجوم الإرهابي ما الذي يمكن عمله لتجنب هذا العمل أو منعه؟ وحتى لو أصدر الرئيس بوش الصيف الماضي تحذيرات جديدة لسلطات المطارات فإنها لن تغير شيئا لأن تلك المطارات كانت أصلا قد اتخذت إجراءات أمنية مشددة، فكيف يمكن أن نعرف ما هو التقرير الذي يجب أن نصدقه على افتراض أن هناك تقريرا صادقا؟ فليس هناك أي مؤسسة يمكنها أن تعمل في حالة حذر كامل على أساس دائم، فبعد فترة من الزمن تبدأ جميع الإجراءات الأمنية بالتراخي والفتور. والواقع أن أحد أساليب الإرهاب قد يكون إصدار إشارات أو تحذيرات وهمية لإجبار السلطات على رفع حالة التأهب الأمني إلى أقصى مستوى لها، ثم تأتي الضربة الإرهابية عندما تبدأ الحالة بالضعف والتراجع بعد مدة من الزمن لا يقع فيها أي حادث.

كما أن تقرير مكتب التحقيقات الفدرالي من ولاية أريزونا بخصوص أفراد مشبوهين يتلقون تدريبا على الطيران وما قيل بأنه لم يصل إلى واشنطن أو إلى السي آي إيه في الوقت المحدد يعتبر تهمة خطيرة، لأن التقرير كان سيساعد السلطات الأمنية على تركيز انتباهها، لكن الفشل لم يكن بسبب خطأ من بوش. ولذلك لا أعتقد بوجود قضية كبيرة ضد الرئيس بخصوص هذه المسألة، فيمكن انتقاد الرئيس بوش بسبب سياساته المختلفة لكن لا يمكن انتقاده على هذا الموضوع بالتحديد.


بوش أصبح فوق النقد السياسي بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول وازدادت مكانته قوة بعدها، لكن هذه المكانة بدأت الآن تتلاشى وتخف بسبب انتهاء الحرب في أفغانستان، وربما يثير أنصار الجمهوريين مخاوف الشعب الأميركي من هجمات جديدة للحفاظ على قوة بوش وموقفه
والواقع أنه في نظام ديمقراطي كأميركا فإن الحزبين السياسيين فيها يمكن أن يوظفا مثل هذه الواقعة لأغراض سياسية، لكن شيئا أكثر أهمية يمكن أن يحدث هنا، فالحقيقة أنه بعد 11 سبتمبر/ أيلول أصبح بوش فوق النقد السياسي، ففي وقت الأزمة التفت كل الأمة حول القائد ولم تنتقد سياساته. وعبر ثمانية أشهر منذ أحداث 11 سبتمبر/أيلول ظل الرئيس بوش بعيدا عن النقد والهجوم، لكن هذه الحصانة ربما بدأت تتلاشى الآن لأن الحرب في أفغانستان انتهت ولم تحدث تهديدات جديدة. هناك استياء شعبي كبير من بوش بسبب سياساته الداخلية الأخرى مثل قضايا البيئة وفضيحة إنرون والميزانية ومحاولات الإدارة جاهدة إبعاد الصحافة عن أي معلومات بخصوص أعمالها الداخلية أكثر من أي إدارة أميركية سابقة. هناك استياء أيضا من تفرد بوش في السياسة الخارجية بخصوص عدد من القضايا، وهو ما جعل الولايات المتحدة تفقد شعبيتها في كثير من دول العالم.

قد تكون مسألة التحذيرات الأمنية هذه فتحت الباب لأول مرة منذ ثمانية أشهر أمام موجة انتقادات للإدارة الأميركية، ويستفيد النقاد من هذه الاتهامات من أجل انتقاد سياسات أخرى يقوم بها النظام، وبدؤوا يعاملون بوش بوصفه رئيسا "عاديا" مرة أخرى وليس كزعيم قومي في زمن الحروب والمآسي. وفي الوقت نفسه تريد إدارة بوش الإبقاء على الجو المتأزم نفسه والإيحاء باستمرار التهديدات الدولية لكي يتمكن الرئيس من المحافظة على سلطته والبقاء فوق النقد، وحتى يستطيع اتهام خصومه "بالتلاعب في الأمن القومي لأغراض سياسية".

ولكن هل التهديدات الجديدة التي ذكرها تشيني هذا الأسبوع تعتبر معلومات جديدة فعلا؟ فتشيني قال إن هجوم القاعدة يمكن أن يأتي في غضون أيام أو أسابيع أو شهور أو حتى سنوات من الآن. فهذا النوع من التحذيرات غير مفيد ويجعل جو التهديد والخوف ينتشر بين الناس مما يعزز من موقف الرئيس في انتخابات الكونغرس القادمة. إنني لا أعني بأن الرئيس نفسه يوظف تقارير التهديدات هذه لأغراض سياسية، لكن هناك حديث يجري في واشنطن اليوم يقول بأن موقف بوش القوي في السلطة ربما بدأ يضعف. وبما أن انتخابات الكونغرس تقترب من موعدها إذ ستجري في الخريف القادم أو بعد ستة أشهر، فإن كلا الحزبين السياسيين الجمهوري والديمقراطي سيعملان على توظيف هذه المسألة لتحقيق منافع خاصة.

ولكن ماذا لو وقع هجوم آخر كبير من القاعدة على الولايات المتحدة سواء داخل أميركا أو خارجها؟ إن مثل هذا الحدث سيعزز من جديد قبضة الرئيس بوش على الحكم وهو الذي يعتبر أكثر الرؤساء الأميركان محافظة منذ عقود طويلة وهو الذي أيد الحملة التي تقوم بها الشرطة ومكتب التحقيقات الفدرالي والتي تبدو أكبر مما خبرته الأمة الأميركية منذ عهد مكارثي في الخمسينيات. إن هجمات بن لادن في 11 سبتمبر/أيلول أدت إلى تبني سياسات متطرفة وقاسية ليس في الولايات المتحدة وحدها بل في العالم أجمع.

من الصعب أن نعرف ماذا يعني أي هجوم جديد بالنسبة للحرب التي يشنها بوش على الإرهاب، فمثل هذا الحدث يمكن أن يكون له وقع سلبي جدا على السياسة الأميركية في الداخل والخارج على حد سواء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة