الانسحاب من غزة بين الجدل الإسرائيلي والموقف الفلسطيني   
الأربعاء 1425/11/11 هـ - الموافق 22/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:57 (مكة المكرمة)، 12:57 (غرينتش)



















 
 
كثيرة هي الأسئلة والمعطيات التي تطرحها خطة شارون للانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة بعد مصادقة الكنيست الإسرائيلي عليها يوم 26 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، سواء أكان منها ما يتعلق بتحولات شارون المفاجئة كما عكستها الخطة ومن ثم كلمته أمام الكنيست قبل التصويت، أم ما يتصل بقراءتها في ضوء تصريحات مدير ديوانه دوف فايسغلاس حول دوافعها وأهدافها، مروراً بمستقبل تطبيقها على الأرض في ظل التباينات بشأنها داخل الليكود، وصولاً إلى الموقف الفلسطيني والعربي -المصري تحديداً- منها.
"
كم هو مذهل أن أرييل شارون الرجل الذي على مدى سنوات جيل "طبخ عصيدة" المستوطنات، هو الذي يلفظ الآن ذات العصيدة؟
"
في البداية لا يسع المراقب سوى التوقف عند تحولات شارون، سيما في ضوء الكلمة العاطفية التي ألقاها أمام الكنيست قبل التصويت، وهي كلمة فاجأت المراقبين تماماً كما فاجأهم قرار شارون الأولي بالانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.
 
تعليقات الصحافة الإسرائيلية عكست بدورها حجم المفاجأة من كلمة شارون، فهذا "بن كسبيت" المعلق الشهير في صحيفة معاريف يقدم مقاطع من كلمة شارون مشفوعة بعلامات التعجب، كقوله مخاطباً الفلسطينيين "أنا أريد أن تعرفوا بأننا لم نسع إلى بناء حياتنا في هذا الوطن على خرابكم"، يقول شارون. (شارون!!) للعرب، "كثيرون سقطوا في المعركة وكثيرون فقدوا بيتاً أو حقلاً وزرعاً وصاروا لاجئين"، يواصل القول شارون (أرييل شارون!!) للاجئين، "نحن نتألم اليوم على تضحية الأبرياء من بينكم"، يعتذر"!!
 
يضيف المعلق الإسرائيلي قائلا "هكذا هو أرييل شارون ونحن لم نعرف؟ أريك المظليين، شارون عمليات الرد وقبية، شارون وحدة 101، شارون لبنان، شارون الاستيطان، شارون زمبيش، شارون الأدموريين، الحاخامين، الأطواق، الجولات التي لا تنتهي في المناطق، شارون الحملات الليلية، شارون إبادة الإرهاب....".
 
إيتان هابر مدير مكتب رابين سابقاً كتب بدوره في يديعوت أحرونوت يقول "كم هو مذهل أن أرييل شارون، الرجل الذي على مدى سنوات جيل "طبخ عصيدة" المستوطنات هو الذي-وكم فظيعاً القول- يلفظ الآن ذات العصيدة؟".
 
معلق آخر معروف في صحيفة يديعوت أحرونوت هو شمعون شيفر تحدث عن المفاجأة الواسعة بموقف شارون قائلا "لم يصدق أحد بأن شارون سيكون أول رئيس وزراء يقود خطة لإخلاء من طرف واحد لآلاف المستوطنين من دون أي مقابل من الطرف الفلسطيني".
 
تلك كانت عينة من ردود الفعل الإسرائيلية التي سبق أن ورد الكثير منها خلال الشهور العشرة التي مرت على طرح خطة فك الارتباط، لكنها بدت مختلفة هذه المرة بعد سماع كلمة شارون في الكنيست، والتي زاد في غرابتها مجيئها في ظل حشد ضدها داخل الليكود، الأمر الذي كان ينبغي أن يدفعه نحو لغة مختلفة تستعيد صقوريته أو تضع الخطة في إطار مختلف، لكن المفاجأة أن الرجل قد بالغ في واقعيته إلى درجة مثيرة.
 
الخطة.. دوافع وأهداف
ما من أحد لخص الدوافع والأهداف الكامنة خلف طرح الخطة من قبل شارون كما فعل مدير ديوانه دوف فايسغلاس. وهذا الرجل ليس عادياً أبداً، بل هو أقرب المقربين من شارون، وربما كاتم أسراره، فضلاً عن كونه المحطة التي تمر من خلالها الحوارات مع الأميركان، حيث يحظى الرجل بعلاقة خاصة مع مستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس.
 
في حوار له مع صحيفة هآرتس نشر الشهر الماضي كشف فايسغلاس الظروف التي أنتجت الخطة والأهداف التي أراد شارون تحقيقها من خلالها.
 
فعلى الصعيد الأول أوضح الرجل أن شارون كان يعيش وضعاً صعباً قبل طرح الخطة، إذ أدرك "أن الوقت لا يصب في مصلحتنا.. هناك تآكل دولي وداخلي وكل شيء ينهار في البلاد.. الاقتصاد في وضع صعب، ومن ثم تظهر مبادرة جنيف ذات التأييد الواسع، وتأتيك عريضة الضباط والطيارين والوحدات الخاصة، وهؤلاء ليسوا شباناً غريبي الأطوار مع أقراط في آذانهم، بل هم خيرة شبيبة هذه البلاد".
 
وهنا لم يذكر فايسغلاس ما كان يتعرض له شارون من حملة اتهامات بالفساد هي في جوهرها تعبير عن سخط النخبة السياسية والأمنية في البلاد على سياساته.
 
"
هدف خطة شارون كما لخصها فايسغلاس هو توفير كمية الفورمالين المطلوبة للحفاظ على رؤية بوش لدولتين من التحلل, حتى لا تحدث عملية سياسية مع الفلسطينيين
"
أما هدف الخطة فقد لخصه فايسغلاس بالقول إنه توفير "كمية الفورمالين المطلوبة حتى لا تحدث عملية سياسية مع الفلسطينيين".
 
والفورمالين هو المادة التي تحفظ فيها الجثث للحفاظ عليها من التحلل. والجثة هي خطة بوش لدولتين. أما النتيجة كما ذهب محاور فايسغلاس الصحفي اليساري آري شبيط فهي "تجميد العملية السياسية"، وهي التي تعني حسبما يفهم شارون "مجموعة من المفاهيم والالتزامات" على رأسها "دولة فلسطينية مع كل المخاطر الأمنية التي ينطوي عليها ذلك"، إضافة إلى "إخلاء مستوطنات وإعادة لاجئين وتقسيم للقدس"، "وهذا كله جمّد الآن" وفق تعبير فايسغلاس.
 
لم ينس فايسغلاس أن يغازل المستوطنين الذين لو أدركوا دلالات الخطة لرقصوا حول ديوان شارون -حسب قوله- نظراً لكونها تجلي 5000 مستوطن مقابل تثبيت 19 ألفا آخرين في مستوطنات الضفة الغربية.
 
يصل بنا هذا مباشرة إلى دلالات الخطة من زاوية النظر الفلسطينية، فعلى النقيض مما ذهب إليه فايسغلاس كانت نخب سياسية في الطرف الفلسطيني تروج لهزيمة فلسطينية وقعت بسبب ما عرف بعسكرة الانتفاضة، رافضة الاعتراف بأن قرار الخروج من قطاع غزة قد تم بسبب الصمود الفلسطيني وعجز شارون عن فرض ما يريد على الفلسطينيين.
 
ولا حاجة هنا إلى تقديم أدلة أخرى على هراء مقولات الانتصار الإسرائيلي على الفلسطينيين، حتى لو كانت تقر بالصمود الإسرائيلي وبالمعاناة التي حصدها الفلسطينيون من جراء المقاومة التي جلبت بدورها الردود الهمجية للقوات الإسرائيلية.
 
فهذا الخبير الإستراتيجي الإسرائيلي الشهير زئيف شيف يكتب في هآرتس مقالاً بعنوان "عفواً لم ننتصر"، يقول فيه بعد عقد مقارنة مع حرب الأيام الستة إن "المواجهة الراهنة بالمقابل لا تزال في أوجها، فالخلاصات في ميدان المعركة لا تزال تكتيكية فقط. في المجال السياسي تلقت إسرائيل هزيمة شديدة.. المفاوضات توقفت، ولا أحد يعرف إلى أين تقود المواجهة، وعليه فإن هتافات النصر مضللة".
 
في ذات السياق يتوقف شيف عند مسألة مهمة لا يلاحظها بعض المهزومين في الوسط الفلسطيني والعربي، وهي ازدياد الدافعية لدى الشبان الفلسطينيين للانخراط في أعمال المقاومة رغم الخسائر والتضحيات الكثيرة التي يدفعها الفلسطينيون وقواهم المقاومة على مختلف الأصعدة، الأمر الذي يؤكد أن المقاومة ستستمر إذا ما توفرت الظروف الأخرى التي تمنحها فرصة الاستمرار وعلى رأسها عدم تورط السلطة في العمل المباشر ضدها خلال المرحلة المقبلة.
 
من المؤكد أن القناعة التي عبر عنها المحللون الإسرائيليون الذين أشرنا إلى بعضهم هي التي تقف بدورها في خلفية النزاع الدائر في الأروقة الإسرائيلية حول خطة شارون، الأمر الذي كان أكثر وضوحاً في أوساط الليكود واليمين الإسرائيلي، فضلاً عن جحافل المستوطنين الذين لم يتوقفوا عن إطلاق التهديدات ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي معيدين مجتمعهم إلى الأجواء التي قتل فيها رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين.
 
في هذا السياق يتحدث المراقبون عن احتمال أن ينحني شارون أمام الضغوط المكثفة من داخل حزبه ويذهب باتجاه الاستفتاء الشعبي على الخطة، وفي هذه الحال فإن سؤالاً حول نجاح الفكرة في الكنيست يظل مطروحاً، فيما يبدو أن نجاحها عملياً يبدو مؤكداً لأن استطلاعات الرأي ما زالت تشير إلى تأييد نسبته 65%.
 
أما إذا أصر شارون على رفض الاستفتاء فإن التحالف مع حزب العمل يبقى وارداً، لكن ذلك سيصطدم بعقبة التمرد داخل الليكود، الأمر الذي يرجح الذهاب نحو انتخابات مبكرة.
 
"
سيظل موقف السلطة من الخطة رهناً بالموقف المصري، ذلك أن رفض المصريين التعاطي مع الخطة لن يوفر لها النجاح المطلوب إسرائيلياً، وستبقى المقاومة على حالها
"
في هذا السياق وقبل ساعات من التصويت على الخطة في الكنيست، قال المحلل الإسرائيلي شمعون شيفر إن "التقدير الذي ساد في الساحة السياسية هو أنه حتى لو تمكن رئيس الوزراء من إقرار الخطة في الكنيست فإن إخلاء المستوطنات لن ينفذ، سواءً لأن حكومة شارون ستضطر إلى التوجه نحو انتخابات مبكرة، أم لأن بنيامين نتنياهو سيتمكن من فرض الاستفتاء الشعبي على شارون، ما سيؤجل الإخلاء إلى فترة غير محدودة".
 
في كل الأحوال فإن جدول الانسحاب المقرر حتى نهاية 2005 لن يكون مضموناً بسبب الأسئلة الكثيرة التي ستبقى مطروحة بشأن الانسحاب وما سيتركه المستوطنن خلفهم، والبنية التحتية، إلى غير ذلك من القضايا.
 
الموقف الفلسطيني والمصري ووسائل المواجهة
من الواضح أن الدولة العبرية ما زالت تعول في نجاح الخطة على ضغوط على مصر ومن ثم على السلطة الفلسطينية كي تبادرا إلى التعاطي السياسي معها، وذلك رغم الأبعاد المثيرة فيها، وهي الأبعاد التي تتلخص في كونها تحيل قطاع غزة إلى سجن كبير عبر الإبقاء على السيطرة على المعبر الحدودي وعلى الأجواء وعلى المنافذ البحرية، الأمر الذي يبقي القطاع في واقع الحال تحت الاحتلال وفق نصوص القوانين الدولية.
 
في هذا السياق تؤكد افتتاحية صحيفة هآرتس الإسرائيلية في اليوم التالي للتصويت على الخطة في الكنيست إنه "ينبغي أن يكون لمصر دور هام في المرحلة التالية من خطة فك الارتباط"، مضيفة أنه "إذا نجح المصريون في إقناع المنظمات الفلسطينية المختلفة بتأييد وقف النار فسيكون هذا إنجازاً هاماً ولن يكون لإسرائيل أي داع لإرسال قوات إلى القطاع".

والحال أن موقف السلطة من الخطة عموماً يظل رهناً بالموقف المصري، ذلك أن رفض المصريين التعاطي مع الخطة سياسياً وأمنياً لن يوفر لها النجاح المطلوب إسرائيلياً، وستبقى المقاومة على حالها في مواجهة ما تيسر من مواقع إسرائيلية، سيما معبر فيلادلفيا الحدودي الذي سيتحول إلى قبلة للمقاومين، مضافاً إليه أية مواقع أخرى يتمكن المقاومون من الوصول إليها حتى لو في البحر.

من زاوية قوى المقاومة فإن الانسحاب الإسرائيلي هو انتصار لبرنامجها، ولن يكتمل الانتصار إلا بانسحاب القوات الإسرائيلية من  المعبر الحدودي وسيطرة الفلسطينيين على البحر والأجواء، غير أن موافقة مصر على التعاطي مع الخطة من دون الانسحاب المذكور قد يخرب على هذا التوجه، سيما إذا اندفعت السلطة في سياق قبول ترتيبات مع الإسرائيليين بدفع من مصر أيضاً، وهو ما يبدو أكثر سهولة في حال غياب عرفات الجزئي أو الكلي.
 
من المؤكد أن تصريحات فايسغلاس كانت مفاجئة إلى حد كبير، ومن تمعن في كلمة شارون في الكنيست لابد أنه قرأ بين سطورها نوعاً من الرد تلك التصريحات عبر تأكيد موافقته على إقامة دولة فلسطينية، من دون أن يشير بالطبع إلى أي تفصيل بشأن تلك الدولة.
 
لكن واقع الحال على الأرض مازال يؤكد أن برنامج شارون الحقيقي لا يزال على حاله، ممثلاً في حكم ذاتي للفلسطينيين بمسمى دولة على قطاع غزة و42% من الضفة الغربية من دون القدس ولا عودة اللاجئين، مع الإبقاء على هذا الحال لفترة ما بين 15 و20 سنة كما ذهب فايسغلاس في حواره المشار إليه.
 
وإذا تذكرنا أن الجدار مازال يبنى ويلتهم نصف أراضي الضفة الغربية من دون أية إشارة إلى تعديلات جوهرية عليه، فإن ذلك يؤكد أن لا شيء يستحق الترحيب من الطرف الفلسطيني والعربي، وهو أمر أدركه الأردنيون كما جاء على لسان وزير خارجيتهم مروان المعشر الذي ترك منصبه في التعديل الأخير حين قال في حوار له مع عدد من الصحفيين الإسرائيليين بمناسبة الذكرى العاشرة لاتفاق وادي عربة، إن "تنفيذ فك ارتباط من دون إقامة دولة فلسطينية سيؤدي إلى تقسيم الضفة والقطاع إلى ثلاثة أقسام يكون العبور بينها صعباً جداً، والحياة ستصبح متعذرة على الفلسطينيين، وعندها سيكون الخيار الوحيد المتبقي لهم هو المغادرة نحو الأردن".
 
"
الرد الحقيقي على خطة شارون هو رفض التعاطي معها أمنيا أو سياسياً بأي حال من الأحوال، مع الكف عن المطالبة باعتبارها جزءا من "خريطة الطريق" لأنها ببساطة خريطة كارثية تضرب المقاومة
"
والحال أن ما قاله المعشر ليس من قبيل المبالغة، بل هو حقيقة واقعة إذا ترك البرنامج الشاروني يتحرك على الأرض وفق المطلوب، وإلا ما معنى تركيز شارون في خطابه أمام الكنيست على الأبعاد الديمغرافية في العلاقة مع الفلسطينيين؟ ألا يعني ذلك أننا إزاء وصفة للترانسفير الطوعي يصنعها الجدار العازل بتقسيمه للضفة وبالتهامه أراضي الفلسطينيين، ومعه البرنامج الذي تقوم عليه الخطة الجديدة لشارون؟

من هنا يمكن القول إن الرد الحقيقي على خطة شارون هو رفض التعاطي معها أمنيا أو سياسياً بأي حال من الأحوال، مع الكف عن المطالبة باعتبارها جزءا من "خريطة الطريق"، لأنها ببساطة خريطة كارثية تضرب المقاومة من دون أدنى أي أفق مقنع، سيما بعد وعد بوش الشهير لشارون.

ولعل من المفارقات هنا أن التصويت على خطة شارون في الكنيست قد حدث بعد أن تضمنت ملحقاً واحداً هو نص وعد بوش الذي قدمه لشارون في أبريل/ نيسان الماضي.

لمواجهة الموقف أيضاً لابد من ترتيب الأوراق الفلسطينية للسيطرة على الوضع بعد الانسحاب، مع استمرار المقاومة، والمواجهة السياسية وغير السياسية مع الجدار العازل.

وفي هذه الحال فقط سيظهر الانسحاب على حقيقته بوصفه هزيمة أمام المقاومة، في ذات الوقت الذي يكون فيه محطة باتجاه تحقيق إنجازات، سواء أكان بطرد الإسرائيليين من المعبر الحدودي، أم بفرض لغة أخرى في لعبة التفاوض ما دامت هي الخيار الأصيل لدى السلطة ومرجعيتها العربية.
ـــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة