ثقافة الحرب الأميركية   
الخميس 1429/10/9 هـ - الموافق 9/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:14 (مكة المكرمة)، 7:14 (غرينتش)
صالح السنوسي


لقد تبدت مع تصاعد الحملة الانتخابية الأميركية حقيقة لا يستطيع أي من المرشحين أن يتجاهلها، وهي أنه ينبغي الحفاظ على الولايات المتحدة إمبراطورية تستطيع أن تغزو وتحتل وتحتفظ بالمواقع الإستراتيجية التي استولت عليها بالقوة في ربوع الكرة الأرضية طوال الحروب التي خاضتها منذ بداية القرن العشرين, وليس مجرد قوة قادرة على الدفع عن نفسها، بل أخذت وتيرة المزايدة حول هذه القضايا تزداد ارتفاعا كلما اقترب موعد المواجهة الانتخابية حول منصب الرئاسة في نهاية هذه السنة.

فالمرشح الديمقراطي باراك أوباما يسعى جاهدا لينأى بنفسه عن تهمة الحمائمية، التي إن ثبت صحة تلبسه بها أمام الناخب الأميركي، فإن سقوطه المدوي وخسارته للسباق يصبحان أمرا يقينيا لا يتجادل حوله اثنان، ولهذا فإنه مضطر أن لا يترك جون ماكين يبدو في نظر الأميركيين أكثر منه صقورية، أو أنه أكثر منه مقدرة على تبني سياسات الغزو والاحتلال أو الاستمرار بكيفية أو بأخرى في تبني مشاريع الحروب التي بدأها الجمهوريون، ووصفها الرئيس بوش بأنها جنبت الولايات المتحدة أخطارا جسيمة كانت تتهددها.

"
ليس هناك مرشح أميركي يجرؤ على دعوة الأميركيين إلى إعادة النظر في مفردة الحرب على الإرهاب، بل يجب تبنيها بأعلى نبرة صوت ممكنة واعتبار أي منطقة في العالم مرشحة لأن تكون مسرحا لهذه الحرب دفاعا عن سلامة الموطن الأميركي وأمنه
"
ليس هناك مرشح أميركي يجرؤ على دعوة الأميركيين إلى إعادة النظر في مفردة الحرب على الإرهاب، بل يجب تبنيها بأعلى نبرة صوت ممكنة ودون أدنى تحفظ واعتبار أي منطقة في العالم مرشحة لأن تكون مسرحا لهذه الحرب دفاعا عن سلامة الموطن الأميركي وأمنه.

مفهوم أمن المواطن الأميركي يحمل معنيين خطيرين على أمن وسلامة الشعوب الأخرى:

أولا: يختلف عن مفهوم أمن أي مواطن آخر في العالم، لأنه لا يرتبط بسلامة الموطن الأميركي داخل حدود بلاده، بل يرتبط بمفهوم المصلحة حسب المفهوم الأميركي، وحيث إنه قد تأسست في ظلال القوة الإمبراطورية مصالح تمتد على حساب مصالح وحقوق الضعفاء إلى كل بقعة في العالم، فثروات الشعوب في باطن الأرض وفوق سطحها، وشكل أنظمتها السياسية ونوعية تسليحها وكذلك البحار والقنوات والمضائق، كلها ترتبط بالأمن الإستراتيجي للمواطن الأميركي.

بالتالي فإن أي ممارسة للسيادة من قبل هذه الشعوب بخصوص تلك القضايا وفي حدود حقوقها المشروعة، يعد اعتداء على أمن وسلامة المواطن الأميركي, ما لم تأخذ هذه الشعوب بعين الاعتبار أولوية المصلحة الأميركية بمفهومها الأميركي قبل مصالحها الوطنية.

إذن حدود أمن المواطن الأميركي حسب هذا المفهوم، هي أطراف الكرة الأرضية الأربعة، وهذا هو المفهوم الذي كأن سائدا طوال عصر الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية.

ثانيا: مفهوم أمن المواطن الأميركي يعني أيضا "صكا على بياض" تحت تصرف صانع القرار الأميركي، يخوله استخدام المخزون التكنولوجي الأميركي الهائل من أدوات العنف والبطش والدمار، وذلك لشن الحروب الخاطفة أو القيام بحملات غزو واحتلال أية بقعة من أراضي الشعوب الضعيفة إذا ما ساور صانع القرار الأميركي الاعتقاد بأن هذا الأمن بالمفهوم الأميركي بات يتهدده الخطر.

حسب هذا المفهوم وحسب هذه الرخصة فإن أي مرشح للرئاسة الأميركية لا يختلف عن خصمه مهما تعددت الاختلافات بينهم حول قضايا تهم الداخل الأميركي ومهما تباينت آراؤهم حول التفاصيل. وحسب هذا المفهوم وهذه الرخصة أيضا، فإن أي قادم للبيت الأبيض لابد أن يجد أمامه مشاريع حروب تنتظره.

لعل ماكين لم يكن مبالغا في بداية حملته –بدا للبعض- عندما توقع أن تبقى القوات الأميركية مائة عام في العراق إذا ما اقتضت الضرورة محاربة الإرهاب في هذا الركن من العالم، فنصف مثل هذه المدة أو أكثر مضت على القوات الأميركية في أرض إمبراطورية الشمس اليابانية دون أن يثير ذلك أدني جدل في أوساط النخبة السياسية أو الثقافية الأميركية أو على مستوى الشارع، طالما ليس هناك مقاومة يابانية تقتل جنودا أميركيين كل يوم.

"
عندما يعلن أوباما معارضته لأطروحة ماكين بخصوص الحرب في العراق فإنه في الواقع يعارضها فقط في شقها العلني الاستفزازي، ولكنه لا يختلف مع خصمه على النتائج التي يراد تحقيقها من وراء ذلك، فهو لا يخفي حرصه ولا يجرؤ على التفريط في أصغر ثمرة من ثمار الغزو والاحتلال الأميركي للعراق
"
وعندما يعلن أوباما معارضته لأطروحة ماكين فإنه في الواقع يعارضها فقط في شقها العلني الاستفزازي، ولكنه لا يختلف مع خصمه حول النتائج التي يراد تحقيقها من وراء ذلك، فهو لا يخفي حرصه ولا يجرؤ على التفريط في أصغر ثمرة من ثمار الغزو والاحتلال الأميركي للعراق، ولذا لم يكن أمامه سوى مجاراة جون ماكين، فقام بزيارة الجنود الأميركيين في العراق ليشد من أزرهم وكأنهم مرابطون على حدود ألاسكا وليس في بلد محتل يقتلون العشرات من أبنائه كل يوم.

ليس بإمكان أي مرشح أميركي يطمح إلى الفوز بكرسي الرئاسة، أن يأتي بمواقف وآراء تبدو شاذة بالنظر إلى القناعات المترسخة والثقافة السائدة لدى غالبية أفراد المجتمع، فالقناعة الراسخة والثقافة السائدة في المجتمع الأميركي هي اللامبالاة للحرب والبحث عن البطولات واستصغار شأن الآخرين.

وهذا لا شك نزوع ينفرد به دون غيره، فمثل هذه الثقافة تسود لدى كل جماعة تتوافر لديها القدرة والإمكانات التي تجعل منها الأقوى في مواجهة الجميع، وبالتالي قادرة على أن تفعل بأي منهم ما تشاء دون تضحيات تذكر، وخذ في الواقع ما ينطبق على الولايات المتحدة الأميركية في هذه الحقبة من التاريخ.

فعدد الأمم التي لا تستطيع الولايات المتحدة أن تغزوها وتحتلها لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة.

لا نعني بالثقافة الأميركية السائدة، ثقافة من هم من أصول آسيوية أو أفريقية أو لاتينية، وإنما نقصد تلك التي مفاهيمها وقيمها وتصوراتها ولغتها هي مصدر المعايير التي تتحكم في الحياة الثقافية والسياسية والإدارية للجماعة، لأنها هي ثقافة الطبقة أو العرق المهيمن داخل المجتمع، وبهذا المعنى فإن الثقافة الأميركية هي ثقافة المؤسسين الأوائل، أولئك الرجال البيض الشقر الذين حملوا معهم ثقافة أوروبا موطنهم الأصلي ووضعوا حجر وطن سيعرف في ما بعد باسم الولايات المتحدة الأميركية, ويفتحون أبوابه لأجناس أخرى ليدخلوا إليه سواء كرها كحالة الرقيق أو طواعية كالمهاجرين وذلك في إطار الامتثال لقيم ومفاهيم وتصورات الثقافة السائدة.

إذن الثقافة التي ينبغي أن يتعلق بها كل أميركي يريد أن يثبت وجوده في الحياة السياسية والثقافية والإدارية في المجتمع، هي تلك المتحدرة من الإرث الأوروبي العريق المثقل بأمجاد القوة والغزو والجبروت والنظرة الدونية للآخرين.

عندما فكت الولايات المتحدة الأميركية لواء ما سمي بالعالم الحر من يدي إمبراطوريات أوروبا الهرمة، لم تكن فقط ذلك الابن الذي يستولي على تركة أبيه، بل كانت أيضا تمثل النموذج الحديث الذي يجدد شباب ذلك الإرث المخيف الذي عانت منه شعوب الأرض الضعيفة عدة قرون.

"
ليس من الحكمة أن تتوقع من أبناء الثقافة التي ترعرعت في أحضان القوة أن يبالوا لأسباب أخلاقية بمصير ضحايا قوتهم ما لم يثبت لديهم بالتجربة والبرهان بأن خيار القوة قد يقودهم إلى نتائج أشبه بالكارثة أو الهزيمة
"
في حمى أي حملة انتخابية للرئاسة الأميركية ينبغي على المرشح أن يخاطب جمهوره بلغة تنبع من ثوابت هذه الثقافة ومفاهيمها، فجون ماكين -على سبيل المثال- ليس في حياته الشخصية جانب يمكن أن يقدمه للناخب الأميركي أفضل من أنه كان أسيرا في فيتنام، ولهذا فهو يفضل أثناء حملته الانتخابية، أن يركز الإعلام الأميركي على تلك الفترة من حياته، وأن يستفيض في عرض تلك الصور التي يظهر فيها محمولا على نقالة طبية وهو راجع كبطل في نظر الأميركيين من حرب ضد شعب تبعد بلاده آلاف الأميال عن أرض الولايات المتحدة الأميركية.

ورغم أن باراك أوباما انتقد جون ماكين في كل شيء إلا أنه امتثالا منه لثوابت هذه الثقافة لم يجرؤ على التشكيك في بطولته هذه، بل وصفه بالبطل ولكنه لا يصلح سياسيا لقيادة الولايات المتحدة، بينما في واقع الأمر لم يكن جون ماكين سوى طيار يلقي بأطنان من القنابل الحارقة على رؤوس الفلاحين الفيتناميين في قراهم وحقولهم وغاباتهم في حرب ظالمة أفنى فيها جون ماكين ورفاقه الذين أتوا من أقصى سواحل الأطلسي، ما يزيد على نصف مليون فيتنامي في أقصي شرق آسيا، ولكن ذلك يجد تبريرا بديهيا في ضرورة الدفاع عن مصلحة الولايات المتحدة التي تعني أمن وسلامة المواطن الأميركي.

لعل اهتمام غالبية الناخبين الأميركيين بالاقتصاد الذي يعني مستوى العيش، أكثر من اكتراثهم بالحروب الظالمة التي تشنها بلادهم على الشعوب المستضعفة، يعد دليلا لا يمكن تجاهله على عدم مبالاة هذه الأغلبية بمعاناة تلك الشعوب.

ولهذا فليس من الحكمة أن تتوقع من أبناء الثقافة التي ترعرعت في أحضان القوة أن يبالوا لأسباب أخلاقية بمصير ضحايا قوتهم، ما لم يثبت لديهم بالتجربة والبرهان بأن خيار القوة قد يقودهم إلى نتائج أشبه بالكارثة أو الهزيمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة