أخطر الاستحقاقات السورية بعد القرار 1636   
الثلاثاء 1426/11/6 هـ - الموافق 6/12/2005 م (آخر تحديث) الساعة 23:13 (مكة المكرمة)، 20:13 (غرينتش)
 
"على رجل الدولة أن يكون ذا عقل بارد (يتخذ القرارات ببرودة ودون تدخل عواطفه)، وقلب دافيء (يغطي أعوانه وشعبه بالحب وأعوانه بالوفاء)، وكفٍّ نظيف".
دزير جينسكي: مؤسس وكالة الاستخبارات الروسية
 

المؤكد أن سوريا تواجه اليوم أصعب موقف لها في تاريخ علاقتها مع العالم, ومهما تعالت الأصوات، بأن القرار مسّيس وأن ثمة ظلما يقع على دولة لا ذنب لها إلا أنها تريد عودة حقوقها، فإن هذا سيكون كمن يحدث نفسه.

فالواقع يقول بأن ميزان القوى العالمي هو الذي يحسم المسألة، هذا هو الدرس الأول في السياسة "ميزان القوى"، وقراءة ميزان القوى الدقيقة هي معيار الانتقال من الوجدان السياسي، أو من النظريات السياسية، إلى السياسة. وقراءة ميزان القوى لها مآثر في التاريخ، والقاعدة المثلى التي تتأتى عنها هي "الاختيار بين السيئ والأسوأ". !!!

"
الدرس الأول في السياسة هو تعلم قراءة ميزان القوى, والقاعدة المثلى التي تتأتى عنها هي الاختيار بين السيئ والأسوأ وهذا هو الدرس الثاني, أما الدرس الثالث فهو تعلم الخسارة المؤقتة تجنبا للانكسار
"

أحيانا لا يفسح لك المجال أن تختار بين الجيد والحسن، ولأن عليك أن تتعامل مع المتغيرات السياسية فإن عليك أن تواجه أزمنة لا تجد بدا إلا أن تختار بين السيئ و الأسوأ، وهذا درس ثان.

وهناك درس ثالث من دروس السياسة هو: "أن تتعلم كيف تخسر الجولة"؛ لأن السياسة ليست دائما انتصارات. وإذا كان لا بد من أن تخسر الجولة، فلتكن بأقل الأضرار على أن تُجهز نفسك للجولة الثانية. هي خسارة مؤقتة تجنبا للانكسار. وهي كي تلتقط أنفاسك للجولة الثانية.

في تجارب التاريخ التي تقارب الدروس الثلاثة "ميزان القوى، الاختيار بين السيئ والأسوأ ، تعلّم الخسارة"، ثمة عدة تجارب:

اجتاحت جيوش نابليون روسيا، وقاربت موسكو، وكانت المعارك سجالا ولم ينتصر فيها أحد. فجأة قرر الماريشال الروسي تسليم موسكو محروقة. عارضه القادة العسكريون، فقد كان تسليم العاصمة القديمة لروسيا القيصرية دون هزيمة عسكرية مؤلما. أصر قائد الجيوش الروسي على موقفه، وقال ننسحب من موسكو كي نحمي الجيش، "إذا حمينا الجيش حمينا القيصر وإذا حمينا القيصر ستبقى روسيا" وتركوا موسكو بعد أن أصبحت مدينة مهجورة، حتى الغربان قرعوا لها الطبول كي تغادرها.

دخلها نابليون المنتصر، لم يستطع أن يطعم جيشه فيها لأشهر، فقرر مغادرتها: انتصر عسكريا بسبب ميزان القوى الظاهر الذي كان لصالحه، وهزمه ميزان القوى الكامن (الحكمة والمكر واستخدام القوى الصغيرة على القوي الكبير)، وبدأت ملاحقة فلول نابليون إلى أن انكسر. انهزمت موسكو في البداية، وانكسر نابليون في النهاية.

المثال الثاني من روسيا أيضا: فقد تقدمت القوات الألمانية نحو روسيا الحديثة العهد بتحولها نحو الاشتراكية، ولم يكن ميزان القوى لصالحها فكادت أن تنكسر. أرسل لينين تروتسكي, ففاوض الألمان في أسوأ ظروف، ووقّع معهم صلحاً مذلاً هو صلح تريست ليتوفيست.

هاجمته قوى في البلاشفة والمناشفة، وطلبوا التصويت على هذا الصلح. أصر لينين على أن يكون رجل دولة، ورفض التصويت قائلا: "لقد صوّت الجنود بأقدامهم" عندما انسحبوا. تعالى صوت روزالوكسمبورغ من بعيد مطالبة بموقف مشترك من الأممية الاشتراكية؛ قائلة الحرية لا يمكن أن تكون امتيازا، الحرية حرية المعارضة، حرية كل الذين يفكرون بشكل مخالف. أجابها لينين مستخفا بهذا الموقف المثقفاتي الذي لا يرى حدود اللعبة السياسية كميزان للقوى وكاختيار بين السيء والأسوأ، وكتعلم للخسارة من أجل الانتصار، الحرية هنا هي كمن يود أن يوقع نفسه في مستنقع، وهذا هو العهر السياسي.

انسحبت القوات الروسية بعد أن خسرت روسيا عددا كبيرا من مقاطعاتها الأرحب والأقرب إليها. كان لينين جريئا إلى الحد الذي جعله يقول: لقد وقعّنا صلحا مذلا. لكن الكرّة للضواري، يجب علينا أن نجبر الظروف المتحجرة على الرقص بأن نغني لها لحنها ذاته. مضت السنين وأعاد الروس الكرة وكسبوا الحرب واستعادوا ما خسروه وزيادة.

"
سوريا أقرب إلى الاستهداف منها إلى الضغط, والفرق بين الموقعين، بالنسبة لبعض المحللين قد لا يبدو بالصورة اللازمة باعتبار أن المتغيرات لا تجعله فرقا بل فُويرقا، وخاصة في هذا التوقيت بالذات
"
المثال الثالث ليس بعيدا: إنه من سوريا. في عام 1982 كان ميزان القوى الظاهر في المعركة مع إسرائيل لصالح الأخيرة. خرجت القوات الفلسطينية من بيروت، وكذلك خرج الجيش السوري. ودخلت القوات المتعددة الجنسيات وأقامت. البعض رشّ الأرز على القوات الإسرائيلية والأميركية... اختارت سوريا الانسحاب بدلا من الانكسار.

سنوات طويلة واستطاعت سوريا أن تحيي ميزان القوى الكامن: "المقاومة"، وكانت النتيجة أن القوات المتعددة الجنسيات قد خرجت، واندحرت القوات الإسرائيلية. خسرت سوريا في البداية جولة. وربحت الحرب لأنها قرأت ميزان القوى واختارت بشجاعة بين السيئ والأسوأ. قيل الكثير آنذاك مما يجرح الكرامة الآنية، لكنها ربحت الكرامة.

وسوريا أقرب إلى الاستهداف منها إلى الضغط, وهي حتما مستهدفة، وليست فقط تحت الضغط. الفرق بين الموقعين بالنسبة لبعض المحللين قد لا يبدو بالصورة اللازمة باعتبار أن المتغيرات لا تجعله فرقا بل فُويرقا، وخاصة في هذا التوقيت بالذات.

مقولة تحت الضغط، تعني أن النتائج المترتبة على هذا التحليل ستكون في حدود أن هنالك إمكانية لتوزيع الضغط أو التعامل معه. هذا التحليل الذي يعتبر الأمر لا يتعدى الضغط، إذا تم الاستمرار فيه أو الركون إليه فقط سيترتب عليه الذهاب نحو رد فعل ليس بمستوى الفعل المقابل، وهذا في حد ذاته غير مناسب.

لم يعد هنالك شيء مخفي تماما, فلم تعد هنالك تكتيكات واسعة في العمل السياسي على المستوى الدولي، كما لم يعد مفهوم الحرب النفسية ووسائل الضغط ولعبة حافة الهاوية وعض الأصابع ... كافية وحدها لرؤية ما يحدث اليوم في العالم وتجاه المنطقة، بل الأهم أن مفاهيم من نوع: أن المخفي غير الظاهر، لم يعد يصلح كقراءة سياسية لهذا الوضع العالمي الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة لغة واضحة، وقد تجد أن أزماتها الداخلية (قضية ليبي) والخارجية (العراق) فرصة ليس للإحجام وإنما للهروب إلى الأمام. فالخطير أنهم يريدون تبديل لغة السياسة، وبالتالي فالحسابات العقلانية لا تتفق مع اللاعقلانية التبشيرية.

فالمسافة بين المخفي والظاهر تضاءلت إلى أبعد الحدود, إذ إن التصريحات علنية، صحيح أنها ليست دائما قابلة للتحقق ولكن –بالتأكيد- أصحابها سيحاولون ذلك.

الوضع الذي وضعت فيه سوريا يتلخص بكلمة: "إنها بين الضغط والاستهداف، لكنها تدخل دائرة الاستهداف بخطى وئيدة".

نعم لا تزال هنالك مساحة للعب السياسة لكن الخطوات الممتدة من استصدار القرار1559 إلى اغتيال الحريري إلى قدوم ساترفيلد إلى لبنان فعمليات استهداف المواطنين التي تخللها تقرير فيتزجيرالد الذي كان أشبه باتهام سياسي منه إلى تقرير تقصي حقائق إلى تقرير ميليس فجلسة مجلس الأمن الخطيرة بمشروع القرار الأخطر.

كل هذا يقول بأن المسافة بين الضغط والاستهداف باتت رقيقة جدا بثخانة تكاد لا ترى, فبين المتفائلين السياسيين من يقول بأن آليات الضغط هي التي تعمل ولا يزال هنالك متسع من الوقت للسياسة، وبين المرتجّين من يقول: المخطط يسير ولا فائدة، ثمة مسافة تعتمد بالدرجة الأولى على ما يمكن اتخاذه من إجراءات على صعد سياسية عدة.

"
التكتيك السياسي السوري يقوم على قاعدة "أن الزمن يقضم الوقت" وهو تكتيك صحيح في فترات الانبساط السياسي، ولم يعد هنالك وقت يمكن استهلاكه, فالمطلوب من سوريا لا يتصل بالحريري ولكنه يتعلق بمطالب أخرى
"
ومع ذلك فلئن كان التكتيك السياسي السوري يقوم على قاعدة "أن الزمن يقضم الوقت" وهو تكتيك صحيح في فترات الانبساط السياسي، فإن الزمن يقضم الوقت في زمن الاستهداف السياسي، ولم يعد هنالك وقت يمكن استهلاكه. فالمطلوب من سوريا لا يتصل بالحريري؛ إنه بكلمة "الانكفاء الإقليمي" , بمعنى تنفيذ العناصر التالية وفقا لترتيب أولوياتها:

1- طرد القادة الفلسطينيين (من الجهاد وحماس على الأقل) وعدم التدخل كليا في الملف الفلسطيني لا في الوضع الفلسطيني الداخلي، ولا في موضوع سحب سلاح الفلسطينيين في لبنان، ومن ثم توطينهم.

2- عدم دعم حزب الله، ولو لفظيا أو سياسيا، وتركه لمواجهة مصيره المتمثل في سحب سلاحه، وتدجينه، تمهيدا لتوقيع اتفاق سلمي بين لبنان وإسرائيل.

3- التعاون في ترتيب الأوضاع في العراق تمهيدا لفك الاشتباك بين القوات الأميركية والعراقيين. وبالمناسبة فإن استخدام بروباغندا الادعاء بأن سوريا لا تتعاون في الشأن العراقي، ليس أكثر من هراوة يتم استخدامها لإبعاد سوريا عن الملفين اللبناني والفلسطيني، وهو ما يشعر السوريين بأن كل ما تم تقديمه على الحدود العراقية السورية لا يلقى تقديرا مما يفيد أن سلسلة التنازلات لا تتوقف مع الأميركيين، وهو أمر خطر جدا لأن الركون إلى هذه النتيجة قد يؤخر إن لم يعرقل الاستجابة السورية لهذه المطالب التي أصبحت بمثابة المبادلة الوحيدة الممكنة بين احتمال اتهام رموز النظام وبالتالي النظام وتهديد استقراره، وبين الاستجابة السريعة التي لا تقبل التأويل لهذه المطالب دون تأخير أو طلب المقابل الإقليمي كالعودة إلى الريادة الإقليمية أو الوعد باستعادة الأرض.

"
تستطيع سوريا بعد مرور العاصفة بسلام، وتغيير القوى الدولية والمرحلة الانتقالية الحرجة أن ترسم وجودها الإقليمي بطريقة مختلفة وتعود إلى مصالحها، لأنه بدون سوريا-الدولة لن تكون هنالك لا مصالح ولا استقرار
"
ماذا ينبغي على سورية أن تفعل؟ بعيدا عن التحليلات التآمرية والبوليسية، تستخدم اليوم عملية التحقيق في اغتيال الحريري في التحول من الضغط إلى الاستهداف بالنسبة لسوريا, فالقرار 1636 تجاوز حدود التحقيق الإجرائي، إذ إنه مبني على الفصل السابع بما يقتضيه من إلزام سورية بالتعاون من ناحية ووضع السيادة السورية تحت تصرف الأمم المتحدة، وصولا إلى العقوبات العسكرية، في وقت بنيت فيه عملية المساومة قبيل استصداره على الاعتماد على التفضل! بعدم إدراج البند 41 المُدرج أصلا تحت الفصل السابع والذي ينص على توقيع العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، بمعنى اعتماد "الفضفاضية" التي تسمح بتوقيع مجمل العقوبات (في حال "ادعاء" عدم تعاون سوريا).

العالم اليوم ليس فيه توازن, إنه مرحلة انتقالية نحو نظام عالمي لم يتبلور بعد، والدول الصغيرة عادة ما تدفع الثمن العالي جراء جموح الدول الكبيرة، وسورية اليوم في محرق الهدف.

و بالنسبة للأميركيين لا مجال لقبول أنصاف الحلول في المطالب السابقة الذكر، وكل تأخير خلال الأربعين يوما القادمة سيتبعه قضم مّا لمكانة الدولة السورية ورموزها، والأخطر أن كل تأخر يعطي الانطباع بأن ما يتم تقديمه بتأخير عن وقته المتاح سيكون بلا قيمة إن لم يكن في وقته، وهنا بالذات ستبدو قاعدة عدم القبول بما يقدم وطلب المزيد مفتوحة، وهو ما تخشاه الدولة في سوريا، الأمر الذي يجعلها تؤخر تقديم ما هو مطلوب طلبا لأفضل شروط، مما يدخل المسألة في دائرة معيبة (Bad circuit) من التغذية الخلفية الراجعة (Feed back ) في التأرجح بين تقديمات متأخرة لا تقبل من الطرف الآخر، وتحرّز وتخوفات من التقدم خطوة إضافية، مما يؤخر تقديم ما يمكن في وقته المناسب وبشروط أقل بشاعة وصولا إلى فتح الدائرة إما على المواجهة غير المتكافئة أو على انهيار الموقف برمته.

أخطر ما في العمل السياسي الوصول إلى طريق مسدود في العمل، وحيلة الخروج من المأزق، مما يفضي إلى الاقتناع بأن التعاون غير مجدٍ، أو أن سلسلة المطالب لن تتوقف.

ولهذا فإن المخارج يجب أن تتنوع فإذا كان هامش المناورة ضيقا، فإن اختيار اللحظة المناسبة للاندراج هو "الوعي المطابق للواقع". والمهم هو الحفاظ على الجيش ورأس البلاد والبلاد، فالثابت الوحيد في السياسة هو المتغير، وتستطيع سوريا بعد مرور العاصفة بسلام، وتغير القوى الدولية والمرحلة الانتقالية الحرجة أن ترسم وجودها الإقليمي بطريقة مختلفة وتعود إلى مصالحها، لأنه بدون سوريا-الدولة لن تكون هنالك لا مصالح ولا استقرار. إنه الصراع المركزي على سوريا.

بكلمة كل ما يمكن فعله في مقابل بقاء الدولة، هو ذروة العقلانية السياسية ضمانة للاستمرار، حيث يجب إجبار الظروف المتحجرة على الرقص بأن تغني لها سوريا لحنها ذاته.. والكرّة للضواري. ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة