آسيا وقضية الأمن في الخليج   
الأربعاء 1/8/1428 هـ - الموافق 15/8/2007 م (آخر تحديث) الساعة 13:36 (مكة المكرمة)، 10:36 (غرينتش)


عبد الجليل زيد المرهون

- منظور جيوسياسي عام
- دور هندي متزايد
- الصين المتعطشة للنفط
- أدوار آسيوية متفاوتة

منذ نحو عقد من الزمن، بدأت العلاقات الآسيوية الخليجية تأخذ حيزا بارزا من النقاش السياسي والإستراتيجي في المنطقة، وبدت هذه العلاقات موضع اهتمام الكثير من الخبراء والباحثين في الخليج، كما هي الحال في جنوب القارة وشمالها.

في هذا المقال، سوف نحاول، بشيء من الإيجاز، تحليل البعد الجيوسياسي للعلاقات الخليجية الآسيوية، والوقوف أمام مضمونها الطاقوي، وحدود مكونها الاستثماري المشترك، وذلك مع ضرورة التنويه سلفا بأن مصطلح العلاقات الخليجية الآسيوية هو مصطلح إشكالي بطبعه، وهو يشير على النحو المتعارف عليه إلى العلاقات القائمة بين دول الخليج ودول شمال آسيا وجنوبها، وكذلك جنوبها الشرقي.

"
حالة الأمن في الجنوب الآسيوي تعكس نفسها بالضرورة على أمن الممرات الدولية المعنية بالتجارة والنفط الخليجي، وأي اضطراب في هذه الحالة من شأنه أن ينعكس في شكل أضرار مباشرة على تجارة الخليج الدولية
"
منظور جيوسياسي عام

ثمة وحدة ربط على مستوى الحاسة الإستراتيجية بين تفاعلات الأمن في آسيا وتلك السائدة في منطقة الخليج العربي، وهذا يلامس خاصة تفاعلات الوضع في الخليج مع خمس دول جنوب آسيوية هي الهند وباكستان وسريلانكا وجزر المالديف وبنغلاديش، وحيث تربط هذه الأخيرة جنوب القارة بجنوبها الشرقي عبر بورما.

وتضاف إلى ذلك أفغانستان التي ترمي التطورات فيها بتداعياتها المباشرة على الأوضاع في الهند وباكستان وعلى علاقاتهما البينية، واستتباعا علاقاتهما الخارجية على النحو الذي نشاهده اليوم.

وبمعيار التوصيف الجيوسياسي، تعتبر باكستان دولة مجاورة لإحدى دول النظام الإقليمي الخليجي وهي إيران، بل إن جزءا من إقليم بلوشستان يقع في الأراضي الباكستانية، بينما يقع الجزء الآخر في الأراضي الإيرانية، مع وجود جزء صغير في أفغانستان.

ولا يمكن فصل حالة الأمن في هرمز عن الظروف السائدة في بلوشستان، وهذا ما أثبتته بشكل خاص أحداث العقدين السابع والثامن من القرن الماضي.

وبصفة عامة هناك ترابط على مستوى الممرات البحرية الدولية بين الخليج وبحر العرب، حيث تقع كل من صلالة العمانية وكراتشي الباكستانية وبومباي الهندية على نفس الامتداد.

كما أن جنوب آسيا منطقة ملاصقة للجزيرة العربية وبحر العرب، فهي معنية بأمن الممرات الحيوية للمنطقة، كما تمثل منطقة جنوب آسيا نقطة التقاء بين الخليج وجنوب شرق آسيا وأستراليا، وبالتالي تمر عبر جنوب آسيا الكثير من السلع والخامات الحيوية المتحركة بين المنطقة والشرق الأقصى.

وإن حالة الأمن في الجنوب الآسيوي تعكس نفسها بالضرورة على أمن الممرات الدولية المعنية بالتجارة والنفط الخليجي، وأي اضطراب في هذه الحالة من شأنه أن يعكس نفسه على شكل أضرار مباشرة على تجارة الخليج الدولية.

والدليل على ذلك هو ما حدث وما زال يحدث في سريلانكا، حيث هاجم المسلحون التاميل مرات متكررة القوافل والبواخر التجارية والناقلات النفطية.

وبالانتقال من جنوب القارة إلى جنوبها الشرقي، فإن حالة الأمن في مضيق ملقا وجزر الملوك الإندونيسية تعكس نفسها على أمن القوافل النفطية المتجهة من الخليج إلى دول جنوب شرق القارة وشمالها، فضلا عن استراليا.

وعلى هذه الخلفية تتداخل حالة الأمن في هرمز والخليج بوضع الأمن في جنوب شرق القارة.

"
بيئة الأمن النووي في جنوب آسيا تضع أمن الخليج أمام تحد كبير، بل إن صياغة أمن الخليج تستوجب بالضرورة مقاربة حالة الأمن النووي هناك
"
دور هندي متزايد

أما فيما يتعلق بجنوب القارة على وجه خاص، فإن تفاعلاته مع قضية الأمن في الخليج تجد أحد أبعادها الرئيسية في احتضان الدول الخليجية العربية لكتلة ديموغرافية كبيرة منتمية لبلدان شبه القارة الهندية، تمثلها عدة ملايين من العمالة الوافدة.

كذلك، فإن بيئة الأمن النووي في جنوب آسيا تضع أمن الخليج أمام تحد كبير، فهذه البيئة لا تعكس نفسها فقط على الأمن الخليجي، بل إن صياغة أمن الخليج تستوجب بالضرورة مقاربة حالة الأمن النووي هناك.

وعلى صعيد مقاربة الدور الهندي في الخليج، يمكن ملاحظة أنه رغم تاريخية هذا الدور وتقليدية ركائزه، فقد ارتدى اليوم طابعا لم يتوفر له حتى الأمس القريب. ويعود ذلك بالدرجة الأساسية إلى الوتيرة المتسارعة للنهوض الاقتصادي الهندي، فضلا عن متغيرات البيئة الجيوسياسية لموقع الهند الدولي.

وضمن المؤشرات الأكثر دلالة، يمكن ملاحظة أن نمو الناتج القومي الهندي قد بلغ 8.9% في الربع الأول من العام 2006، كما تأتي الهند في المرتبة الـ12 في الاقتصاد العالمي، بناتج قومي إجمالي قدره 719.8 مليار دولار، وذلك حسب مؤشرات العام 2006. وتعتبر الهند من جهة أخرى ثالث وجهة استثمارية أجنبية مباشرة على الصعيد العالمي.

وعلى مستوى مؤشرات الطاقة، اتجهت الهند منذ وقت مبكر لتوسيع المشروعات الاستكشافية عن النفط في مناطق مختلفة من أراضيها ومياهها، ومن أحدثها المشروع الاستكشافي المثار حاليا في ولاية بيهار.

وكانت الحكومة الهندية قد أعلنت عن استدراج عروض من شركات عالمية لإجراء عمليات للتنقيب عن النفط في مناطق مختلفة من هذه الولاية. إضافة إلى امتلاك الهند حصصا في مشروعات استكشاف النفط في بلدان عديدة، مثل السودان وأنغولا وفيتنام وروسيا وماينمار.

وتنتج الهند حاليا نحو ثلث احتياجاتها من النفط الخام، وما يقل عن نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي.

وعلى صعيد روابطها بالخليج تشتري الهند ثلثي احتياجاتها من دول مجلس التعاون الخليجي، كما تحظى بأكبر اتفاقية في مجال الغاز مع قطر.

وتعتبر دول المجلس ثاني أكبر شريك تجاري للهند بعد الولايات المتحدة الأميركية، وقد وقعت هذه الدول مع نيودلهي وثيقة إطارية حول التعاون الاقتصادي، واتفاقيات التجارة الحرة. وارتفع حجم التبادل التجاري بين الجانبين أربع مرات، من خمسة مليارات و500 مليون دولار في العام 2000-2001 إلى 23.4 مليار دولار في العام 2005-2006، كما بلغت استثمارات دول المجلس المباشرة في الهند أكثر من ستة مليارات دولار.

من جهتها تتركز الاستثمارات الهندية في الخليج بصفة أساسية في دولتين هما الإمارات العربية المتحدة وعمان، وقد بلغ مجموعها في هاتين الدولتين نحو 360 مليون دولار، في الفترة بين 1996 و2003.

من ناحية أخرى زاد عدد العمالة الهندية في الخليج منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي حتى الآن بأكثر من 22 ضعفا، ووصل إلى نحو أربعة ملايين و500 ألف شخص.

وبلغ حجم التحويلات المالية لهذه العمالة نحو 20 مليار دولار في العام 2005، وذلك من أصل مجموع تحويلات العمالة الوافدة في الخليج، المقدرة بنحو 59 مليار دولار في العام نفسه، أي ما يعادل ربع إجمالي تحويلات العاملين حول العالم.

"
الصين إحدى الدول المتجهة بخطى متسارعة نحو تأكيد حضورها في منطقة الخليج، يدفعها في ذلك تعطشها المتنامي للنفط، ومقاربتها الجديدة لموقعها ودورها العالمي
"
الصين المتعطشة للنفط

من جهتها بدت الصين إحدى الدول المتجهة بخطى متسارعة نحو تأكيد حضورها في المنطقة الخليجية، يدفعها في ذلك تعطشها المتنامي للنفط ومقاربتها الجديدة لموقعها ودورها العالمي.

ففي إطار طموحاتها الدولية المستجدة، تعكف الصين حالياً على بناء سلسلة من القواعد البحرية عبر العالم، في سابقة هي الأولى في التاريخ الصيني، فهي تعمل على تشييد قاعدة جوادار البحرية في جنوب غرب باكستان، إذ اختير هذا الموقع الإستراتيجي لحراسة الممر الذي يؤدي إلى الخليج العربي، حيث أنشأت الصين مواقع إلكترونية لاستراق السمع ومراقبة السفن، بما في ذلك السفن الحربية المارة عبر مضيق هرمز وبحر العرب.

وعلى نحو مماثل تشيد الصين ميناء حاويات في شيتاجونج ببنغلاديش لخدمة أساطيلها الحربية والتجارية، فضلا عن المزيد من القواعد البحرية (والمرافق الإلكترونية لجمع المعلومات الأمنية) التي تقيمها على جزر تابعة لميانمار في خليج البنغال.

وفي الإطار نفسه، استثمرت الصين في تايلند نحو 20 مليار دولار لشق قناة عبر إقليم "كرا إثموس" للربط بين المحيط الهندي وخليج سيام، ما يعني توفير مسار بديل لوارداتها من نفط الخليج العربي يجنبها المرور عبر مضيق مالقا.

وتمثل قضية الطاقة بعدا حيويا في علاقات الصين الخليجية، ويجد ذلك خلفيته في حقيقة أن الصين لديها أكبر نمو عالمي في هذا القطاع، وهي ثاني أكبر مستهلك للطاقة على الصعيد العالمي.

وفي ضوء انخفاض الإنتاج المحلي، ستجد الصين نفسها مضطرة لاستيراد نحو 10 ملايين برميل يوميا من النفط بحلول العام 2030، أي ما يزيد على 8% من إجمالي الطلب العالمي، كما سيتعين عليها استيراد نحو 30% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي بحلول العام نفسه.

وتعد شركة الزيت السعودية (أرامكو) أكبر مورد للنفط الخام للصين، وهي تمدها بنحو 300 ألف برميل يوميا. وتقوم أرامكو في الوقت الراهن بأول استثمار كبير لها في الصين، وهو عبارة عن حصة قدرها 25% في مشروع مصفاة في إقليم فوجيان، في جنوب شرق الصين، بتكلفة 3.5 مليارات دولار.

كما تسعى الحكومة الكويتية من جهتها إلى تمويل بناء مصفاة نفطية ومجمع بتروكيمياويات في الصين، بقيمة إجمالية قدرها خمسة مليارات دولار.

وشهد حجم التجارة الصينية الخليجية تطورا ملحوظا، ووصل إلى 34 مليار دولار عام 2005 بزيادة فاقت 30% عن العام الذي سبقه.

ووفقا للتوقعات الصينية، فإن حجم هذه التجارة سيصل إلى 100 مليار دولار بعد ثلاثة أعوامٍ وحسب، في حين تبلغ قيمة الاستثمارات الصينية في المنطقة نحو خمسة مليارات دولار.

"
البعد الآسيوي بات متغيرا كبيرا في معادلة أمن الخليج، ولكن من دون أن يرتدي طابعا إستراتيجيا نتيجة غياب مضمونه السياسي والعسكري أو لنقل لهامشيته في مقابل مركزية الدور الأميركي ومتانة الحضور الأوروبي
"
أدوار آسيوية متفاوتة

وإضافة إلى الاستثمارات الصينية والهندية في الخليج ثمة أدوار مستجدة لكل من باكستان وماليزيا وإندونيسيا، فضلاً عن الأدوار الكبيرة لليابان وكوريا الجنوبية.

وقد بلغ حجم الاستثمارات اليابانية في المنطقة خلال العام 2006 ما قيمته 10 مليارات دولار، مقابل استثمارات خليجية في اليابان قدرها 25 مليار دولار، كما تمد دول الخليج اليابان بـ80% من احتياجاتها من الطاقة.

من جهتها أبرمت الشركات الكورية في العام 2006 عقوداً بقيمة 17 مليار دولار في دول مجلس التعاون الخليجي، تشتمل على اتفاقات بناء بقيمة قاربت خمسة مليارات دولار في الإمارات، وأخرى في الكويت بقيمة 1,6 مليار دولار، وفي السعودية بقيمة 1.5 مليار دولار.

ولدى كوريا الجنوبية في الوقت الراهن 175 مشروعا استثماريا موزعة على دول مجلس التعاون الخليجي الست.

وهكذا فثمة حضور آسيوي جديد في الخليج يختلف في حجمه ونوعه عما كان عليه الحال قبل بضع سنوات وحسب. وإن التشابك الاقتصادي الخليجي الآسيوي هذا، قد ترجم نفسه اهتماما آسيويا كبيرا بالمنطقة.

وقد بات البعد الآسيوي متغيراً كبيراً في معادلة أمن الخليج، ولكن دون أن يرتدي هذا المتغير طابعا إستراتيجيا، نتيجة غياب مضمونه السياسي والعسكري، أو لنقل لهامشيته، في مقابل مركزية الدور الأميركي ومتانة الحضور الأوروبي.

ورغم ذلك فإن دول الخليج معنية ببناء نسق مرن لعلاقاتها الآسيوية، بما يعزز بعدها التنموي، ويخدم مصالح الأطراف الداخلة فيها.
__________________
كاتب بحريني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة