كوميديا محاكمة الشر.. من إتشمان إلى صدام   
الأربعاء 14/12/1427 هـ - الموافق 3/1/2007 م (آخر تحديث) الساعة 14:40 (مكة المكرمة)، 11:40 (غرينتش)


عادل لطيفي

مطاردة رموز الجريمة
كوميديا المحاكمة
الإعدام أو الانتقام البربري لمواجهة الجريمة

عندما أصدرت المحكمة العراقية حكمها بالإعدام على صدام حسين، كنت قد بدأت قبل ذلك بأيام في قراءة كتاب المفكرة الألمانية الأميركية أنا أرنت، والذي عنونته "إتشمان في القدس أو بساطة الشر".

صدور هذا الكتاب سنة 1963، أحدث ضجة كبيرة خاصة في الأوساط الصهيونية، حتى أنه تم منعه في إسرائيل. أرنت -الكاتبة ذات الأصل "الثقافي" اليهودي- خصصت كتابها هذا لتحليل محاكمة أدولف إتشمان، أحد وجوه النازية الذين تورطوا مباشرة في قتل أعداد كبيرة من اليهود إبان الحرب العالمية الثانية.

وقد حاولت الكاتبة أن تبين مدى التلاعب السياسي الذي قامت به السلطات الإسرائيلية من خلال هذه المحاكمة المقامة تحت شعار محاكمة "الشر" أو الجريمة في حق اليهود وفي حق الإنسانية.

محاكمة صدام -وبالرغم من خصوصية الظروف التي أحاطت بها- تذكرنا إلى حد كبير بأهم رهانات محاكمة النازي الألماني، لتكشف مدى التوظيف السياسي لمفهوم الجريمة في حق الإنسانية.

إذ تلتقي الحالتان على مستوى الترتيب والإعداد الكوميدي الذي يهدف إلى بناء الشرعية السياسية من خلال محاربة مزعومة لرموز "الشر".

مطاردة رموز الجريمة
"
محاكمة صدام -وبالرغم من خصوصية الظروف التي أحاطت بها- تذكرنا إلى حد كبير بأهم رهانات محاكمة النازي الألماني(إتشمان)، لتكشف مدى التوظيف السياسي لمفهوم الجريمة في حق الإنسانية
"
منذ البداية يلتقي المشهدان، القدسي بالنسبة لأدولف إتشمان، والبغدادي، بالنسبة لصدام حسين، على أرضية الضخ الإعلامي الذي صاحب عملية اعتقال الرجلين.

لكن الكوميديا كانت قد بدأت قبل ذلك من خلال مشهد رموز الخير والإنسانية، جهاز الموساد وعناصر الجيش الأميركي، تطارد رموز الشر والجريمة في كل مكان.

فقد عملت السلطات الإسرائيلية، وخاصة مع بن غوريون، على جعل إسرائيل الوريث الشرعي الوحيد الذي يحق له متابعة محاكمة الذين تورطوا في جرائم ضد اليهود.

ومن شأن هذا الانفراد لتحقيق العدالة أن يعزز من شرعية الدولة اليهودية الناشئة سواء لدى يهود العالم أو كذلك لدى الأمم الأخرى. هذا إضافة إلى إحيائه لمفهوم المعاناة اليهودية الذي يغطي على معاناة فلسطينية غير معلنة.

بعد ثلاث عقود تستعيد كوميديا مقاومة الجريمة في حق الإنسانية شبابها من جديد، من خلال مطاردة صدام حسين في كل أرجاء العراق. لقد جعلت الإدارة الأميركية من مطاردة الرئيس العراقي السابق أحد مبررات وجودها العسكري، وكذلك أحد مؤشرات نجاح احتلالها للعراق.

في هذه الحالة كذلك كانت صور صدام ومعاونيه المفتش عنهم بمثابة تجسيد لحرص رموز الإنسانية المزعومة، مثل الرئيس جورج بوش، على ملاحقة رموز الشر والجريمة.

لقد كان التوظيف الإعلامي لملاحقة رموز الدولة العراقية البعثية يهدف إلى إعطاء شرعية داخلية للحكومة العراقية الجديدة، أي بعدا عراقيا ينأى بها عن شبهة الولادة من رحم الإرادة الأميركية، كما أنه يهدف إلى إيهام الرأي العام الأميركي بعدالة القضية الأميركية في مواجهة الإرهاب والدكتاتورية.

بعد المطاردة يتجدد التقاء فصلي الكوميديا حول طريقة اعتقال رمزي الجريمة في حق الإنسانية. فبعد سنوات من البحث الاستخباراتي، تمكن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي من تحديد مكان تواجد أدولف إتشمان.

حيث علم عملاؤها بتواجده في العاصمة الأرجنتينية، بيونس أيرس، حين كان يعيش حياة عادية بانتحال اسم آخر. وفي يوم الحادي عشر من سبتمبر/أيلول من سنة 1960، وفي أحد أحياء المدينة، ترصد ثلاثة أشخاص حركات رجل كان قد نزل لتوه من حافلة النقل العمومي ليتم اقتياده إلى وجهة غير معلومة.

وفي الثاني والعشرين من نفس الشهر كان قد حل بمدينة القدس بمعية مختطفيه. لقد تم الكشف عن الخبر في سياق احتفالي من طرف حكومة بن غوريون.

صدام بدوره حاول الاختفاء أمام مطارديه المدعين إقامة العدالة عليه، لكن ليس وراء اسم مستعار كإتشمان، بل وراء تغيير تراجيدي لمظهره ومكان إقامته.

لقد كانت الصور الأولى التي تم بثها لاعتقال صدام شديدة الإيحاء والرمزية. كلنا يتذكر ما قاله الناطق باسم الأبيض ذلك اليوم: We got him .

عبارة تحيل إلى طول انتظار وتشويق مفتعل لتضخيم الحدث والارتقاء به إلى مستوى يليق برسالة محاكمة الجريمة في حق الإنسانية مما يساهم في التغطية على موقف الولايات المتحدة اللاإنساني من قضية الإعدام وكذلك موقفها من المحكمة الدولية.

كوميديا المحاكمة
بعد مرحلة المطاردة ينتقل القائمون على كوميديا محاكمة الشر إلى فصل جديد من فصول لعبة اختلاق العدالة الإنسانية ضد رموز الشر والجريمة.

مسرح الكوميديا في هذه المرحلة هو قاعة التحقيق ثم قاعة المحاكمة. في هذه الحالة كذلك تلتقي حالتي أدولف إتشمان وصدام حسين من خلال شح المعلومات المتوفرة حول مجريات التحقيق وكذلك الجهة التي قامت به.

في حالة إتشمان كانت المخابرات الإسرائيلية هي التي افتتحت التحقيق قبل العدالة، وكذلك كان شأن صدام حسين مع المخابرات العسكرية الأميركية، وفي هذا تعبير صارخ عن أسبقية أجهزة المخابرات وما تحمله من مضامين هيبة الدولة وأسرارها على مفهوم العدالة.

بغض النظر عن ذلك فإن التحقيق بمختلف أشكاله لم يكن سوى مرحلة شكلية توفر قاعدة قانونية لنهاية محتومة للمحاكمة وللمتهم. فالتهمة المتفق عليها لا تقبل مجالا للمناقشة، إنها الجريمة في حق الإنسانية. إلى هنا يذكرنا المشهد بنهاية كتابة سيناريو مسرحي لم يعد ينقصه سوى خشبة مسرح لتقديمه للجمهور.

هذا العرض المسرحي تم إعداده على نحو خاص سواء في القدس أو في بغداد، وقد أضيف إلى ذلك توزيع للأدوار قادر على الذهاب قدما فيما تضمنه السيناريو.

نقطة الالتقاء بين محاكمتي صدام وإتشمان على هذا المستوى تبدأ من خلال اختيار القضاة. فقد لاحظت أنا أرنت أن القاضي موشي لوندو الذي تولى المحاكمة كان يلاحظ عليه اهتزاز في الشخصية لا يؤهله للإشراف على محاكمة من هذا الوزن.

وترى أرنت أن هذا الاختيار يخفي رغبة بن غوريون في توجيه المحاكمة بطريقة غير مباشرة. مقابل فتور شخصية القاضي، كان المدعي العام جديون هوسنر العنصر الوحيد الذي قام بدوره كما يتطلب الواجب القضائي من خلال دقة الأسئلة والحيوية البلاغية لمداخلاته.

هذه الكوميديا الصهيوينة لمحاكمة النازية تمت استعادتها في المشهد البغدادي لمحاكمة صدام حسين مع بعض الاختلافات على مستوى أداء الممثلين.

"
التحقيق بمختلف أشكاله في حالة إتشمان وصدام لم يكن سوى مرحلة شكلية توفر قاعدة قانونية لنهاية محتومة للمحاكمة وللمتهم. وهذا يذكرنا بنهاية كتابة سيناريو مسرحي لم يعد ينقصه سوى خشبة مسرح لتقديمه للجمهور
"
فالرغبة السياسية العراقية والأميركية لمراقبة فصول المحاكمة والوقوف على إنهائها حسب قدرها المحتوم، تفسر إلى حد ما تعيين قضاة من الجانب الكردي.

لكن المفاجئة حصلت عند استقالة القاضي الأول زركار محمد أمين والذي أعلن صراحة أنه لم يعد يحتمل تدخل السياسيين في عمله. بلغة أخرى لم يرض بالدور الذي أعطي له من طرف المشرفين على الكوميديا، الذين أبدوا بدورهم امتعاضا من طريقة عمل هذا القاضي.

ولتفادي تكرار مثل هذه المفاجئة تمت دعوة القاضي رؤوف رشيد عبد الرحمن مدعوما بماضيه الشخصي مع نظام صدام حسين مما يضمن التزامه بمقتضيات الكوميديا. وبالفعل، فقد شاهدناه في أكثر من مشهد يصرخ على المتهمين ويطردهم من القاعة مع محاميهم.

مقابل هذا التشابه الكبير بين المحاكمتين نجد نقطة اختلاف أساسية تتمحور حول جانب لسان الدفاع. ففي حالة محاكمة أدولف إتشمان اختار القضاء الإسرائيلي محاميا لم يقم سوى ببعض الملاحظات الفارغة من كل مضمون قادر على الدفاع على موكله.

وتلاحظ أرنت أنه تعمد غض الطرف عن بعض أبسط النقاط التي كانت لصالح إتشمان. على عكس ذلك فإن هيئة الدفاع عن صدام حسين كانت أحد العناصر المثيرة للشغب في المحاكمة، ولم يعد هناك من حل سوى الإقصاء الذي وصل حد قتل بعض أعضائها دون أن تعطي السلطات القضائية العراقية -إن وجدت- أية أهمية لذلك.

التهمة تلك النقطة الجوهرية في كل محاكمة، طالتها بدورها أيادي الفبركة الكوميدية لتؤدي أهدافها السياسية. لقد لاحظت أنا أرنت أن تهمة الجريمة في حق الإنسانية لم تكن بحجم شخصية أدولف إتشمان، ذلك الموظف الألماني البسيط حد السذاجة والحالم بالنجاح.

لقد كان مجرد موظف لآلة الموت أكثر منه ملهما للقائد هتلر. وترى أرنت أن الحقيقة غير ذلك، لأن إتشمان قذف به التاريخ في متاحة الجرائم النازية، كما ترى أن التركيز على موظفي النظام النازي من شأنه أن يحجب دور عناصر يهودية صهيونية في ألمانيا تعاملت مع هذا النظام قبل سنة 1939 لتطهير البلاد من اليهود، وتذكر من بينهم ممثلي الجالية اليهودية من الحركة الصهيونية الذين كانت لهم علاقات مع موظفين نازيين كبار.

التلاعب السياسي في حالة صدام حسين يبرز من خلال اختيار جرم من بين جرائم ارتكبت بالفعل في حق العراقيين ولكن ليس ضد الشيعة والأكراد فقط.

فإحقاقا للتاريخ كان نظام صدام قد ارتكب جرائم معروفة في حق شعبة من شيعة وأكراد ومن سنة ومن شيوعيين ومن قوميين، وليس الشاعر مظفر النواب إلا أحد الشهود عن ذلك.

المهم هنا أن اختيار التهم كان ضمن رؤية سياسية تركز على الدور الشخصي في حين أن المتورطين كثر وحتى من خارج العراق بما في ذلك الإدارة الأميركية ودول أخرى.

كما أن البعد السياسي لاختيار الجريمة مرتبط بطبيعة تشكيل الدولة العراقية المنبثقة عن الاحتلال والتي يحتل فيها التيار السياسي الشيعي دورا مهيمنا.

فاعتبار هذا الطرف بالذات الضحية الأولى للجريمة في حق الإنسانية أملاه الحرص على ابتكار شرعية سياسية في عراق لم تتضح فيه بعد مقاييس العمل السياسي.

الإعدام أو الانتقام البربري لمواجهة الجريمة
"
إذا لم يكن بإمكان إسرائيل والولايات المتحدة إقامة العدالة الإنسانية، بالنظر إلى تورطهما في جرائم عدة، فليس بإمكان فرق الموت من المليشيات إقامة هذه العدالة في عراق أصبح فيه الانتماء الديني والعرقي محور كل التجاذبات
"
كان الإعدام هو الفصل الأخير من فصول الكوميديا. لقد أريد له أن يكون القدر المحتوم للمحاكمة. في هذا السياق اعتبرت أرنت أن تهمة الجريمة في حق الإنسانية الموجهة لموظف بسيط كان الهدف منها إقامة شعائر الإعدام كممارسة انتقامية من ناحية ثم كبناء للشرعية السياسية من جهة ثانية.

يمكننا هنا أن نضيف إلى تحليل أرنت أن إعدام إتشمان من طرف الدولة اليهودية هو في الحقيقة رسالة موجهة إلى خصوم إسرائيل التي أصبحت الحامي الشرعي والوحيد لليهود. هؤلاء الخصوم ليسوا في أوروبا التي ارتكبت فيها الجرائم ضدهم بل في حدود الجوار الإسرائيلي في المنطقة، أي الدول العربية.

إعدام صدام بدوره كان ضمن نفس سياق هذا الانتقام السياسي. ففي تواصل مع المنحى الكوميدي لمحاكمة الرئيس العراقي السابق، وفي تواتر متسارع ومحير لحيثيات المحاكمة، تم النطق بالحكم ثم تنفيذه في زمن قياسي.

إن ما يؤكد هذا المنحى الكوميدي لمحاكمة صدام حسين يبرز من حيث وتيرة التنفيذ وتوقيت التنفيذ ثم من حيث ظروفه. إذ إن الفارق الزمني بين إعلان الحكم وبين نشره وتنفيذه كان فارقا قياسيا، وهو وضع غريب على جهاز قضاء في طور التشكل.

توقيت التنفيذ قد لا يحتاج إلى أي مجهود للتحليل خاصة وقد اعترف الأميركيون بالإصرار غير الطبيعي لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي على تسلم المتهم وإعدامه دون أية مراعاة للمحتوى الديني ليوم الإعدام.

أما ظروف التنفيذ فلم تعد خافية على أحد بعد ما رشح من خلال بعض المشاهد من تنفيذ الحكم. إن أبسط ما يمكن قوله تعليقا على ما جرى من بربرية الانتقام هو أن التنفيذ لم يكن من طرف السلطات العراقية ممثلة في وزارتها المعنية، بل كان من طرف فريق سياسي كان أحد مهندسي كوميديا المحاكمة إلى جانب الطرف الأميركي.

خلاصة القول إن الهدف من هذه المقاربة ليس الدفاع عن أدولف إتشمان أو عن صدام حسين، فمن السذاجة القيام بذلك أمام الأدلة التي نعرفها عن الجرائم المرتكبة.

إن القصد هنا هو بيان مدى التوظيف السياسي لمفهوم الجريمة في حق الإنسانية، والذي اتخذته بعض الأطراف مطية لبناء وجه إنساني لسياستها المشبوهة.

فكما ليس بإمكان إسرائيل والولايات المتحدة إقامة العدالة الإنسانية -وذلك بالنظر إلى تورطهما في جرائم عدة- فليس بإمكان فرق الموت من المليشيات إقامة هذه العدالة في عراق أصبح فيه الانتماء الديني والعرقي محور كل التجاذبات.
ــــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة