الخليج ومصر الديمقراطية.. الزمن الأخير   
الخميس 1/3/1432 هـ - الموافق 3/2/2011 م (آخر تحديث) الساعة 17:09 (مكة المكرمة)، 14:09 (غرينتش)
مهنا الحبيل


ثورة شهداء من يناهضها؟
حسابات التغيير ورياح الجنوب
مصلحة التوازن الإستراتيجي للخليج
البناء على الشراكة التنفيذية

نكتب هذا المقال في خضم الزحف الجماهيري المتزايد إلى ميدان التحرير في القاهرة وإلى مواقع أخرى منها وفي جميع محافظات مصر متمسكا بمطلبه الرئيسي وفي استعداد كامل للتمسك بالهدف المركزي المعلن عنه وهو إسقاط كامل النظام المصري بعد أيام من حركة احتجاج وطني تاريخية لم يشهدها الوطن العربي والعالم إلا مع الأنموذج التونسي وبدت مصر في حالة استعداد أكبر لتحقيق قرار الشعب الأخير.

ونُلاحظ هنا بعد التوثيق اليقيني أنّ حركة الاستشهاد المذهلة للقوى الشعبية سجّلت درجات أسطورية من الفداء لثورة الحرية والكرامة والعدل, وظهر ذلك النموذج لأحد آباء الشهداء في الإسكندرية الذي قال عند تشييع جنازة ابنه إنّه على استعداد لتقديم ابنيه الآخرين في سبيل حرية مصر.

ثورة شهداء من يناهضها؟
"
ارتكبت بعض دول الخليج العربي أخطاء إستراتيجية كبيرة قد تكون مكلفة في مستقبل الأيام وفي وضع توازنها الإستراتيجي, حيث فُهِم من مواقفها سياسياً وإعلامياً باعتبارها موقفا داعما للرئيس مبارك ومناهضا للموقف الشعبي المصري
"
ولقد بُثّت عشرات المقاطع من عمليات الإبادة الجماعية المنظمة التي استهدفت الشباب في مواقع عديدة في القاهرة ومشاهد مجازر حية نفذتها قوى المباحث والأمن المركزي كان أبرزها مجزرة كوبري 6 أكتوبر والمنطقة المحيطة بميدان التحرير، حيث وثقت آلة التصوير مواجهة مساء جمعة الغضب بعد قطع الاتصالات وكل الوسائط الحديثة وأخذت سيارات الأمن تدهس المواطنين كأنّها في لعبة بلاي ستيشن خاصة عند أدائهم للصلاة قرب الميدان مع ضخ مدافع المياه الموجهة لصدورهم التي سبقتها غيمة من القنابل المسيلة للدموع، إضافةً إلى عمليات القنص العديدة في أحياء عديدة من القاهرة والإسكندرية وأسيوط والإسماعيلية وغيرها، نفذتها وحدات خاصة من الأمن المصري.

نعرض هذه الدورات العديدة من العنف مع ما ثبت من إصرار متعاظم لدى الشعب المصري لإكمال رسالته مهما بلغت التضحيات، مستشهدين في هذا الشأن بالوثائق والتصريحات المهمة للغاية التي عرضتها "بي بي سي" العربية لتعميم الخطة السرية التي كانت معدة لإيجاد فوضى هستيرية في الأحياء والميادين الرئيسية، ومع ذلك أُفشلت هذه الخطة واستعادت اللجان الشعبية المبادرة, أمام دعم غربي أسطوري وإن أُخفي خلف بعض العبارات الدبلوماسية واستنفار إسرائيلي وتوجيهات مباشرة لسفراء تل أبيب في كل دول العالم للضغط لمصلحة إسناد نظام الرئيس مبارك.

هذه الخلاصة المهمة تؤشّر للمستقبل المؤكّد الذي يُتوقع لمصر، وقد ارتكبت بعض دول الخليج العربي أخطاء إستراتيجية كبيرة قد تكون مكلفة في مستقبل الأيام وفي وضع توازنها الإستراتيجي, حيث فُهِم من مواقفها سياسياً وإعلامياً باعتبارها موقفا داعما للرئيس مبارك ومناهضا للموقف الشعبي المصري النقيض, وسنعرض لتفنيد مخاوف هذه الأنظمة كعرض أخير ربما يعطي فرصة تفكير نهائية لتغيير ذلك الموقف من الانتفاضة المصرية كرهان يستحق أن تعمل له دول الخليج بحساب حتى ولو تأخّر تغير النظام إلى مدة أطول.

حسابات التغيير ورياح الجنوب
هناك مركزية قاطعة يعتمدها المراقبون كحقيقة في التعاطي مع تطورات الحراك الشعبي العربي والمصري خصوصاً، ووصوله إلى مرحلة تغيير فعلي. هذه الحقيقة هي أنّ حركة دوران مشروع التغيير أضحت قائمة وقادمة فعليا..كم نسبتها من التغيير؟.. وأين تقف.. أو تتراجع؟.. ومتى تقفز.. أو تزحف؟..

تلك قصة أُخرى الخلاصة أنّها قادمة لا محالة تتزامن معها وبدقة متناهية حالة فشل إستراتيجي مترادفة لقدرات واشنطن في مواجهة الخيارات الشعبية وعجزها مع كل المبادرات والمحاولات عن خرق هذه العجلة المندفعة ووضع عصى دولاب لتعطيلها.

فنتائج مراقبة الحراك الأميركي تجاه التطورات الشعبية المصرية القوية تتوزّع بين الاضطراب والارتباك الشديد لتحديد مسار محدد أو انتظار الإعلام لإعطاء خلاصة نهائية للأحداث، وهذا يكفي للعجز الذي يُحيط بواشنطن والذي يدفعها أحياناً للتمسّك بالخيار القديم جرّاء الفراغ المتتالي في وعيها وتقديرها لحراك الشارع وقدرات واشنطن الإستراتيجية التي تعصف بها رياح الجنوب.

"
هناك مواقف قلق في عواصم الخليج من الاستنساخ، ولكن لدول الخليج العربي سيناريو مختلف لتجاوز الانعطافات الحادة شريطة أن تُقدّر هذه الدول فتُعالج حجم الاحتقان الحاد ومعدلات الفساد والعزل السياسي القائم
"
هنا من الخطأ بمكان ومن التقدير القاتل لدول الخليج أن تفترض قرارًا مسبقا أو تصوراً حاداً لمواجهة النظام الديمقراطي المصري الذي ينطلق في الأطر الجمهورية كحالة مرتبطة أصلاً بضرورات التغيير الدستوري ومطلبه الديمقراطي المكرّس قديما في ثقافة المنطقة.

وهناك مواقف قلق في عواصم الخليج من الاستنساخ ولكن لدول الخليج العربي سيناريو مختلف لتجاوز الانعطافات الحادة شريطة أن تُقدّر هذه الدول فتُعالج حجم الاحتقان الحاد ومعدلات الفساد والعزل السياسي القائم لتحقيق توازن فوري مع المشاركة الشعبية التي تنتمي للعمق القومي الإسلامي والتي لم تطرح أصلاً تجاوز الأسر الحاكمة لكن تُحدّد مسارات الشراكة الشعبية الفعلية لتحقيق المحاسبة والإصلاح التنفيذي والانتخابات النزيهة الحقيقية، فهي أيضاً لها رؤى وتطلعات من مصلحة دول المنطقة أن تتعامل معها وتخرج من حركة الديكورات المزيفة للإصلاح.

مصلحة التوازن الإستراتيجي للخليج
وتأتي هنا بكل قوة قضية مخاوف دول المنطقة من اضطراب موقفها الأمني والإستراتيجي أمام إيران، والحقيقة لو تأمل الباحث تركة النظام المتداعي في القاهرة في هذا الملف لأثبتت له القراءة الموضوعية أنّ هذا النظام لم يستفد منه الأمن القومي في الخليج العربي، ولم تستطع أصلا دول المنطقة الاعتماد عليه, فقد كان خطابه ضجيجا إعلاميا لا يعطي أي ضمانة ولا تعزيزا حقيقيا لحماية دول المنطقة من مخاوفها من التقدم الإيراني.

فالمسار الإستراتيجي في مواجهة حالة الاختلال مع الجمهورية الإيرانية في المنطقة وتداخله الطائفي كان في أصل النظام المصري القديم مختلاً ومضطرباً ويتزايد في فقدان قدراته الذاتية وإنما كان يُتخّذ فزّاعة رعب يستخدمها الأميركيون لزيادة إرهاق المنطقة واستعصارها مصالحها بصورة أكبر.

فضلاً عن أنّ نظام مبارك كان يَستنزف هذا القلق والتحفّز إلى تحويل ثقافة الرعب إلى حالة نفسية ليس لها أي تأثير إيجابي على التوازن الإستراتيجي ببعده القومي والسياسي وإنما لمصالحه كنظام, وعليه فالخليج العربي كان يخسر في هذا الميدان الذي تحوّل في أحيانٍ كثيرة لخدمة النظام القديم وحظوظه الشخصية وليس الأمن القومي العربي ككل أو الخليجي.

ولذلك فإنّ قيام النظام الديمقراطي المصري الجديد لا يمكن أن يفترض أي أحد تخليه عن التوازن الإستراتيجي، فهو يتشكّل في دولة محورية تعيش هويتها وضمانها الأمني والتاريخي مرتبطةً بهذا التوازن العربي ولا يمكن أن تنسلخ منه مصر, وهو الذي سيشكل التعامل مع النظام الديمقراطي القادم فرصة تاريخية لمنطقة الخليج العربي، ومن الخطأ الخطير الذي لا يعوّض أن يُستهدف هذا النظام الذي يتولّد على جغرافية الدولة المصرية, بل المطلوب التعامل بكل جدية مع الخيار الشعبي الدافع له ومد الجسور معه بصورة مبكرة إن لم يكن إيماناً بالوحدة العربية وغطائها للأمن القومي العربي فهو للمصلحة الذاتية لدول الخليج العربي.

البناء على الشراكة التنفيذية
إن المبادرة لمد الجسور للتكامل مع هذا النظام الديمقراطي المصري عند أوّل تشكّله في الدول المحورية التاريخية كمصر سيساهم بصورة كبيرة في الانتقال إلى عهد الشراكة المأمون بين دول الخليج العربي وبين هذا النظام في دول العهد الجديد, وذلك من خلال اعتماد العديد من الشراكة المباشرة لتغطية الاحتياجات للدولة المصرية خاصة في قطاع الغاز والنفط وإمداد النظام الديمقراطي المصري الوليد بها لاستقراره الإستراتيجي وكسب شعبه ورأيه العام لخلق هذه الجسور الضرورية لمصلحة الشراكة.

"
المبادرة لمد الجسور للتكامل مع هذا النظام الديمقراطي المصري عند أوّل تشكّله ستساهم بصورة كبيرة في الانتقال إلى عهد الشراكة المأمون بين دول الخليج العربي وبين هذا النظام في دول العهد الجديد
"

وهو كذلك يتعزز في تبادل مصالح المشاريع الغذائية والصناعية بين اليد العاملة المصرية وبين المال الخليجي لتتكون شراكة اقتصادية ذات أهداف ودية وثيقة تقوم في الأصل على وحدة الهوية عروبةً ودينًا، وتعززها المصالح المشتركة, وبالتالي تتوجه تلقائيا إلى خلق محور تاريخي إنقاذي لدول الخليج العربي مع هذه الدولة الجديدة لشراكة أمنية واتفاقية دفاع مشترك مع النظام الديمقراطي المأمون من الصفقات الخاصة والذي سينعكس على تعديل التوازن الإستراتيجي مع إيران وواشنطن معاً وضمان ملء الفراغ الذي تسببه تقاطعات الصفقة أو الصراع المحموم بين واشنطن وإيران ليس من خلال البربوغندا الأميركية الاستهلاكية للمنطقة العربية لكن من خلال قواعد لعبة قوية وموثوقة.

فقط على الخليج العربي أن يدرك ويتأمل التعامل مع القادم الجديد وفقاً لمصلحته لا رؤية الآخرين, وتعويض الأخطاء الإستراتيجية في هذا الوقت الدقيق مستحيل... وما بين الصفعة والصفقة شعرة، فقد تكون تلك الشعرة لبعض الدول قطع حزام سلامتها, ولن تستجدي القوى الشعبية المصرية أحدا، لكنها ستتعامل ومستقبلها السياسي مع من يرغب في تجاوز أخطاء المرحلة إيجابيا، فلماذا يُصنع من المستقبل الديمقراطي لمصر عدو وهو فرصة ليكون حليفا تاريخياً لكل دول الخليج العربي؟... فإن أخّل هذا النظام بقواعد اللعبة الجديدة فضلا عن مبادئ الوحدة العربية... فليحصي عندها خسائره.. وعلى نفسها جنت براقش.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة