الحداثة الغربية .. مطلب أم تحد؟   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/ إبراهيم غرايبة

لم تكن الحداثة أو التحديث بمفهومه الفلسفي وتطبيقه العملي والحضاري أمرا جديدا طارئا على الحضارة العربية الإسلامية بعد الاتصال بالغرب، فالإسلام بحد ذاته مشروع حداثي غير القيم والمفاهيم والثقافة السائدة، وحرك أتباعه نحو التحرير والنهضة والتغيير ورفض التقليد والاتباع غير الواعي للموروث والتقاليد.

وشهد الفكر والعمل الإسلامي حالات من الحداثة والتجديد المهمة والمتتابعة بلا توقف، وأهمها في العصر الحديث حركات وجهود الإصلاح التي بدأت في القرن التاسع عشر الميلادي، وكان لبعضها صلات وتفاعلات مع الحضارة الغربية الزاحفة عسكريا واحتلاليا إلى الشرق.


عندما أفاقت الولايات المتحدة لتجد نفسها بعد الحرب العالمية الثانية قوة عالمية غير واثقة من دورها القومي والدولي أغرقت نفسها والعالم في صدمات تجريبية
فالحداثة الغربية بالمفهوم المتداول اليوم والذي ينصرف إليه الذهن عند ذكر هذا المصطلح تعنى حالة ثقافية وفكرية بدأت في أوائل القرن العشرين، ويعتبرها المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي بدأت عام 1875، وقد شهدت الفترة بين عام 1910 وعام 1950 ذروة نشاط الحداثة، لتبدأ بعد ذلك حقبة حداثية أخرى اصطلح على تسميتها "ما بعد الحداثة" وإن كان البعض يعتبر ما بعد الحداثة ظاهرة ثمانينية ارتبطت بالمعلوماتية والاتصال، وما كان قبل ذلك فهو من امتدادات الحداثة المرتبطة بالصناعة.

وقد شهدت اتجاهات الأدب والنقد والثقافة والفلسفة والاجتماع والفكر في موجة الحداثة وما بعدها تحولات كبيرة تجلت في تطبيقاتها العملية في الأدب والفن الحديث الذي أوقف الاتجاهات الكلاسيكية، وفي الليبرالية السياسية والاقتصادية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وعندما أفاقت الولايات المتحدة لتجد نفسها بعد الحرب العالمية الثانية قوة عالمية غير واثقة من دورها القومي والدولي أغرقت نفسها والعالم في صدمات تجريبية، وفي الحرب الباردة، والنزعة الاستهلاكية، والمعاداة الهستيرية للشيوعية، والثورة الإباحية في الحياة والسينما، والحقوق المدنية، وحقوق النساء، وحرية الشذوذ، والأصولية المسيحية.

وانعكست هذه التفاعلات الغربية المنشأ في الشرق العربي والإسلامي على نحو ظهرت معه الحداثة العربية والإسلامية رد فعل على الحداثة الغربية، فتحولت الحركة الإصلاحية التي بدأت إسلامية موحدة في القرن التاسع عشر إلى اتجاهات ليبرالية وإسلامية، فكان لطفي السيد ورشيد رضا على سبيل المثال من تلاميذ محمد عبده، وظهرت الاتجاهات الحديثة في الشعر والفن والموسيقى والغناء، وتكونت المدن الحديثة العملاقة على حساب الريف المستنزف المهجور الملوث، وتكون اقتصاد خدماتي تضاءلت فيه الزراعة إلى درجة الفناء أو الاقتراب منه.

واليوم تبدو الخريطة السياسية والفكرية والفلسفية بعد التحول من الصناعة إلى المعلوماتية (ما بعد الصناعة) وانهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة كما لو أن العالم كان قصورا من الرمل يعصف بها المد، كما يصف الحالة الجديدة آلن تورين مؤلف كتاب "نقد الحداثة".

يقول تورين "لم نعد نؤمن بثقافة حضارة التقنية واستغلال موارد طبيعية لا تنفد، ولم يعد لصورة الإنسانية التي تنهض من البؤس بفضل العمل، وتتقدم في تطور صاعد نحو الوفرة أي تأثير فينا، (...) أخلاقنا لم يعد يمليها احترام الأب والتعارض بين اللذة المدمرة والطموح أو التوفير كمصدر للربح والفرح، ولم يعد الدين العلماني الرأسمالي أو الاشتراكي يبدو إلا كأيدولوجية تستخدمها الطبقة السائدة كي تفرض تراكم رأس المال".

لقد بدأ تأثير الحداثة الغربية في الشرق العربي والإسلامي عبر مركزين هما: القاهرة بعد الحملة الفرنسية عام 1798 ثم مجيء محمد علي باشا للحكم في مصر عام 1805 وبدء اتصاله الثقافي والتعاوني مع فرنسا، وفي الآستانة عاصمة الدولة العثمانية عندما بدأ السلطان محمود في منتصف القرن التاسع عشر عملية تحديث للدولة العثمانية.


التحديث الغربي لم يتوقف عند حركة ثقافية وعلمية وسلوكية، واتجاهات جديدة, بل تعدى ذلك إلى إعادة صياغة وتاطير الشرق

بدأ التحديث الغربي في مصر وتركيا في الجيش والتعليم، وامتد بمقتضى ذلك وبسرعة إلى الفن والموسيقى واللباس، حتى المساجد بدأت تبنى على الطراز المعماري الإيطالي بخاصة والأوروبي بعامة.

وأظهر اللباس الغربي الذي بدأ ينتشر في أوساط المتعلمين تأثير المفاهيم البصرية الغربية على الشرق، ومدى اهتراء ثقة العرب والمسلمين بأنفسهم وهوياتهم، "فالملابس تعبر عن الهوية والانتماء، فكأن الناس حين يغيرون ملابسهم ويرتدون ملابس مجتمع آخر يكونون قد اتخذوا خيارا ثقافيا معينا، وكان قبول اللباس ومقاومته يستندان إلى هذه الدلالة" (برنارد لويس/ أين الخطأ: التأثير الغربي واستجابة المسلمين).

وشهد الشرق بداية الترجمة من اللغات الأوروبية إلى العربية والتركية والفارسية، واختفت اللغات التركية والفارسية من الوسط الثقافي والإداري العربي بعدما كانت سائدة، وتراجعت العربية في إيران وتركيا لتحل محلها اللغة الإنجليزية والفرنسية.

وبدأت تترجم أعمال في مجالات لم يكن يعرفها أو يهتم بها الشرق العربي والمسلم كالمسرح والروايات والأعمال الأدبية، ثم بدأت محاكاة الحركات والمذاهب والتيارات السياسية الغربية كالقومية والليبرالية، حتى كان القرن العشرون في الشرق قرنا أوروبيا وغربيا، ولكن العالم كله بشرقه وغربه بدأ يشهد مع قدوم السبعينات موجة عودة إلى الدين والأصولية، فظهرت الأصوليات الدينية والقومية والبيئية على نحو يشجع على الاستنتاج أن العلمانية والليبرالية الغربية في الغرب والشرق على السواء تشهد هزيمة وانحسارا، وواجهت الحداثة الجديدة أكبر أزماتها.

ولكن التحديث الغربي لم يتوقف عند حركة ثقافية وعلمية وسلوكية، واتجاهات جديدة بين الناس وفي الإدارة والتعليم، فيكشف كتاب تيموثي ميتشيل: "استعمار مصر" تحليلات مدهشة عن عمليات إعادة صياغة وتأطير الشرق التي أجراها الاستعمار الغربي في القرنين التاسع عشر والعشرين، فقد أعيد بناء المجتمعات والدول على نحو يضمن السيطرة عليها تماما ويضبطها، فكانت أنظمة الجيش والمدارس والإدارة تضبط السكان والناس في عمليات نمطية محددة تصاحب عمليات التحول الرأسمالي والإنتاجي.

فقد بدأ المصريون منذ عام 1823 يؤخذون بعشرات الآلاف ويحولون من فلاحين إلى جنود يلتزمون بلباس غربي موحد ومحدد، ويتحركون على إيقاع موسيقى غربية موحدة ومحددة، وبنيت معسكرات وثكنات ومساكن للضباط والجنود وعائلاتهم، وألحق بها مدراس شبه عسكرية لأبنائهم، وأقيمت مؤسسات وكليات لتدريب الجنود والضباط وتأهيلهم، وكانت النتائج المتأتية في ثقافة الناس وتقاليدهم وانضباطهم أبعد بكثير من فكرة الدفاع عن الدولة وعن حدودها وأرضها.

ونظمت القرى في الإنتاج الزراعي وإدارته بنظام من المأمورين والكتبة والعمد والخفراء والمراكز (البندر) والتفتيش والجباية، والإحصاء، وتنظيم إرسال الفتيان للخدمة العسكرية والأولاد للمدارس والتعليم، وأعيد تنظيم وتخطيط المدن والأحياء والقرى تحت إشراف مهندسين فرنسيين، ونقل السكان إلى بيوت جديدة مصممة لأغراض محددة مسبقا في نمط الحياة والإنتاج، وحولت القرى عمليا إلى معسكرات وثكنات تصوغ حياة الناس وتنظمها وفق رؤية ثقافية وتنظيمية واحتلالية غربية.


التطبيقات الجديدة في التقنية ستنتقل بحياة الناس, إلى آفاق جديدة، وستطرأ عليها تغيرات جوهرية فينقرض جزء منها وتزداد أهمية أجزاء أخرى

وتبدو الدول العربية والإسلامية اليوم قد امتلكت كل أدوات الغرب التحديثية من جيوش ومدارس وجامعات وأنظمة إدارة وعمارة ولباس، وحتى ثقافة وفن، ولكنها بعد قرنين من التحديث مازالت تبدو وكأنها في التنمية والإصلاح والاستقلال تسير في الاتجاه المعاكس لما يفترض أن تسير فيه، وتزداد الفجوة بينها وبين الغرب بدلا من تجسيرها.

فالدول العربية والإسلامية وفق معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية البشرية، والإنتاج الاقتصادي والتقني، والإبداع العلمي والفكري، والمشاركة الحضارية والثقافية في ذيل قائمة دول العالم ولا تفضل سوى بعض دول أفريقيا، وتفوقت عليها دول ناشئة خرجت حديثا من الاحتلال والهزائم مثل اليابان والصين وكوريا وشرق آسيا والكاريبي.

والعالم اليوم يخرج من المجتمع الصناعي ليدخل مجتمع المعرفة والمعلوماتية، والشرق مازال يراوح في صدمة لم تعد موجودة.

لقد كونت هذه التحولات تحديات جديدة يجب الالتفات إليها، وقد لقيت الدراسات التي تبشر بهذا التحول إقبالاً واهتماماً كبيراً وكان أشهرها "الموجة الثالثة" (لألفن توفلر)، إذ بيع من الطبعة الأولى من الكتاب عشرة ملايين نسخة، ويعتقد (توفلر) أن البشرية تدخل المرحلة الثالثة أو الموجة الثالثة في مسارها بعد موجتي الزراعة والصناعة وهي مرحلة تنطوي على أنماط جديدة من الحياة والمجتمعات تختلف جذرياً عما سبقها.

وأصدر عالم الاجتماع الياباني "يونيجي موسودا" كتاباً بعنوان: "مجتمع المعلومات القادم" يتنبأ بمجتمع جديد في أشكاله وتنظيماته ومؤسساته وأدوار أفراده وحكامه ونسق القيم والمعايير التي تولد الغايات وتحكم العلاقات بين الأفراد والمجتمع والمؤسسات.

ومن قادة إسرائيل المهتمين بطبيعة المرحلة الجديدة شمعون بيريزرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق والذي أصدر مجموعة دراسات منها "مرحلة جديدة لا مكان فيها للمتخلفين ولا عذر للجهلة"، و"إسرائيل على عتبة القرن الحادي والعشرين" وقد سئل بيريز إثر إعلان واشنطن "الاتفاق الأردني -الإسرائيلي" هل تخلت إسرائيل عن مشروع إسرائيل الكبرى" فقال إسرائيل الكبرى تقنياً واقتصادياً وليس جغرافيا.

لقد انتشرت تطبيقات صناعة المعلومات في كل اتجاه ومجال للحياة في المصانع والحقول والمنازل ومكاتب الإدارة وسفن الفضاء وفصول الدراسة وغرف العمليات، وبمستويات من التطبيق تراوح بين المهارات الدنيا وتصل إلى أدقها وأعلاها، كالترجمة ومعالجة المعلومات وتشخيص الأمراض وقراءة الخرائط والتدريب، والتعليم الذاتي، والتسلية.

إن هذه التطبيقات الجديدة في التقنية ستنتقل بحياة الناس الاقتصادية والاجتماعية والعلمية إلى آفاق جديدة، وستطرأ عليها تغيرات جوهرية فينقرض جزء منها وتزداد أهمية أجزاء أخرى، وتتغير صيغ الإدارة والعلاقات والقيم والهياكل والبنى التنظيمية والاجتماعية والتشريعات والأنظمة.

فالعمل تغيرت طبيعته وأهميته، فبعدما كانت الأهمية الأولى للزراعة انتقلت إلى الصناعة، وهي اليوم في المعلوماتية وهو تحول سيؤثر بالطبع على اتجاهات التعليم والتدريب لتلائم تحولات سوق العمل واحتياجاته، فمثلاً لم يعد بإمكان 30% من المديرين في أوروبا وأميركا إحراز ترقيات بسبب عجزهم عن استخدام الكمبيوتر.

وأتاحت تقنية المعلومات تدفقاً هائلاً في المعلومات "انفجار المعلومات" وإمكانية تحصيلها، حتى أنه ينشر في العام الواحد أكثر من مائة مليون صفحة، وهو تدفق يشكل تراكماً في العلم والمعرفة واستدراكاً ونقضاً، ويغير العلوم والمعارف والمعلومات بسرعة تجعل نصف ما تعلمه المهندس عفى عليه الزمن خلال خمس سنوات، وتجعل التعليم المستمر وإعادة التأهيل جزءاً مستمراً وضرورياً من برامج المؤسسات والأفراد.

وبانتشار المعلومات وسهولة الحصول عليها بالأقمار الصناعية، وشبكات الاتصال والإنترنت فإنه تصعب وقد تستحيل أعمال الرقابة وضبط تدفق المعلومات وتبادلها، وربما يفسر هذا التحولات نحو الديمقراطية والانفتاح الذي جرى في الاتحاد السوفياتي سابقاً وأوروبا الشرقية.

لقد أصبحت المعلومات مصدر القوة الأساسية، وستكون معياراً اجتماعياً ووسيلة ارتقاء ومورداً اقتصادياً، وتتأكد قيمة احترام الملكية الفكرية، والحرص على البيانات والأمانة العلمية.
ــــــــــــــــــ
كاتب أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة