كيف اندلعت الانتفاضة وكيف انتهت؟   
الخميس 1429/10/10 هـ - الموافق 9/10/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:14 (مكة المكرمة)، 7:14 (غرينتش)
ماجد كيالي

- بداية الانتفاضة ومساراتها
- إشكاليات الانتفاضة
- كيف انتهت الانتفاضة؟

مرت الذكرى الثامنة لاندلاع الانتفاضة (أواخر سبتمبر/أيلول الماضي) والساحة الفلسطينية، على صعيد السلطة والمعارضة، تكاد تكون غافلة عنها، رغم أن هذه المرحلة تعد من أكثر المراحل سخونة على صعيد الصراع والاشتباك المباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ورغم ما لهذه المرحلة من تداعيات كبيرة وخطيرة على طرفيها المباشرين.

والواقع أن الساحة الفلسطينية لم تعتد على مناقشة أو تفحص أو مراجعة تجاربها، ولا على محاسبة أدائها، ولا على الموازنة بين التضحيات والإنجازات أو بين الكلفة والمردود.

هكذا، ليس ثمة مراجعة للتجربة الفلسطينية في الأردن، ولا في لبنان، وليست ثمة رؤية نقدية فلسطينية للتجربة العسكرية ولا للتجربة التفاوضية ولا للتجربة الكيانية (أي تجربة المنظمة والسلطة).

ويمكن تفسير ذلك بسيادة القيادة الفردية، وغياب الحراك الداخلي، وضعف العلاقات الديمقراطية والمؤسسية، وهيمنة المزايدة الفصائلية، وطغيان الروح الشعاراتية في العمل الفلسطيني.

"
تفشي ظاهرة العسكرة ونزعة العنف في السياسة الفلسطينية معطوفة على إخفاق الخيارين السياسي والعسكري، أدى إلى تفاقم الخلافات الفلسطينية وحصول انقسام في النظام الفلسطيني وفي القيادة لا سيما بعد هيمنة حماس على غزة
"
بداية الانتفاضة ومساراتها

معلوم أن الانتفاضة اندلعت في أواخر سبتمبر/أيلول 2000 كردة فعل مباشرة على انتهاك أرييل شارون (زعيم حزب الليكود في حينه) حرمة المسجد الأقصى.

ولكن ذلك لا يفسر وحده ردة الفعل الشعبية الطويلة والعميقة على هذه الزيارة، كما أن ذلك لا يفسر موقف القيادة الفلسطينية المعقد والمركب، وربما المتناقض، إزاءها.

هكذا يمكن القول بأن الانتفاضة جاءت بمثابة ردة فعل شعبية على تعنت إسرائيل في عملية التسوية وتزايد السرطان الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أما من جهة القيادة الفلسطينية (أي قيادة المنظمة والسلطة وفتح) فإن تجاوبها مع الانتفاضة واحتضانها إياها (قبل رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات) كان بمثابة محاولة أو مراهنة من قبل هذه القيادة على إيجاد معادلة سياسية جديدة قوامها المزاوجة بين المفاوضة والانتفاضة، أو بين التسوية والمقاومة، للضغط على إسرائيل، بعد انهيار مفاوضات كامب دفيد في يوليو/تموز 2000، ودفعها إلى للتجاوب أكثر مع الحقوق الفلسطينية، وأيضا لتحسين مكانتها في المجتمع، بعد أن باتت الشبهات تثار حول صدقيتها الوطنية والمسلكية.

وقد مرت هذه الانتفاضة بعد اندلاعها بتحولات عديدة، داخلية وخارجية، فهي في أشهرها الأولى كانت تحمل ملامح الانتفاضة الشعبية، مستخدمة الحجارة والمظاهرات والاعتصام وكل أشكال العصيان والاحتجاج المدني، في مواجهة البطش الإسرائيلي. ولكنها اتجهت فيما بعد نحو تطعيم فعالياتها الشعبية المدنية بمقاومة مسلحة استهدفت بشكل خاص العسكريين والمستوطنين الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بعد أن أوغل الجيش الإسرائيلي في عمليات القتل والتدمير، لرفع كلفة الاحتلال والاستيطان.

وتتحمل حركة فتح، بشكل خاص، مسؤولية هذا المسار (في حينه) ومعها أجهزة السلطة الأمنية التي حاولت إعادة الاعتبار لنفسها وتعزيز نفوذها.

بعد ذلك دخلت الانتفاضة في مرحلة ثالثة يمكن التأريخ لها بالعملية التي نفذها الذراع العسكري لحماس والتي استهدفت ملهى الدلافين يوم 1/6/2001 في تل أبيب، وهي المرحلة التي شهدت المزيد من العمليات الاستشهادية، ما أدى إلى تفاقم المواجهات المسلحة، وقيام إسرائيل بحملتي الطريق الحازم والسور الفاصل بدءا من مارس/آذار 2002، حين عاودت احتلال المدن الفلسطينية وحاصرت مقر الرئيس الراحل ياسر عرفات في رام الله وأوقفت مجمل العملية التفاوضية.

وعلى الصعيد الداخلي شهدت تلك المرحلة تداعيات كبيرة وخطيرة، إذ رحل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في نوفمبر/تشرين الثاني 2004، بعد حصار مشدد استمر ثلاثة أعوام، ثم قامت إسرائيل بتنفيذ انسحاب أحادي من قطاع غزة عام 2005، وتراجعت مكانة حركة فتح في القيادة.

وهذا هو ما تم تأكيده في انتخابات المجلس التشريعي في يناير/كانون الثاني 2006 التي حصدت فيها حركة حماس غالبية المقاعد، وقد نجم عن ذلك وجود واقع من ازدواجية السلطة والمرجعية في الساحة الفلسطينية.

وفي كل الأحوال فإن تفشي ظاهرة العسكرة ونزعة العنف في السياسة الفلسطينية، معطوفة على إخفاق الخيارين السياسي والعسكري نتيجة إخفاق مساري الانتفاضة والمفاوضة، أدى إلى تفاقم الخلافات الفلسطينية وحصول انقسام في النظام الفلسطيني وفي القيادة لا سيما بعد هيمنة حركة حماس على قطاع غزة في يونيو/حزيران 2007.

أما على الصعيد الخارجي فقد حصلت تطورات عديدة، إذ تبين منذ الأشهر الأولى من الانتفاضة أن مراهنة الفلسطينيين على تحول في السياسة العربية لصالحهم في غير محله، خصوصا أن هذه السياسة تعيش في زمن التسوية وتعاني من الشلل والتشتت، بل وحتى الواقع على المستوى الشعبي ليس بأفضل حالا.

وبديهي أن احتلال العراق ضاعف من عجز الوضع العربي عن دعم الانتفاضة.

وقد شهدت هذه المرحلة أيضا تحول المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين بانتخاب أرييل شارون زعيم الليكود رئيسا للحكومة، وهو الذي تسلم السلطة في مارس/آذار 2001، كما شهدت انقسام حزب الليكود وقيام حزب كاديما بزعامة شارون وفيما بعد بزعامة إيهود أولمرت، كردة فعل على الانسحاب الأحادي من قطاع غزة.

وعلى الصعيد الدولي شهدت هذه المرحلة التحول الدولي إلى الحرب على الإرهاب، وما يعنيه ذلك من انصراف عن القضية الفلسطينية، ومن مخاطر الخلط بين الإرهاب ومقاومة الاحتلال.

وقد أدى ذلك إلى إطلاق يد إسرائيل في الشعب الفلسطيني وإمعانها في البطش به.

شهدت هذه المرحلة كذلك قيام الولايات المتحدة باحتلال العراق عام 2003، مثلما شهدت إخفاق الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو/تموز 2006.

"
مشكلة القيادة الفلسطينية هي أنها أرادت أن تحتفظ، في وقت واحد، بدورها كقيادة لحركة تحرر وطني وبدورها كسلطة، وبمعنى آخر أرادت أن تحتفظ بدورها التفاوضي والانتفاضي
"
إشكاليات الانتفاضة

ورغم كل هذه التطورات والتحولات الداخلية والخارجية التي تستحق كل واحدة منها وقفة تأمل ودراسة، فإنه لم يجر أي نقاش جدي لمراجعة واقع الانتفاضة وسبل عملها، في إطار المؤسسات المسؤولة في الساحة الفلسطينية، لاستنتاج العبر اللازمة منها.

وإضافة إلى الإشكاليات الأساسية للعمل الفلسطيني (طبيعة العدو الصهيوني، والخلل في موازين القوى، والبعد الدولي والإقليمي للصراع)، فقد كانت للانتفاضة إشكالاتها الخاصة المتعلقة بانكفاء البعد العربي للصراع مع إسرائيل وبالتحولات الدولية الحاصلة بعد أحداث 11/9/2001، كما برزت الإشكاليات الذاتية وضمنها إشكاليتا القيادة والمرجعية، وشكل المقاومة المسلحة.

على صعيد الإشكالية المتعلقة بالمرجعية والقيادة، بدت الانتفاضة كأنها خليط من التجريب والفوضى وتفاعل الإرادات، أكثر من كونها حركة فعل منظمة وناضجة تخضع لحسابات سياسية مدروسة.

ففي وقت بدت فيه الانتفاضة أحوج ما تكون إلى أعلى أشكال التناغم والانسجام في خطابها وعلاقاتها العربية والدولية، من دون أن يخل ذلك بالتعددية الوطنية أو بالعلاقات الديمقراطية، برزت مرجعيات وخطابات مختلفة تشكك في وحدتها وفي صورتها وحتى في سلامة توجهها.

فمثلا كان من المهم الاتفاق على أهداف الانتفاضة التي تتمثل في دحر الاحتلال والاستيطان، من دون إغراق الانتفاضة بالشعارات والأهداف التي لا شك أنها عادلة وشرعية، ولكنها لا تتناسب اليوم لا مع موازين القوى ولا مع خارطة فعل الانتفاضة، المحددة في الأراضي المحتلة.

أيضا، كان التوجه نحو إضفاء طابع المقاومة المسلحة على فعاليات الانتفاضة يفتقد الوضوح اللازم والمصارحة المطلوبة، وهو ما انعكس في وجود إستراتيجيتين للمقاومة المسلحة.

أما إحداهما فتتمثل في اقتصار هذا العمل على الأراضي الفلسطينية المحتلة (ضد العسكريين والمدنيين) وقد جسدتها حركة فتح بالتوافق مع الجبهتين الشعبية والديمقراطية.

وأما الثانية فتتمثل في التركيز على العمليات الاستشهادية في الأراضي الفلسطينية المغتصبة عام 1948 وطالت المدنيين، وقد جسدتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

ونتيجة ذلك بدت الانتفاضة كأنها مجال للتنازع بين خطابين سياسيين متفارقين، كما باتت أيضا مجالا للتنازع بين إستراتيجيتين في المقاومة، وكلا الأمرين كان تحصيل حاصل لضعف القيادة والمؤسسات ومستوى المشاركة.

في هذا الإطار يمكن تحميل القيادة الفلسطينية، متمثلة في الرئيس الراحل ياسر عرفات، المسؤولية عن وصول الانتفاضة إلى هذا الوضع، فهي منذ البداية تعاملت مع الانتفاضة بطريقة مزدوجة، إذ حافظت على قيادتها لها من ناحية، بطرقها المعروفة، وهي من الناحية الأخرى حاولت الإيحاء بوجود مسافة بينها وبين الانتفاضة لضرورات الحفاظ على شرعيتها في التفاوض مع إسرائيل وعلى الصعيد الدولي.

ومشكلة القيادة الفلسطينية هنا هي أنها أرادت أن تحتفظ، في وقت واحد، بدورها كقيادة لحركة تحرر وطني وبدورها كسلطة، وبمعنى آخر بدورها التفاوضي والانتفاضي.

وبالنسبة لإشكالية المقاومة المسلحة فقد نجم عنها طغيان الطابع العسكري للانتفاضة على طابعها المدني الشعبي، وبذلك كفت عن كونها انتفاضة شعبية منذ الأشهر الأولى.

وما زاد من وطأة هذا الأمر أن التوجه نحو تعزيز الانتفاضة بالعمليات المسلحة لم يخضع لحسابات ميدانية أو سياسية مدروسة ولم يكن وليد إستراتيجية سياسية ونضالية مشتركة.

ففي حين اعتمدت فتح (وإلى حد ما الجبهتان الشعبية والديمقراطية) على احتضان عمليات المقاومة المسلحة في الضفة الغربية وقطاع غزة الموجهة ضد العسكريين والمستوطنين الإسرائيليين، بما يتناسب مع هدف تقويض الاستيطان ودحر الاحتلال، انتهجت حركتا حماس والجهاد الإسلامي التركيز على خط العمليات الاستشهادية ضد الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المغتصبة عام 1948.

"
الانتفاضة في ظل تداعيات أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 والديماغوجية السياسية المصاحبة لها كادت تعتبر عملا من أعمال الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة
"
وبدا بديهيا أنه من المتعذر على الفلسطينيين في الضفة والقطاع الذهاب إلى النهاية في الانتفاضة المسلحة، لا بسبب ضعف إمكانياتهم بالقياس لإسرائيل، وإنما بسبب عدم قدرتهم على تأمين مرتكزات مثل هذه الانتفاضة والاستمرار فيها من الناحية الموضوعية.

ويأتي ذلك بسبب ارتباطهم بألف خيط وخيط مع إسرائيل (مياه وطاقة وتموين وبنى تحتية وممرات)، علاوة على أن إسرائيل ذاتها هي المعنية باستدراج الفلسطينيين إلى هذا الوضع الذي تتفوق فيه، والذي قد يبرر لها شطب السلطة الفلسطينية وإلغاء الكيان الفلسطيني وتدمير المقومات المادية والمعنوية للمجتمع الفلسطيني.

والمشكلة أن تداعيات الأحداث الدولية، التي حصلت بعد الهجوم على مبنيي التجارة العالمية في نيويورك والبنتاغون في واشنطن، أدت (في إطار الرأي العام العالمي والدعاية الأميركية الإسرائيلية) إلى وصم العمليات الاستشهادية بالإرهاب، إضافة إلى تحريم العمليات المسلحة كليا.

بل إن الانتفاضة نفسها، في ظل هذه التداعيات والديماغوجية السياسية، كادت تعتبر عملا من أعمال الإرهاب بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية.

وبالطبع فإن القضية هنا ليس لها علاقة بشرعية هذا العمل أو عدم شرعيته، على أهمية ذلك، وإنما لها علاقة بأبعاده السياسية ومدى خدمته لقضية الانتفاضة وخصوصا لاستمرارها وتطورها.

كيف انتهت الانتفاضة؟
لعل السؤال عن كيفية انتهاء الانتفاضة يحيلنا مرة ثانية إلى معضلة القيادة في الساحة الفلسطينية وإلى ضعف مناحي المؤسسة والتنظيم والتخطيط فيها.

طبعا، ليست ثمة انتفاضة أو مقاومة إلى الأبد، وكل ظاهرة وكل شكل نضالي له بداية ومسار وله نهاية أيضا، ولكن الوضع في الساحة الفلسطينية لا يقارب هذه المسائل، فلا أحد في هذه الساحة مستعد للاعتراف أو للإقرار بنهاية الانتفاضة، علما أن هذه الانتفاضة انتهت، كما قدمنا، في الأشهر الأولى من العام 2001 وباتت الفعاليات الشعبية تقتصر، في الأغلب، على المشاركة في جنائز الشهداء وفي بعض الاعتصامات والمظاهرات.

وإذا أردنا التعميم من قبيل المجاز، بمعنى تعميم مصطلح "الانتفاضة" على مجمل المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية خلال السنوات الثماني الماضية، فلا أحد، إذا استثنينا سلطة الرئيس أبو مازن وحكومته برئاسة سلام فياض التي تقر علنا بانتهاء خيار المواجهة المسلحة والانتفاضة منذ إعلان برنامج محمود عباس الانتخابي الذي انتخب بناء عليه رئيسا للسلطة في يناير/كانون الثاني 2005، لا أحد يقر بانتهاء الانتفاضة أو المواجهة.

فقط مؤخرا أبدت حركة حماس استعدادها لهدنة أو تهدئة في قطاع غزة لا سيما بعد سيطرتها على القطاع في صيف العام 2007.

السؤال الآن، هل انتهت هذه المرحلة من المواجهات أو من الانتفاضة مع رحيل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات عام 2004، أم مع انتخاب أبي مازن في 2005، أم مع تراجع فتح في القيادة بعد خسارتها الانتخابات 2006، أم مع توجه حماس للهدنة والتهدئة عام 2007؟

والسؤال التالي، وهو الأهم، ما العبر التي تم استخلاصها من هذه الانتفاضة وهذه المواجهات التي دفع الشعب الفلسطيني ثمنها مائة ألف بين شهيد وجريح ومعاق ومعتقل، مع خسائر مادية وسياسية باهظة؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة