من الحرب إلى العمل   
الأربعاء 1437/9/11 هـ - الموافق 15/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 16:11 (مكة المكرمة)، 13:11 (غرينتش)
فرانسيس ستيورت


مما لا شك فيه أن للصراعات تأثيرات سلبية كبيرة بما في ذلك موضوع التوظيف، ولكن المفهوم السائد عن العلاقة بين الصراع والتوظيف لا يأخذ بالحسبان بشكل كامل تعقيدات تلك العلاقة، وهذا التقصير يقوض سياسات التوظيف الفعالة في الدول الهشة.

إن الحكمة التقليدية هي أن الصراع يدمر الوظائف، كما أن البطالة يمكن أن تؤدي لمزيد من الصراعات؛ حيث يجد الشباب العاطل عن العمل التأثير والمكاسب الاقتصادية من خلال الحركات العنيفة، ولهذا السبب يجب أن يكون لخلق الوظائف دورا مركزيا في سياسة ما بعد الصراع، ولكن بينما من المؤكد أن هذا الكلام يبدو منطقيا فإن تلك الافتراضات كما ذكرتها بالتفصيل في ورقة بحثية سنة 2015 ليست بالضرورة صحيحة بشكل كامل.

إن الافتراض الأول (الصراعات العنيفة تدمر الوظائف) يتجاهل حقيقة أن كل صراع هو فريد من نوعه، وبعض الصراعات مثل الحرب الأهلية السريلانكية سنة 2008-2009 انحصرت في منطقة صغيرة نسبيا مما ترك معظم البلاد وكذا اقتصادها غير متأثرة بالصراع.

وحتى الصراعات المزمنة مثل الحرب الأهلية الحالية في الكونغو يمكن أن لا يكون لها تأثير رئيسي على صافي التوظيف، فالوظائف التي يتم فقدانها في القطاع العام أو بين مصدري البضائع على سبيل المثال يتم تعويضها بشكل عام عن طريق وظائف جديدة في الحكومة وقوات الثوار المسلحة والإنتاج غير الرسمي الذي يعوض الواردات وكذا النشاطات غير القانونية مثل إنتاج المخدرات والتهريب.

تلعب عوامل مثل الدين والعرق والصراع على السلطة أدوارا حاسمة في اندلاع الحروب الأهلية (وكالة الأنباء الأوروبية)

إن الافتراض الثاني بأن البطالة هي سبب رئيسي للصراع العنيف لا يعكس الاختلافات الدقيقة والجوهرية؛ فأولا يشكل القطاع الرسمي جزءا بسيطا فقط من إجمالي التوظيف في معظم الدول المتأثرة بالصراع. إن معظم العمالة موجودة في القطاع غير الرسمي وعادة ما تكون تلك العمالة منخرطة في نشاطات ذات دخل منخفض، بالإضافة إلى كونها ذات إنتاجية ومكانة منخفضة كذلك، وهي -مثل البطالة- يمكن أن تولد السخط وأن تحفز الشباب على الانضمام للحركات العنيفة.

نظرا لذلك فإن توسيع التوظيف في القطاع الرسمي لن يكون كافيا ما لم يحسن كذلك من وضع الشباب في القطاع غير الرسمي منخفض الدخل، ولكن سياسات التوظيف ما بعد الصراع تتجاهل في كل الحالات تقريبا القطاع غير الرسمي، والأسوأ من ذلك هو أن الأحكام والأنظمة الجديدة -مثل منع استخدام الدراجات في الأمور التجارية في فريتاون بسيراليون- تعيق أحيانا النشاطات غير الرسمية المنتجة للشباب.

لكن حتى التركيز على القطاع غير الرسمي ليس كافيا، فلقد أظهرت الأبحاث بأن الفقر والتهميش لا يتسببان لوحدهما في اندلاع الصراعات، ولو كان الأمر كذلك لكانت معظم الدول الفقيرة في حالة صراع معظم الوقت، وهذا لا ينطبق على الوضع الحالي على الإطلاق.

تحدث الصراعات العنيفة عندما يكون عند القادة الحافز لحشد أتباعهم للانخراط بها، وهذا الحافز يمكن أن ينبع من مجموعة مختلفة من الأسباب لعل أكثرها انتشارا هو الإقصاء من السلطة. وفي تلك الحالة يستهدف القادة هوية مشتركة الدين على سبيل المثال في حالة الصراعات المعاصرة في الشرق الأوسط، أو العرق في العديد من الصراعات الأفريقية- من أجل حشد الأتباع.

تحدث الصراعات العنيفة عندما يكون عند القادة الحافز لحشد أتباعهم للانخراط بها، وهذا الحافز يمكن أن ينبع من مجموعة مختلفة من الأسباب لعل أكثرها انتشارا هو الإقصاء من السلطة. وفي تلك الحالة يستهدف القادة هوية مشتركة مثل الدين أو العرق من أجل حشد الأتباع

بالطبع، هناك حاجة لما هو أكثر من الهوية المشتركة من أجل حشد الأتباع، ولكن الناس سيتجاوبون بشكل عام مع تلك الدعوات فقط لو كانت لديهم مظالم بالفعل، وخاصة لو شعروا بأن مجموعتهم تواجه التمييز عند محاولة الوصول للموارد والوظائف؛ وبهذا المعنى فإن التوظيف وثيق الصلة بالموضوع، ولكن المهم ليس المستوى المطلق من التوظيف ولكن توزيع الوظائف الجيدة على المجموعات الدينية أو العرقية.

بعبارة أخرى فإن خلق المزيد من الوظائف ببساطة بدون الاهتمام بتوزيعها لن يخفف من التوتر، ولو استمر انعدام التوازن فإن خلق الوظائف قد يزيد الأمور سوءا، ومع ذلك لا تزال سياسات التوظيف في مرحلة ما بعد الصراع تتجاهل في معظم الحالات ما يطلق عليه "عدم المساواة الأفقية"، فعلى سبيل المثال فإن سياسات التوظيف لم تفعل الشيء الكثير لتخفيف الاختلالات الإقليمية القوية والتمييز الذي ما زال قائما في مناطق البوسنة والهرسك بعد الحرب التي حصلت هناك في التسعينات.

نظرا لذلك الفشل فمن غير المفاجئ أن صافي تأثيرات سياسات التوظيف هو بالعادة صغير جدا مقارنة بحجم المشكلة؛ ففي كل من كوسوفو والبوسنة والهرسك كان يعتقد بأن خلق الوظائف هو أمر حيوي من أجل جهود حفظ السلام لمرحلة ما بعد الصراع، ومع ذلك وصلت نسبة البطالة في كوسوفو إلى 45 % بعد ست سنوات من انتهاء الحرب، وفي البوسنة خلقت البرامج الجديدة 8300 وظيفة بينما تم تسريح 450 ألف شخص من القوات المسلحة، وبعد 20 سنة على انتهاء الصراع يصل معدل البطالة إلى 44%.

هناك مثال جيد على سياسة التوظيف الناجحة لما بعد الأزمات، فقد سعت الحكومة النيبالية لتوسيع الفرص في القطاع غير الرسمي بعد الحرب الأهلية في البلاد حيث طبقت برامج تركز على بناء البنية التحتية ومنح قروض صغيرة وتوفير المساعدة التقنية بحيث تستهدف المناطق والطبقات الاجتماعية الأكثر حرمانا.

وقد لاحظت الحكومة النيبالية الدور الذي تلعبه التوترات العرقية والطبقية في إشعال الصراع، وعليه قامت الحكومة بتصميم برامج توظيف خصيصا للمناطق الريفية تشبه برنامج التوظيف الهندي، بحيث يتم ضمان 100 يوم عمل لكل عائلة. وقد حظيت البرامج بدعم الحكومة النيبالية والجهات المانحة الخارجية حيث ركزت على المناطق والقرى الأكثر فقرا وعلى الطبقات الاجتماعية الأكثر فقرا.

إن الفترة التي تلي الصراع مباشرة هي فترة دقيقة وحساسة ويتوجب على القادة أن يستغلوا تلك الفترة أفضل استغلال بحيث يتحققوا من أن كل سياسة يتبنونها هي سياسة فعالة بقدر الإمكان.

وعندما يتعلق الأمر بالتوظيف فإن هذا يعني تصميم برامج تعكس كيف يقوم الناس فعليا بقضاء حياتهم العملية، بالإضافة إلى التعامل مع المظالم الحقيقية التي تتسبب بالتوترات، وإلا فإنهم سيخاطرون بأن يسمحوا إن لم نقل يشجعوا العودة مجددا للعنف المنظم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة