هل يشهد العالم نهاية ظاهرة اسمها الغرب؟   
الأربعاء 1426/1/22 هـ - الموافق 2/3/2005 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)


رفيق عبد السلام

 

- من الصعود إلى الأفول

- موت الغرب

 

مثل الغرب الحديث -ومازال يمثل إلى يومنا هذا- بالنسبة لشعوب العالم ونخبها ضربا من التحدي والغواية الصارختين، فهو من جهة غرب ملهم من حيث نجاعته التقنية والاقتصادية ومن حيث "تحرريته" السياسية والفكرية والاجتماعية، ولكنه من الجانب الآخر غرب شديد الأنانية والعنف و"النفاق" في تعاطيه مع قضايا العالم وشعوبه.

 

ولعل الأمر كان أشد مرارة ووطأة على الشعوب العربية والإسلامية التي داهمها هذا الغرب في المراحل الأولى بسطوة جيوشه الكاسحة ثم بسلطان نموذجه الاجتماعي الثقافي الضارب.

 

ولا ننسى هنا أن الغرب الحديث الذي خرج على العالم غازيا بقوته العسكرية والمادية الكاسحة كان مدفوعا بزخم ثقافي لا يقل قوة ودافعية عن مقدراته المادية، إذ كان يرى في نفسه حاملا لمشعل الأنوار والتقدم لشعوب غارقة في ظلمات الجهل والتخلف، أي مخلصا لنفسه وللعالم من حوله بما يشبه دور المسيح المبشر والمخلص الذي أعادت استلهامه الأيدولوجيات الغربية الحديثة ضمن وجهة معلمنة.

 

"
موعودات التحرير التي بشر بها رجال الأنوار تستحيل في أرضنا إلى احتلال مقيت، والديمقراطية الموعودة تستحيل إلى وطأة ثقيلة من الاستبداد السياسي المدعوم والمحروس أميركيا وغربيا
"
من الصعود إلى الأفول

منذ أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين جرت مياه كثيرة في النهر الغربي الواسع، من ذلك ظهور حربين بين القوى الأوروبية الصاعدة اصطلح على تسميتهما تجاوزا بحربين كونيتين، ثم ظهور النماذج الشمولية المخيفة أمثال النازية والفاشية والشيوعية والقوميات المتطرفة، الأمر الذي وضع مبشرات الأنوار والحداثة الغربيين موضع اختبار تاريخي.

 

وقد بينت هذه الأحداث التاريخية الجلل القدرات التدميرية التي تختزنها الحداثة الغربية بصورة غير مسبوقة، كما بينت أن مسار التاريخ العالمي عامة -بما في ذلك التاريخ الغربي نفسه المنظور إليه كمركز التاريخ الإنساني- لا يسير ضرورة نحو مزيد من الامتلاء التصاعدي على نحو ما تقول أيدولوجيا التقدم، بقدر ما يسير نحو المهالك والارتكاس التراجع، ولا يسير ضرورة نحو تحرر الذاتية الإنسانية توازيا مع تصاعد سلم المعرفة وكشف المجاهيل الكونية على ما يقول الآباء المؤسسون، بقدر ما يتجه نحو مزيد إحكام القيود والأغلال وإحلالها محل الأغلال القديمة.

 

وبالتوازي مع ذلك لعب تيار النقدية الجذرية دورا حاسما في تفكيك الادعاءات العالمية للغرب الحديث من خلال تفكيك أسانيده النظرية، فقد أتت مطرقة النقد النيتشوي على رافعة العقلانية وأفرغت الغائية التاريخية والذاتية الإنسانية من دواخلها وأعماقها. ولسنا نبالغ إذا قلنا إن الخطاب الغربي الحديث بقي محكوما وإلى يومنا هذا باللحظة النيتشوية، وما أحدثته من تصدعات هائلة في أعمدته الفكرية والأخلاقية. وليست التيارات التفكيكية والنقدية الجذرية التي نزعت عن الغرب هالته السحرية والماهوية إلا تفعيلا لهذا الإرث النيتشوي ودفعه إلى نهاياته القصوى.

 

أما بالنسبة لنا نحن معشر العرب والمسلمين، فلا نعلم ما إن كان من سوء حظنا أو من حسنه أن توالت علينا موجات العدوانية الغربية واحدة تلو الأخرى، ما إن ندفع حلقة من حلقاتها حتى تكر علينا أخرى، فإذا بموعودات التحرير التي بشر بها رجال الأنوار تستحيل في أرضنا إلى احتلال مقيت، وإذا بالديمقراطية الموعودة تستحيل إلى وطأة ثقيلة من الاستبداد السياسي المدعوم والمحروس أميركيا وغربيا.

 

ولعل الوجهين الأكثر كثافة اليوم لهذه الهوة السحيقة التي تفصل بين دعاوى الحداثة الغربية بالحرية والتحرير وبين شخوصها العملية في منطقتنا العربية، تتمثل في مشروع الاحتلال الصهيوني لفلسطين وما يلقاه من أشكال الدعم الخفي والمعلن من القوى الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية. ثم أخيرا وليس آخرا الاحتلال الأميركي للعراق للسيطرة على مقدراته والتحكم في مصائره تحت دعاوى التحرير.

 

وهكذا فإنه في الوقت الذي تتعالى فيه أصوات بعض المنظرين الغربيين والأميركيين بتأكيد انتصار القيم الثقافية الغربية واكتساحها الضارب لكل مناحي المعمورة الكونية، تزداد إرادة السيطرة والتحكم الغربيين شراسة على شراستها، وتزداد معها عوامل النقمة والشكوك في جدية وصدقية القيم الثقافية والسياسية الغربية التي تشن الحروب "من أجلها".

 

وبالتوازي مع ذلك تتجه الشعوب والنخب أكثر فأكثر نحو العودة إلى منابعها الثقافية ومواريثها التاريخية، ويتعمق وعيها يوما يعد يوم بمحدودية النموذج الحداثي الغربي.

 

ولا ننسى هنا أن الاختبار الأكبر لمدى جدية وصلابة أي قيم سياسية وثقافية ومدى جدية الحاملين للوائها، وعلى رأس ذلك مقولات الديمقراطية وحقوق الإنسان التي جعلها الغرب الحديث عنوانا لمهمته الرسالية العالمية ويشن الحروب باسمها، إنما يكون في الأجواء غير العادية وفي مناخ الحروب والأزمات الكبرى.

 

وقد شهد العالم كيف أدارت بعض الديمقراطيات الغربية آلتها الحربية ضد العراق بأساليب مخاتلة مواطنيها ومخادعة الرأي العام، وكيف تحولت أم "الديمقراطيات الليبرالية" إلى آلة ضخمة من الرقابة الأمنية والأكاذيب المفضوحة التي تسوغ شن الحرب والعدوان.

 

وبينما كانت الآلة الإعلامية والسياسية الأميركية تغلف أهدافها التوسعية والاستحواذية في العراق بجلب الديمقراطية وحقوق الإنسان، كان البوليس الأميركي يعتقل المتظاهرين ويغل أيديهم في الساحات العامة وعلى مرأى ومسمع من الكاميرات العالمية. أي أن هذا النموذج السياسي والثقافي الذي يراد تصديره إلى العالم والذي تشن الحروب باسمه لم يستطع أن يصمد حتى في موطنه الأصلي، فكيف له أن يصمد خارج حدوده القومية بقوة  السلاح والتوسع؟!

 

"
نهاية أو موت الغرب لا نعني به اختفاء جغرافية محددة تواضع العالم على تسميتها بالغرب، كما لا نقصد به سقوط حضارة الغرب ومنجزاته المادية، وإنما نعني به  نهاية ادعاءاته الكونية ومن ثم إرجاعه إلى نسبته التاريخية ومحدوديته الثقافية
"
موت الغرب

إن ولادة الغرب الحديث واكتسابه طابع العالمية كانت يوم شيوع الحلم الليبرالي الغربي في التقدم والتحرير، كما أن نهايته أو موته ستكون بموت هذه الأحلام والأوهام التي صنعها وروجها في كل مناحي المعمورة.

 

وحينما نتحدث عن نهاية أو موت الغرب لا نعني  بذلك نهاية موضعية، أو اختفاء جغرافية محددة قد تواضع أهلها والعالم على تسميتها بالغرب، كما أننا لا نقصد بذلك ضرورة سقوط حضارة الغرب ومنجزاته المادية، فهذه قد تعمر لآماد بعيدة لا يعلم نهايتها إلا الله ، كما أن سيطرته العلمية والمادية ربما تستمر لآماد طويلة. وإنما نعني بذلك على وجه الدقة نهاية ادعاءاته الكونية، ومن ثم إرجاعه إلى نسبته التاريخية ومحدوديته الثقافية شأنه في ذلك شأن الظواهر التاريخية الكبرى التي تولد ثم تموت.

 

صحيح أن الغرب الحديث بما امتلكه من ناصية العلم والتكنولوجيا، وبما يختزنه من منظومة قيمية ورمزية ذات ادعاءات عالمية، قد ترك بصماته في كل نواحي المعمورة، كما أشاع الكثير من مكاسبه وثمراته، بقدر ما ورث ندوبه وأمراضه لكل شعوب العالم تقريبا، فلا يخلو بلد من بلاد العالم الواقعة خارج الفضاء الغربي اليوم من معضلة الصراع بين مطلب "الأصالة" والتحديث، أو من استقطاب بين أنصار الهوية والذاتية وأنصار التغريب.

 

وهنا يبدو أن ما أسماه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر بأوربة الكوكب وتغريبه، وما أسماه أخيرا فوكوياما بنهاية التاريخ وتوقعه عند العتبة الأميركية, أقرب إلى أضغاث الأحلام منه إلى الوقائع، لسبب بسيط هو أن العالم بكل تنوعاته وتعقيداته لا يمكن أن يتغرب على المنوال الأوروبي والأميركي، وليس ذلك لكونه رافضا لأن يكون مرآة عاكسة للصورة الأصلية، بل لأن هذا الغرب الحديث نفسه لا يحتمل عالما على شاكلته، ومن ثم لا يقبل غياب الحدود السميكة الفاصلة بين غرب الأصل وغرب النسخ المنقولة، ذلك أن وجود هذا الغرب واستمراره يتأسس ضرورة على إقامة ضرب من التمايز التاريخي والثقافي بينه وبين ثقافات وشعوب العالم.

 

فالعالم مثلا لا يمكن أن يتحول إلى ديمقراطي ليبرالي ليس لأنه يرفض قبول القيم الديمقراطية الأميركية أو البريطانية، بل لأن المركز الغربي المتحكم والمهيمن ذاته لا يحتمل عالما ديمقراطيا وليبراليا على شاكلته، لأن من مفضيات ذلك تفكيك الحدود الفاصلة بين المركز والأطراف، وديمقراطيات العالم الواسع.

 

فأن يكون العالم ديمقراطيا وليبراليا بالكامل معناه تفكيك كل مراكز التحكم والسيطرة الداخلية والخارجية على السواء. ولكن من الواضح اليوم أن الغرب الليبرالي يريد تحررية سياسية واقتصادية في اتجاه واحد وليس أكثر.

 

يريد تحررية ليبرالية يرى بموجبها صورته في مرآته العاكسة، ولكن شريطة أن لا تمس بمصالحه الحيوية، ولا تضع بنى سيطرته العالمية موضع تساؤل ونقض. أي في المحصلة النهائية يريد ديمقراطية في حدود النخب المطلوبة والمنتدبة وفق آليات الهيمنة والسيطرة، ويريد ليبرالية اقتصادية تفتح أمامه أسواق العالم وتداول رساميله، ولكن بشرط ألا تنفتح أسواقه أمام بضائع الآخرين وأن لا تتدفق عليه الهجرة أو حتى اليد العاملة الزائدة عن الحاجة.

 

الخلاصة هنا أننا نحن أبناء هذا العصر قدر علينا طوعا وكرها أن نحمل في داخلنا بعضا من ملامح وشخوص هذا الغرب الحديث، نلبس ملابسه ونستعمل الكثير من مصنوعاته، بل نتكلم ونقرأ في الكثير من الأحيان بلغته أو لغاته، وقد نتذوق بعضا أو كثيرا من فنونه وآدابه. ولكن قدرنا أيضا وقدر العالم من حولنا أن يحرر وعيه وهيئته الخاصة والعامة، من سطوة الأحلام والأوهام المريضة.

 

إن تأثيرات الغرب ستظل حاضرة وفاعلة بين شعوب العالم على اختلاف ألسنتها وألوانها وعقائدها، ولكن ذلك لا يعني إعادة صهر العالم على المنوال الغربي الأوروبي أو الأطلسي الأميركي، فالكثير من هذه الشعوب وخاصة ذات الخبرة التاريخية المديدة والمختزنات الرمزية العميقة كما هو حال المسلمين والصينيين والهنود وغيرهم، سيعملون -بل هم يعملون فعلا- على إعادة صهر الكثير من المؤسسات "والقيم" المحسوبة على الغرب داخل نسيجها الذاتي وإعادة بنائها بحسب حاجياتها وسلم أولوياتها الخاص، بما يعنيه ذلك من أن ظاهرة إعادة اكتشاف الذات وتجديد حضورها في العالم الحديث لا تقل فاعلية وحضورا عن ظاهرة تغريب العالم. ودليل ذلك عودة الشعوب المتزايدة إلى منابعها الرمزية والثقافية، ومحاولة مزجها أو تكييفها بمتطلبات "الحداثة".

 

"
سيكون أبناؤنا وأحفادنا أكثر قدرة منا على امتلاك ناصية الوعي التاريخي، وأقدر على التحرر من الأوهام المريضة، وربما يكونون شهودا أحياء على موت هذه الظاهرة التي اصطلح  على تسميتها بالغرب
"
إن ظاهرة التطرف الإسلامي مثلا لا ينبغي أن تحجب عنا مشهدا أوسع أثرا في أرض الإسلام الممتدة، أعني بذلك ظاهرة الإحيائية الإسلامية الآخذة في إعادة تشكيل الخارطة الثقافية والسياسية في المنطقة الإسلامية، وهي ظاهرة  يزداد حضورها في قلب المدن والحواضر، وبين القطاعات الحديثة والمتعلمة المفترض أن تكون طليعة تغريب المنطقة وعلمنتها، بما يؤكد وهمية الربط التلازمي بين التحديث والتغريب.

 

وأخيرا فإننا نقول إن تبشير أنفسنا والعالم من حولنا بنهاية أو موت هذا الغرب لا يعني أننا نكرهه أو نجهله، بل ربما لأننا قد بلغنا درجة كافية من الرشد، ورصيدا غير قليل من الخبرة والتجربة في التعاطي مع هذا الغرب الحديث، بما يجعلنا أقدر على الوعي بمحدودية الظواهر الثقافية والتاريخية مهما كانت سطوتها وقوة فعلها وتأثيرها.

 

وربما سيكون أبناؤنا وأحفادنا من بعدنا أكثر قدرة منا على امتلاك ناصية الوعي التاريخي، وأقدر منا على التحرر من الأوهام المريضة، وربما يكونون  شهودا أحياء على موت هذه الظاهرة التي اصطلح أهلها واصطلحنا نحن تبعا لذلك على تسميتها بالغرب، والتي لا يزيد عمرها عن أربعة قرون من الزمن على أقصى تقدير.

_________

كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة