تداعيات رأي المحكمة حول كوسوفو على العالم العربي   
الاثنين 21/9/1431 هـ - الموافق 30/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:46 (مكة المكرمة)، 13:46 (غرينتش)
عبد الله الأشعل


في 22 يوليو/تموز 2010 أصدرت محكمة العدل الدولية رأيها الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن مدى توافق إعلان كوسوفو الاستقلال من طرف واحد مع القانون الدولي.

أجابت المحكمة بأن هذا الإعلان بذاته لا يعد انتهاكاً لأي من أحكام القانون الدولي في المسألة، وهي قرار مجلس الأمن 1244 والترتيبات الانتقالية تحت إدارة الأمم المتحدة والقرارات التنظيمية الخاصة بالفترة الانتقالية.

ويرجع أصل الموضوع إلى تفكك الاتحاد اليوغسلافي ودخول صربيا في حروب مع البوسنة والهرسك ثم في عمليات دموية ضد سكان كوسوفو أدت إلى تدخل الناتو بضربات جوية عام 1999 لجمهورية الصرب، ثم صدرت مجموعة قرارات من مجلس الأمن والجمعية العامة حول الوضع في كوسوفو وانتهت بوضع الإقليم تحت الإدارة المدنية للأمم المتحدة والحماية العسكرية للناتو إلى أن يتم تحديد مستقبله في مفاوضات بين صربيا وكوسوفو.

كان إقليم كوسوفو الذي يضم مليوني نسمة 90% منهم ألبان جلهم مسلمون، و5% صرب و5% أعراق أخرى، جمهورية ذات حكم ذاتي في الاتحاد اليوغسلافي فأعلنت استقلالها يوم 7 سبتمبر/أيلول 1990 عن الاتحاد حتى قبل أن ينهار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

ملاحظة: أرجو مراجعة الجانب التاريخي في الفقرة.. راجع ملف كوسوفو.. الطريق إلى تقرير المصير/الفضيل

في أواخر 2007 أعلن المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة بشأن كوسوفو الفنلندي أهتيساري خطته التي أوصى فيها باستقلال الإقليم.

وعندما فشلت مفاوضات الاتفاق على الوضع النهائي، أعلنت الجمعية الوطنية المنتخبة -ويى من الترتيبات الانتقالية في إطار القرار 1244- استقلال كوسوفو يوم 17 فبراير/شباط 2008.

سارعت معظم الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة إلى الاعتراف بكوسوفو، وقيل يومها إنها ضربة لروسيا الداعمة للصرب، فردت روسيا بعمليات ضد جورجيا المدعومة أميركيا وإعلانها استقلال أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية يوم 26 مارس/آذار 2008.

قدمت صربيا مشروع قرار إلى الجمعية العامة لطلب رأي استشاري من المحكمة حول قانونية هذا الإعلان، وصدر القرار يوم 8 أكتوبر/تشرين الأول 2008 بموافقة 77 دولة بينها مصر وسوريا والسودان والجزائر، ومعارضة ست دول منها الولايات المتحدة، في حين امتنع عن التصويت معظم الدول الأعضاء وعددها 104، من بينها السعودية وعمان والمغرب وقطر والإمارات واليمن.

وتغيب من الجانب العربي العراق والكويت وليبيا وتونس وموريتانيا والصومال، وحرمت سبع دول من حق التصويت لتخلفها عن دفع حصصها في الميزانية عامين متتاليين تطبيقاً للمادة 19 من الميثاق.

معنى ذلك أن العالم العربي توزع في التصويت على قرار الإحالة، ويهمنا السودان المعرض لمؤامرة التفتيت، وكانت الأغلبية في صف الامتناع والغياب.

"
العالم العربي توزع في التصويت على قرار الإحالة، ويهمنا السودان المعرض لمؤامرة التفتيت، وكانت الأغلبية في صف الامتناع والغياب
"
وقد طلبت المحكمة معلومات ومذكرات وإفادات من جميع الدول والمنظمات الدولية، وبالطبع من كوسوفو وصربيا، وقدمت مصر وليبيا والأردن بيانات مكتوبة، مثلما قدمت الصين لأول مرة اعتراضاً على الاستقلال.

أما قبرص فقدمت مذكرة مرفقا بها بيان بالمناطق الأوروبية التي ستصيبها هذه السابقة في تفتيت الدول.

ورغم أن صربيا كانت تأمل من اللجوء إلى المحكمة إبطاء اندفاع الدول إلى الاعتراف بكوسوفو والتحذير من أنها ستكون سابقة ضد الدول وأول تهديد لفكرة الدولة منذ ظهورها، فقد كانت صربيا واثقة من أن الدول ستتريث في الاعتراف، وأن الرأي سيسرع بإغلاق هذا الملف وإنهاء مسلسل الاعتراف.

ولم تسلك صربيا مسلك المغرب في قضية الصحراء أو الصين الشعبية في قضية تايوان بقطع العلاقات مع الدول المعترفة، وهو ما نجح في حالة الصين وفشل في حالة المغرب لأسباب مختلفة، ولذلك سارعت تايوان وإسرائيل إلى الترحيب بالرأي.

وحتى مايو/أيار 2010 اعترفت بكوسوفو 69 دولة أي 36% من دول العالم، منها 22 دولة أوروبية من إجمالي 27، كما اعترفت بها تايوان بينما عارضتها الصين الشعبية وعبرت عن المعارضة بمذكرتها نظراً لأوضاع الصين وأقلياتها.

واعترفت ست دول عربية هي السعودية وليبيا والبحرين وموريتانيا والأردن وجيبوتي والصومال خلال العام 2009/2010.

وقد رحبت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بقرار المحكمة، وحث الاتحاد صربيا وكوسوفو على تسوية المسائل المعلقة بالمفاوضات ووعدتهما بقبولهما منفصلين في عضوية الاتحاد تحفيزا لصربيا وتعويضاً لها.

واللافت أن المحكمة حاولت الدفاع عن حق كوسوفو في الاستقلال، وفي سبيل ذلك ارتكبت عدداً من الأخطاء القانونية، وخلصت إلى نتائج غير سائغة من تحليلها لما ساقته من سوابق لتؤكد أن حق تقرير المصير مقرر أيضاً لمناطق الدولة الواحدة وهو يسمو على مبدأ السلامة الإقليمية للدولة، حيث فسرت المحكمة خطأ أن هذا المبدأ لا يقوم إلا في علاقات الدول، أي أن الصراعات بين الدول هي التي تجور أحياناً على مبدأ السلامة الإقليمية، وأن انفصال إقليم بناء على حق تقرير المصير لا يؤثر على هذا المبدأ، بل يسمو عليه.

وساقت المحكمة مجموعتين من الأمثلة: الأولى تحلل الإمبراطوريات تحت ضغوط حق تقرير المصير مثل الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية المجرية بعد الحرب العالمية الأولى، والاتحاد السوفياتي واليوغسلافي وتشيكوسلوفاكيا.

"
الغريب والخطير في الأمر أن المحكمة قررت أن كوسوفو كانت جزءاً من الاتحاد اليوغسلافي ثم جزءاً من صربيا، ولكنها أرادت أن تقرر مصيرها فتجاوزت تبعيتها لصربيا، وهذا غير صحيح من الناحية الفنية
"
وهذه الأمثلة الأخيرة تفسر في إطار الحرب الباردة حيث كانت كلها جزءا من المعسكر الشرقي الذي تعرض لكل عوامل الصهر والتفكيك من جانب الغرب، كما أن لكل حالة منها أوضاعا خاصة.

فالاتحاد السوفياتي ورث بالرباط الأيدولوجي الإمبراطورية الروسية، أما الاتحاد اليوغسلافي فقد ورث مملكة يوغسلافيا وأضاف إليها بقية أعضاء الاتحاد، وكان له رابطان: أيدولوجي شيوعي، وشخصي يستند إلى شخصية تيتو.

ولذلك بدأ الشقاق يدب في الاتحاد منذ يونيو/حزيران 1980 بعد وفاة تيتو وظهور عوامل التشقق في القيادة الشيوعية في موسكو، حتى مكن ميخائيل غورباتشوف عام 1985 من عوامل التفكيك فانهار الاتحاد السوفياتي عام 1991.

والغريب والخطير في الأمر أن المحكمة قررت أن كوسوفو كانت جزءاً من الاتحاد اليوغسلافي ثم جزءاً من صربيا، ولكنها أرادت أن تقرر مصيرها فتجاوزت تبعيتها لصربيا، وهذا غير صحيح من الناحية الفنية حيث كانت كوسوفو وصربيا والجيل الأسود أعضاء في الاتحاد.

ويشهد التاريخ على أن صربيا كانت دائماً بقوتها تجور على كوسوفو وغيرها منذ القرن الثالث عشر، وهو صراع أوسع بين صربيا وألبانيا التي تحررت بقرار مجلس السفراء من الإمبراطورية العثمانية عام 1919.

أما المجموعة الثانية من الأمثلة فهي قرارات مجلس الأمن التي رفضت الاعتراف بالاستقلال في ثلاث حالات: في البوسنة 1992 وقبرص 1983 وروديسيا 1965، وهو قياس في غير محله لأن المجلس رفض الاعتراف بحكومة روديسيا العنصرية ليس لأنها اغتصبت السلطة من الأغلبية الأفريقية، ولكن لأنها أعلنت استقلالها في روديسيا دون التشاور والاتفاق مع الدولة الاستعمارية وهي بريطانيا، فاعتبرت بريطانيا أن الإعلان تحد لسلطتها الاستعمارية بل وشأنا داخليا.

ولذلك فإن لندن هي التي عرضت القضية على مجلس الأمن في معركتها ضد نظام أيان سميت البريطاني الأصل.

أما قبرص الشمالية فقد رفض المجلس الاعتراف بها حتى لا تتجرأ الجزيرة الصغيرة رغم أن الإقليم منفصل جغرافياً ومختلف دينياً وعرقياً وثقافيا، وبمقياس المحكمة كان يتعين أن يقرر مصيره ولو على حساب مبدأ السلامة الإقليمية لدولة قبرص، ولكن الغرب وقف مع اليونان ضد تركيا وهما حليفان في الأطلسي، فلم يعترف بالدولة المعلنة سوى تركيا وتعاطفت معها بعض الدول من منطلق ديني مثل باكستان.

أما حالة البوسنة فكانت حربا للإبادة شنها الصرب على المسلمين فيها، كما مثلت حالة من الصراع السياسي بين أوروبا والولايات المتحدة حسمتها الأخيرة باتفاق دايتون ومطاردة الصرب.

وقد ترددت في مذكرات بعض الدول المؤيدة للانفصال وفي قرار المحكمة مصطلح الانفصال الانتقامي أو العلاجي (remedial secession)، أي أن الانفصال حل لاستحالة العيش المشترك، وهو مصطلح خطير استخدمته بريطانيا في شبه الجزيرة الهندية لتقسمها إلى الهند وباكستان عام 1947، ولكن في حالة كوسوفو لا تتعلق القضية بعيش مشترك وإنما بفرض صربيا هيمنتها دون أساس قانوني على شعب آخر.

وقد أكد عدد من القضاة في آرائهم الانفرادية والمعارضة لقرار المحكمة رفضهم لسمو حق تقرير المصير على مبدأ السلامة الإقليمية وكذلك للانفصال العلاجي، لأن التسليم بصحة هذه النظرية سيؤدي إلى تفكيك كوسوفو نفسها والبوسنة وغيرهما من الدول التي تضم وحدات عرقية ودينية متعددة.

لقد أغفلت المحكمة مبدأ بقاء الدولة الذي يتقدم كافة مبادئ القانون الدولي، كما تجاهلت التطبيقات الدولية حتى الآن التي تؤكد أنه إذا تعارض حق تقرير المصير لجماعة معينة مع مبدأ بقاء الدولة واستقرار الأوضاع في منطقة معينة فالأولوية لبقاء الدولة والاستقرار.

"
هناك ما يشير إلى ارتباط بين كوسوفو وجنوب السودان، ثم قدمت محكمة العدل الدولية الذريعة لانفصال جنوب السودان، ولذلك وجب التنبيه إلى تداعيات هذا الرأي في السنوات القادمة
"
وهذا هو الذي ساد حتى الآن بالنسبة للأكراد في العراق وتركيا، رغم أن الأكراد مجموعات عرقية ولغوية وثقافية مختلفة عن العرب والأتراك، وأظن أن الديمقراطية يمكن أن تكون حلا لمثل هذه المشكلات، وهذا هو الممكن الآن في تركيا.

على أي حال، يعدّ هذا القرار أضعف آراء المحكمة التي تعثرت في استدلالها في مسألة السلامة الإقليمية ونطاق القانون الدولي ومضمونه وتعميم الخاص على العام في سابقة خطيرة.

وجاء القرار منسجماً تماماً مع التوجه الأميركي، وسيُستخدم لدعم اتجاه تفتيت الدول العربية بدءاً بالسودان الذي يمارس جنوبه حقه في تقرير المصير، مما يسهل مؤامرة التفتيت الأميركي والصهيوني، وبعده ينفرط عقد السودان الواحد.

ولا نريد أن تزدحم هذه المقالة بالسقطات القانونية في هذا الرأي الذي يجب أن يفهم في حدود معينة، فهو لا يعلن موقف القانون الدولي وخلط بين إعلان الاستقلال والحق في الاستقلال بل وممن يستقل.

وكيف تطلب الجمعية العامة الرأي رغم أن الموضوع على جدول أعمال مجلس الأمن وهو وحده -لاعتبارات أميركية- صاحب الملف.

ولكن كان يستحيل على المجلس بسبب روسيا والصين أن يطلب هذا الرأي، كما أكد -بحق- عدد من القضاة في آرائهم المعارضة، مثلما أشاروا إلى اغتصاب المحكمة لسلطة مجلس الأمن في القرار 1244.

الخلاصة أنه إذا كان الرأي يجيز الانفصال لأقاليم الدولة رغما عنها فهو مخالفة للقانون الدولي، بل إن إعلان الانفصال في هذه الحالة يعد هو الآخر عملا غير مشروع.

ولكن في حالة كوسوفو يعد استقلاله عن الاتحاد اليوغسلافي السابق ممارسة صحيحة للحق في تقرير المصير، وليس هناك أساس لاستمرار صربيا في اغتصاب الإقليم وإبادة سكانه.

وأخيرا يجب الالتفات إلى التمييز بين خطأ هذا الرأي في الاستدلال وبين إهدار قيمة الآراء الاستشارية للمحكمة عموما، أو محاولة التشجيع على تجاهل الرأي، ولذلك وجب الحذر في تناول هذا الرأي.

إن دور الولايات المتحدة في قضية كوسوفو يثير الاهتمام والشبهة ويعطي انطباعا بالطابع الإنساني للأقليات الإسلامية، بينما تقود واشنطن حربا شرسة ضد الإسلام والمسلمين رغم الخطاب السياسي المتعاطف مع المسلمين.

وهناك ما يشير إلى ارتباط بين كوسوفو وجنوب السودان، وقد نبهت إلى ذلك طوال السنوات الخمس الماضية، ثم قدمت محكمة العدل الدولية الذريعة لانفصال جنوب السودان، ولذلك وجب التنبيه إلى تداعيات هذا الرأي في السنوات القادمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة