ضرب العراق.. وصنع القرار في الإدارة الأميركية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم: عبد الله العمادي*

-موقع الرئيس في صنع القرار الأميركي
-صلاحيات الكونغرس في العلاقات الخارجية والحرب
-جماعات المصالح وصنع القرار الأميركي
-من اتخذ القرار بضرب العراق؟

من المهم جداً للرأي العام العربي ومن قبله المؤسسة السياسية العربية معرفة كيفية صنع القرار في واشنطن بحق أي مسألة أو قضية تهم المنطقة العربية قبل القيام بأي تحرك أو مناورة مع أو ضد واشنطن.. ذلك أن الحاصل هو الجهل أو التجاهل شبه التام لكثير مما يدور في مصنع القرار الأميركي ضد قضايا العالم العربي، الأمر الذي أدى إلى خسائر عربية متتالية في قضاياه التي لواشنطن ضلع أو دور فيها، والقضية الفلسطينية واحدة من عشرات من تلك القضايا، والعراق واحدة أخرى.

ولقد أثار تصريح الرئيس الأميركي جورج بوش مؤخراً بأنه ربما يقرر الهجوم على العراق دون الرجوع إلى الكونغرس اهتمام المراقبين ومدى صلاحية الرئيس اتخاذ قرار إعلان الحرب دون الرجوع إلى المؤسسة التشريعية ذات النفوذ والسلطة المؤثرة والمتمثلة في الكونغرس.. إذ بالرغم من أن الذين وضعوا الدستور الأميركي كان ينظرون إلى أهمية اختيار قائد قوي يرأس البلاد من دون أن يتحول هذا الرئيس -سواء الشخص أو المنصب- إلى طاغية ينتهك الحريات والقوانين جاعلين من الكونغرس صاحب السلطة الكاسحة في البلاد.. بالرغم من ذلك تطورت الأمور كثيراً حتى صار الرئيس يتمتع بصلاحيات واسعة جعلت الرئيس الحالي يصرح بقوله إن قرار ضرب العراق قد لا يستلزم الرجوع إلى الكونغرس.

من هنا تتبين أهمية معرفة كيفية صنع القرار في هذه الدولة الكبيرة وفي وقت كالذي نعيشه، فهناك عدة جهات لها أهميتها في صنع القرار الأميركي وخصوصاً ذلك المتعلق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة، وأهم تلك الجهات هي السلطة التنفيذية أو الرئاسة، والسلطة التشريعية المتمثلة في الكونغرس، والجهة الثالثة المهمة تتمثل في جماعات الضغط والمصالح الخاصة.

موقع الرئيس في صنع القرار الأميركي


الرئيس هو جنرال مدني يخضع له جنرالات عسكريون في السلم والحرب، وله الحق في إرسال قوات إلى خارج حدود الولايات المتحدة أو استخدام القوة العسكرية عند الضرورة بل وسلطة استخدام السلاح النووي ضد أحد الأعداء دون انتظار موافقة الكونغرس
مؤسسة الرئاسة أو السلطة التنفيذية السياسية تكتسب أهميتها من أهمية الرئيس ونظرة الدستور إليه والصلاحيات العديدة التي حصل عليها بمرور السنين وبفعل المتغيرات الكثيرة التي طرأت على العالم وعلى الولايات المتحدة نفسها أيضاَ. وحسب الدستور الأميركي فإن الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلحة أو العسكرية الأميركية بفروعها كافة. فالرئيس هو جنرال مدني يخضع له جنرالات عسكريون في السلم والحرب، وله الحق في إرسال قوات إلى خارج حدود الولايات المتحدة أو استخدام القوة العسكرية عند الضرورة بل وسلطة استخدام السلاح النووي ضد أحد الأعداء دون انتظار موافقة الكونغرس.

وهناك أمثلة تاريخية عديدة على هذا، مثل قيام الرئيس ترومان بإرسال قواته إلى كوريا عام 1950، وجونسون الذي أرسل 500 ألف جندي أميركي إلى فيتنام في الفترة من 1965 إلى 1968، وإعلان جورج بوش الأب الحرب على العراق عام 1990، ومن قبلهم قام الرئيس جون آدمز بإصدار أوامره إلى القوات البحرية الأميركية بوقف التحرشات التي كانت سفن الأسطول الحربي الفرنسي تقوم بها ضد الأسطول التجاري الأميركي عام 1798. وعلى الرغم من أن الكونغرس هو الذي يملك سلطة إعلان الحرب حسب الدستور، وعلى الرغم من أنه أصدر قانون سلطات الحرب عام 1973 الذي يشترط فيه على الرئيس أن يتشاور مع الكونغرس قبل القيام بإرسال قوات للخارج أو إعلامه بالأسباب التي دعته إرسال القوات للخارج بعد 48 ساعة من الإرسال الفعلي وسحب تلك القوات بعد 60 يوماً إذا أصر الكونغرس على ذلك مع إعطاء الرئيس 30 يوماً إضافية لإرجاع القوات إلى البلاد.. على الرغم من هذا القانون وحق الكونغرس الدستوري في قرار إعلان الحرب، فقد تجاهل كثير من الرؤساء الكونغرس وقانون سلطات الحرب، ولم يقم الكونغرس بإصدار قرار الحرب في تاريخ الولايات المتحدة إلا في خمس حروب من أصل أكثر من 130 حرباً أصدر الرؤساء وحدهم قراراتها. بل ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لم تقف أي مؤسسة في وجه الرؤساء، وخصوصاً أن أغلب قراراتهم كانت تتخذ والرأي العام الأميركي يكون معبأ بشعور الخوف على أمنه بسبب تهديدات خارجية من أعداء معينين وضرورة القيام بأعمال عسكرية.

ولقد سمح الكونغرس ضمنياً للرئيس بإدارة سياسة البلاد الخارجية دون كثير تدخل منه بحيث يتفرغ الكونغرس للداخل، واعتمادا على أن حول الرئيس من الأجهزة والوكالات ما تعينه على أداء المهام بشكل مقنع وصحيح مثل وكالة الاستخبارات المركزية والمخابرات الفدرالية. ولقد اعتاد الأميركيون أن الرئيس هو الرمز الذي يلتفون حوله ويوجهون أبصارهم وأفئدتهم إليه وقت الأزمات والملمات وليس الكونغرس أو غيره من المؤسسات.. كل هذه العوامل تجعل من الرئيس عنصراً مهماً في صنع القرار.

صلاحيات الكونغرس في العلاقات الخارجية والحرب

المؤسسة الثانية صاحبة التأثير الكبير في صنع القرار الداخلي أو الخارجي للولايات المتحدة هي الكونغرس الذي بدأ يظهر دوره بعد حرب فيتنام وفضيحة ووترغيت، فقد بدأ الكونغرس منذ السبعينيات بالوقوف في وجه مؤسسة الرئاسة أو السلطة التنفيذية، وما قانون سلطات الحرب الذي أصدره عام 1973 إلا خطوة أو محاولة لتقييد صلاحيات الرئيس وضرورة الرجوع إلى الكونغرس في القرارات الإستراتيجية.

منح الدستور الأميركي الكونغرس 27 سلطة مختلفة، منها سلطة فرض الضرائب وسلطة تنظيم التجارة مع الدول الأجنبية وسلطة صك العملة ومنح الجنسية الأميركية، إضافة إلى سلطة إنشاء محاكم فدرالية فيما دون المحكمة الدستورية العليا وسلطات أخرى، ومن السلطات والصلاحيات المهمة الممنوحة للكونغرس سلطة الحرب التي هي مدار بحثنا هنا. فقد منح الدستور الكونغرس "السلطة المطلقة" لإعلان الحرب. وعلى الرغم من أن رئيس الدولة هو القائد الأعلى للقوات المسلحة وصاحب صلاحيات واسعة فيما يتعلق بالأمور العسكرية فإن الكونغرس ومنذ كارثة فيتنام صار يتحسس من مسألة اغتصاب السلطة التنفيذية لهذا الحق منه، فأصدر عام 1973 قانون سلطات الحرب من أجل تقييد الرئيس في مسألة إرسال قوات لخارج الحدود. ولقد ثار جدل كبير في الولايات المتحدة إزاء قضية إعلان الحرب على العراق في عام 1991 حيث لم يوافق الكونغرس على ذلك في الوقت الذي تحمست فيه الرئاسة للحرب كثيراً واستطاعت اغتصاب سلطة إعلان الحرب من الكونغرس وحدث ما حدث.

الكونغرس الذي يضم مجلسين هما مجلس النواب ويبلغ عدد أعضائه 435 عضوا ومجلس الشيوخ صاحب المائة عضو، يمكنه أن يعطل كثيراً من مشاريع الرئيس وأولوياته ويقف له بالمرصاد ويتدخل في السياسات الخارجية، فسلطات الكونغرس في الإشراف والرقابة التشريعية كفحص أداء السلطة وتقصي الحقائق تعد قيوداً حقيقة على سلطة الرئيس.


تلعب لجنة المساعدات الخارجية بالكونغرس دوراً مهما في التأثير في السياسة الأميركية تجاه المنطقة العربية على وجه التحديد، فاللوبي المؤيد لإسرائيل يلعب دوراً متقناً وناجحاً للتأثير في هذه المؤسسة، واستطاع الكونغرس عبر هذه اللجنة دفع السلطة التنفيذية للتلويح باستخدام ورقة المساعدات كوسيلة ضغط على المعارضين لسياسات الولايات المتحدة
لكن العلاقة بين الرئيس والكونغرس عادة تعتمد على عدد من العوامل الداخلية والخارجية، وعلى ضوء تلك العوامل تبلغ العلاقة بين الطرفين قمة التفاهم أو أدناها وتسوء وتتوتر. فالعوامل الداخلية مثل الرخاء الاقتصادي للبلاد أو عدمه سبب مهم، ومهارات الرئيس الاتصالية وعلاقاته بالمؤسسات وشعبيته عوامل بارزة أيضاً، كما أن العوامل الخارجية تلعب دوراً مؤثراً كذلك في العلاقة مثل أن تكون البلاد في حالة حرب مع دولة أخرى، أو تواجه تهديداً في أمنها القومي.

بشكل عام يقدر الكونغرس على تعطيل الكثير من مشاريع السلطة التنفيذية باعتبار سلطاته الممنوحة له دستورياً، إضافة إلى هيمنته على عدد من اللجان المهمة في مجلسي النواب والشيوخ كلجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب ولجان القوات المسلحة ولجنة المساعدات الخارجية ولجنة الاستخبارات، وهي لجان تستطيع التأثير في قرارات الرئيس في برامج السياسة الخارجية للدولة.

وتلعب لجنة المساعدات الخارجية بالكونغرس دوراً مهما في التأثير في السياسة الأميركية تجاه المنطقة العربية على وجه التحديد، فاللوبي المؤيد لإسرائيل يلعب دوراً متقناً وناجحاً في التأثير في هذه المؤسسة، فعن طريق المساعدات استطاعت الولايات المتحدة تحييد مصر في قضية النزاع العربي الإسرائيلي، وعن طريق المساعدات أيضاً تزداد إسرائيل قوة وشعوراً بالتفوق على دول الجوار، واستطاع الكونغرس عبر هذه اللجنة دفع السلطة التنفيذية للتلويح باستخدام ورقة المساعدات كوسيلة ضغط على المعارضين لسياسات الولايات المتحدة ودعم الدول الموالية لها. ولأن اللوبي الصهيوني ناجح في كسب ولاء أعضاء الكونغرس، فإن المساعدات لا تنقطع عن إسرائيل أولاً، ولا يقدر أي رئيس الوقوف في وجه استخدامها كوسيلة ضغط عليها ثانياً وإلا هوجم بضراوة وواجه انتقادات عديدة تكون نتائجها غالباً سلبية على الرئيس، أهمها عدم القدرة على الفوز بمعركة الرئاسة إن كان رئيساً لفترة واحدة ويبغي ترشيح نفسه للمرة الثانية، وجورج بوش الأب مثال قريب على ذلك حيث خسر معركته الانتخابية ضد كلينتون بعد أن لوح بورقة المساعدات ضد إسرائيل عام 1991 إذا لم تقم بوقف بناء مستوطنات جديدة في الأراضي الفلسطينية.

جماعات المصالح وصنع القرار الأميركي

جماعات المصالح هي الأخرى جهات مهمة يمكنها التأثير في سياسات الحكومة الأميركية الخارجية والداخلية، وهي تهتم بالتأثير في سياسات الحكومة عبر الضغط على مسؤولين فيها أو التأثير في الرأي العام عبر وسائل الإعلام والخطب والبيانات، إضافة إلى عمليات تقديم الدعم المالي للمرشحين إلى المناصب المختلفة المهمة بدءاً بالمناصب الحكومية الكبيرة ومروراً بعضوية مجلسي النواب والشيوخ وانتهاء برئاسة البلديات، ويكون الدعم تبعاً لمواقف ورؤى المرشحين لعدد من القضايا التي تهتم بها وتعمل لها جماعات المصالح أو الضغط.

ويعد اللوبي الصهيوني "إيباك" من أبرز جماعات الضغط المعروفة في الولايات المتحدة والتي تلعب دوراً مهماً في الانتخابات الرئاسية الأميركية، ويتودد لها المرشحون كثيراً مثلما يفعل كذلك أعضاء مجلسي النواب والشيوخ في الكونغرس. ولقد صار طبيعياً أن يتردد حاخامات بصورة منتظمة على أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، وبالطبع ذاك التردد له مقاصده وأهدافه ويدركها العضو الذي لا يتردد في العمل من أجل تحقيقها قدر المستطاع رغبة وطمعاً في الاستمرار على ما هو عليه.

وسائل الإعلام تعتبر من الجهات المهمة والمؤثرة في صنع القرار الأميركي سواء المتعلق بالداخل أو الخارج، ذلك أن أغلبية الأميركيين يعتمدون بشكل كبير على وسائل الإعلام في الحصول على المعلومات عن حكومتهم وسياساتها الداخلية والخارجية، ولهذا اكتسبت وسائل الإعلام الأميركية أهمية كبيرة ليس على المستوى الداخلي فحسب بل على المستوى العالمي كذلك. ولقد ارتبطت جماعات المصالح بها لتحقيق أهدافها وغاياتها وصارت الإعلانات التجارية ورقة ضغط شديدة التأثير في وسائل الإعلام والتي بها يتم تكييف بعض الأخبار والموضوعات عن قضية معينة بحيث تتلاءم وغايات الطرف الذي تأتي منه الإعلانات، وهو ما صار يخشى كثيرون أن يؤثر في مصداقية وسائل الإعلام التي صارت تنظر للربح على حساب المصلحة العامة.

من كل ما سبق يتبين لنا تعدد الجهات في الولايات المتحدة الأميركية التي يمكنها التأثير في صنع القرار بصورة وأخرى. وعلى الرغم من أن مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة تختلف في العديد من القضايا والمسائل الداخلية أو الخارجية فإن هناك شبه اتفاق على مسألتين مهمتين هما النفط وإسرائيل، فهاتان المسألتان لا تقبلان الكثير من النقاش، وربما صارتا من المسلمات ويجب عدم الاختلاف عليها، فالنفط هو شريان الحياة للولايات المتحدة، وإسرائيل جزء منها وتحقق مصالحها فيما وراء البحار، وأي تهديد لهما إنما هو تهديد مباشر للولايات المتحدة نفسها.

ومن هنا يتبين لنا أهمية معرفة الحاصل في الولايات المتحدة وكيفية إدارة الحكم فيها وصنع القرار قبل أن نبدي الاستياء أو الاعتراض على أي قرار يصدر أو صدر من هذه الدولة. وموضوع ضرب العراق وتصريح الرئيس الأميركي مؤخراً بأنه ليس من داع أو حاجة للرجوع إلى الكونغرس لأخذ الموافقة من عدمها إنما هو مثال واضح على ما نقول.

الرئيس بوش لم يكن ليصرح بهذا لولا علمه بأن الكونغرس بمجلسيه لن يقف عثرة أمامه في ضرب العراق الذي صار في نظر الأميركيين وبعد الحملات الإعلامية ضده مصدر تهديد للمسألتين المهمتين اللتين لا تقبلان التهديد والنقاش حول أهميتها للولايات المتحدة النفط وإسرائيل. ولقد لعب اللوبي الصهيوني المؤيد لإسرائيل دوره في الضغط على مؤسسات الحكم وصنع القرار في الولايات المتحدة لضرب العراق منذ مدة ليست قصيرة نظراً للتهديد الذي يشكله العراق لأمن إسرائيل أولاً وخطورته كذلك بالنسبة لبعض دول الخليج المنتجة للنفط.

من اتخذ القرار بضرب العراق؟

إذن فقرار ضرب العراق لم تطبخه مؤسسة الرئاسة أو السلطة التنفيذية في الولايات المتحدة وحدها، بل اشترك الكونغرس فيه بمجلسيه والذي من المؤكد أنه تأثر كثيراً بضغوط اللوبي المؤيد لإسرائيل، إضافة إلى تأثر ذلك القرار بضغوط بعض جماعات المصالح وأهمها شركات الأسلحة.

كما أن القرار لابد وأن يكون تأثر بضغط الرأي العام الذي هو الآخر وقع تحت تأثير وسائل الإعلام الأميركية الجبارة المختلفة بحملاته ضد العراق وربطه بالإرهاب وتهديد المصالح الإستراتيجية الأميركية وأهمها نفط الخليج ودولة إسرائيل، حتى طالب هذا الرأي العام الحكومة باتخاذ ما يلزم نحو حفظ الأمن القومي للبلاد وحفظ مصالحها الإستراتيجية.


على الرغم من أن مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة تختلف في العديد من القضايا والمسائل، فإن هناك شبه اتفاق على مسألتين مهمتين هما النفط وإسرائيل، فهاتان المسألتان لا تقبلان الكثير من النقاش وربما صارتا من المسلمات التي يجب عدم الاختلاف عليها
ولهذا السبب اكتسب قرار ضرب العراق زخماً كبيراً داخل الولايات المتحدة وخصوصاً أن الرأي العام الأميركي لم يستيقظ بعد بشكل كامل من تأثير انفجارات نيويورك وواشنطن التي تعمل الحكومة على إبقائها فاعلاً مؤثراً بواسطة وسائل الإعلام رغبة في إنجاز أكبر قدر ممكن من مشاريعها الداخلية والخارجية قبل أن تفقد مسألة الانفجارات والإرهاب مفعولها في الرأي العام الأميركي وتبدأ المساءلات وتقصي الحقائق تتجه إلى الداخل وتشير بأصابع الاتهام إلى مؤسسات الداخل وليس إلى الأعداء الخارجيين.

من هنا يتضح إصرار الإدارة الأميركية على تنفيذ قرار ضرب العراق والسرعة في تحقيقه حتى وإن لم يلق التأييد الدولي أو موافقة مجلس الأمن، ومن هنا يتبين أهمية أن يعمل العرب جميعاً وفق سياسة واضحة تجاه هذه الأزمة وغيرها من الأزمات التي للولايات المتحدة دور فيها، والعمل على تعطيل قرار ضرب العراق أو أي قرار مستقبلي ضد مصالح الأمة وهو ما زال في مطبخ صنع القرار، والعمل على وقفه وإفساده قبل أن ينضج ويتم ويتجسد على أرض الواقع.

ولعل فهم الجهات التي تحدثنا عنها فهماً دقيقاً والتغلغل إليها بصورة أو بأخرى عبر الإعلام أو المال أو المصالح والمنافع من أجل كسبها أو على أقل تقدير تحييدها، هو الخطوة الأولى لمشروع كبير يتمثل في كسب الدولة الأميركية مستفيدين من تجربة إسرائيل واللوبي المؤيد لها مع هذه الدولة صاحبة التأثير غير العادي في العالم أجمع في زمن القطب الأوحد الذي لا بد أن نعترف به شئنا أم أبينا، والذي سيستمر فترة ليست بالقصيرة وفق الحسابات المادية وشواهد الحاضر إلا أن يشاء الله أمراً غيره، والذي مع ذلك لا يدعونا أبداً إلى التواكل والتكاسل في اتخاذ الأسباب والعمل على تحقيق الأهداف والغايات بكل جهد ومثابرة وإخلاص.. وهي عوامل أساسية لنجاح أي عمل أو مشروع، فما بالك لو كان المشروع هو كسب الولايات المتحدة الأميركية؟ أعتقد أن الأمر جد هام ويحتاج إلى جهود وعمل جماعي غير عادي.
_______________
*كاتب وصحفي قطري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة