تراجع العدالة التركي.. انتصار للديمقراطية وعودة للاضطراب الحكومي   
الجمعة 24/8/1436 هـ - الموافق 12/6/2015 م (آخر تحديث) الساعة 16:24 (مكة المكرمة)، 13:24 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح


انتكاسة الأردوغانية
انتصار الديمقراطية
انبعاث التأزم السياسي

صادم ذلك التراجع الذي مُني به حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة من 49.9% من الأصوات أي بواقع 327 مقعدا برلمانيا بموجب الانتخابات النيابية السابقة التي أجريت عام 2011، إلى 41% هذه المرة بواقع 259 مقعدا من أصل 550 هي إجمالي مقاعد البرلمان التركي.

بموجب ذلك، سيخسر الأغلبية المطلقة التي يتمتع بها منذ 13 عاما، والتي كانت ستخول له تشكيل الحكومة منفردا للمرة الرابعة على التوالي، ويضطر إلى التنسيق مع القوى الحزبية البرلمانية المعارضة الثلاث، ويتقاسم الحقائب الوزارية معها عند الاتفاق على تشكيل أول حكومة ائتلافية تعرفها البلاد منذ عام 2002، وتتبدد آمال حزب العدالة ورئيس الدولة في توفير أغلبية الثلثين التي تتيح له تغيير الدستور أو تمرير تعديلات عليه دون الحاجة إلى استفتاء شعبي أو التفاوض مع الأحزاب الثلاثة الأخرى الممثلة في البرلمان الجديد.

انتكاسة الأردوغانية
من بين أسباب متنوعة زجت بحزب العدالة إلى مآل كهذا، يتحمل مؤسسه وزعيمه السابق أردوغان نصيب الأسد من مسؤولية تراجع الحزب في الاستحقاق البرلماني الأخير. فبداية، هرع الرئيس التركي لإحكام سيطرته المطلقة على الحزب عبر إقصاء وتهميش طيف واسع من قيادات صفه الأول، وإفساح المجال أمام عناصر شابة تدين بالولاء التام للزعيم الروحي، عبر تفعيل نص باللائحة الداخلية للحزب يمنع ترشح أي من كوادره أو تقلد منصب وزاري للمرة الرابعة على التوالي.

من أبرز المخرجات الإيجابية للانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة أنها مهدت السبيل لإنقاذ التجربة الديمقراطية التركية، التي ما برحت تسعى إلى ترسيخ دعائمها منذ بزوغها منتصف القرن الماضي، من انتكاسة جديدة محققة، كانت ستعصف بها إذا نجح حزب العدالة في انتزاع أغلبية برلمانية كاسحة

وبالتوازي، أثار أردوغان استياء واسعا على الصعيدين المحلي والدولي حينما أبى إلا التدخل في عملية تحضير الحزب للانتخابات البرلمانية، ضاربا عرض الحائط بنصوص الدستور التي تفرض عليه قطع صلته التنظيمية بالحزب الذي كان ينتمي إليه حين أضحى رئيسا في أغسطس/آب 2014، والتزام الحياد التام عند إجراء الانتخابات، إذ أصر على مباشرة دوره البارز في اختيار لائحة مرشحي الحزب للبرلمان، ومواصلة قيادة حملته الانتخابية في طول البلاد وعرضها، مستغلا إمكانات الدولة المالية واللوجستية والإعلامية في الترويج لمرشحي الحزب الحاكم داخل تركيا وخارجها، وتوسل كافة السبل الكفيلة باستقطاب أصوات الناخبين خلال خطبه الجماهيرية بمدن تركية وأوروبية شتى.

كذلك أفضت سياسات أردوغان الإقليمية إلى التأثير سلبا على الموقف التنافسي الانتخابي لحزب العدالة، حيث أفضى إصرار الرئيس على التورط في الشأن السوري ووضع بلاده على حافة الانزلاق في ما يمكن تسميته بـ"فيتنام تركية" من جهة، وتعمده استبقاء القطيعة مع نظام القاهرة من جهة أخرى، إلى استياء بالغ من قبل المعارضة التركية، التي أعلن زعماؤها عزمهم كبح جماح ذلك الشطط الأردوغاني حال وصولهم إلى سدة السلطة.

في غضون ذلك، وجهت نتائج الانتخابات البرلمانية ضربة قاصمة لمشروع أردوغان وحلمه الشخصي بالبقاء في الرئاسة بصلاحيات واسعة بعد تحويل نظام الحكم من البرلماني إلى الرئاسي، واستمرار هيمنة حزبه على الحكومة حتى عام 2023، حيث الذكرى المئوية لإعلان الجمهورية الأولى على يد أتاتورك، بغية إعلان تدشين الجمهورية الرابعة على يد أردوغان، وإطلاق مشروع "تركيا الجديدة".

انتصار الديمقراطية
كان من أبرز المخرجات الإيجابية للانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة أن مهدت السبيل لإنقاذ التجربة الديمقراطية التركية، التي ما برحت تسعى إلى ترسيخ دعائمها منذ بزوغها منتصف القرن الماضي، من انتكاسة جديدة محققة، كانت ستعصف بها إذا ما نجح حزب العدالة في انتزاع أغلبية برلمانية كاسحة بواقع 367 مقعدا بما يخول له تشكيل الحكومة منفردا وتمرير دستور جديد أو تعديلات دستورية على الدستور القائم تتيح تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي على نحو يطلق يد أردوغان ليحكم قبضته على كافة مفاصل السلطة في البلاد بلا منازع، مزهوا بتنفيذ مشروعه الخاص بتدشين "تركيا الجديدة" التي ينوي الانتهاء منه عام 2023، الأمر الذي ينذر بتبديد إنجازاته السابقة التي حققها على كافة الصعد خلال السنوات الـ13 المنقضية.

فقد انطوت نتائج الانتخابات على إشارات إيجابية إلى قدرة التجربة الديمقراطية التركية على تجديد ذاتها من خلال عملية حراك سياسي جنينية لكنها موحية، حيث عمد الناخبون إلى إنهاء حالة القطبية الحزبية والسياسية الأحادية التي تطبق على الحياة السياسية التركية ممثلة في هيمنة حزب العدالة على السلطة منفردا منذ عام 2002، إذ جاء رهانهم على الأحزاب الصغيرة والناشئة بدلا من الأحزاب الكبرى القديمة.

ومن ثم، تراجع رصيد حزب العدالة من 327 إلى 259 مقعدا، بينما تراجع نصيب حزب الشعب الجمهوري من 138 إلى132 مقعدا، وهو نزيف المقاعد الذي آل إلى حزبي الشعوب الديمقراطي والحركة القومية، حيث قفزت حصيلة الأخير من خمسين إلى ثمانين نائبا، مثلما نجح الأول في تجاوز العتبة الانتخابية ورفع مقاعده من 29 إلى ثمانين مقعدا.

يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية قد حقق فوزا بطعم الهزيمة في هذه الانتخابات، لكن التجربة الديمقراطية التركية تبقى هي الرابح الأكبر رغم ما ستطرحه نتائج تلك الانتخابات من تساؤلات صعبة ومصيرية بشأن أشكال وأعمار ومدى نجاعة الحكومات القادمة

ومن زاوية أخرى، فتحت الانتخابات -التي بلغت نسبة المشاركة السياسية التصويتية بها نحو 85%، كما رحبت كافة القوى السياسية بنتائجها معلنة احترامها دون تشكيك فيها أو في مجمل مجرياتها- الباب أمام الأحزاب التي تمثل الأقليات كحزب الشعوب الديمقراطي الكردي لتجاوز أطره الإثنية الضيقة والانخراط في العملية السياسية الديمقراطية برداء وطني بعدما اضطر إلى "تتريك" خطابه ومشاريعه الانتخابية، وضم إلى صفوفه مرشحين يساريين من خارج الأطر الكردية، إضافة إلى فئات مهمشة من أرمن ومثليين جنسيين وإسلاميين وأشوريين وسريان وشيوعيين.

وأدت تلك الوضعية إلى إقدام ناخبين موالين لأحزاب أخرى -أبرزها حزب الشعب الجمهوري- على منح أصواتهم هذه المرة للحزب الكردي، بغية مساعدته على تجاوز العتبة الانتخابية نكاية في حزب العدالة، وخصما من رصيده.

ومن ثم، تمكن حزب الشعوب من تخطي حاجز العتبة الانتخابية (10%) بعدما اقتنص 13.5% من الأصوات، ليكون الحزب الرابع في البرلمان التركي للمرة الأولى ممثلا بثمانين نائبا، بعد أن كان لديه 29 مقعدا فقط في البرلمان المنتهية ولايته، كانت كوادره قد تحصلت عليها عبر الترشح كمستقلين للالتفاف على العتبة الإلزامية.

وفي تطور ملفت، تمخضت الانتخابات الأخيرة عن زيادة أعداد المرأة والمسيحيين في البرلمان الجديد، فبينما لم يكن البرلمان المنتهية ولايته يتسع إلا لـ79 امرأة فقط، سيضم البرلمان المنبثق عن الانتخابات البرلمانية الأخيرة للمرة الأولى في تاريخه 96 امرأة من أصل 550 نائبا، بينهن 41 نائبة لحزب العدالة والتنمية منهن محجبات، و31 نائبة لحزب الشعوب الديمقراطي الكردي بينهن ديليك أوجلان ابنة شقيق زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان، وعشرون نائبة لحزب الشعب الجمهوري، ثم أربع نائبات لحزب الحركة القومية اليميني. وفي السياق ذاته تسنى لأربعة مرشحين مسيحيين حجز مقاعدهم في البرلمان المقبل، وهي أعلى نسبة للتمثيل المسيحي في برلمان بلد لا تتخطى نسبة المسيحيين فيه أقل من 1% فقط من إجمالي تعداد سكانه.

وبناء عليه، يمكن القول إن حزب العدالة والتنمية قد حقق فوزا بطعم الهزيمة في هذه الانتخابات بعد أن فشل في الاحتفاظ بأغلبيته المطلقة أو اقتناص ثلثي مقاعد البرلمان، لكن التجربة الديمقراطية التركية تبقى هي الرابح الأكبر رغم ما ستطرحه نتائج تلك الانتخابات من تساؤلات صعبة ومصيرية حول أشكال وأعمار ومدى نجاعة الحكومات المقبلة.

انبعاث التأزم السياسي
كشفت نتائج الاستحقاق البرلماني الأخير عن استمرار أزمة النظام الحزبي التركي، فمن بين 31 حزبا سياسيا، تجاسر عشرون منها فقط على خوض غمار السباق الانتخابي، بيد أنه لم ينجح منها في تخطي العتبة الانتخابية للتمثيل في البرلمان سوى أربعة أحزاب فقط، بعدما تمكن حزب الشعوب الديمقراطي الكردي من الانضمام إلى الأحزاب الثلاثة الرئيسية التقليدية الممثلة في البرلمان، كحزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري، وحزب الحركة القومية.

ومن شأن ذلك أن يزيد من تعقيد المشهد السياسي التركي، ويرتد به إلى حقبة الحكومات الائتلافية غير المتناغمة وغير المستقرة وغير الفاعلة في آن، والتي لا تلقى ترحيبا من قبل أغلب الأتراك بسبب خبراتهم المريرة معها طيلة عقود سبقت عام 2002، إذ يرون أنها تفتقد الكفاءة كما القدرة على الاستقرار والاستمرار بعكس الحكومات المنفردة التي تشكلت في عهود عدنان مندريس والحزب الديمقراطي في خمسينيات القرن الماضي، ثم تورجوت أوزال وحزب الوطن الأم في تسعينياته، وصولا إلى أردوغان وحزب العدالة والتنمية طيلة السنوات الـ13 الأخيرة.

دون شك، سيطرح إخفاق حزب العدالة في تحصيل الأغلبية المطلقة (50%+1 بواقع 276 مقعدا) التي تتيح له تشكيل الحكومة منفردا كعادته، سؤالا معقدا بشأن تشكيل الحكومة الجديدة، لا سيما بعدما أعلنت الأحزاب الثلاثة الممثلة في البرلمان الجديد رفضها الدخول في ائتلاف حكومي مع حزب العدالة، حيث تشكل الخلافات الجوهرية بين حزب العدالة وتلك الأحزاب بشأن قضايا إستراتيجية محورية تتصل بالسياستين الداخلية والخارجية لتركيا تحديا أمام تلاقي الأحزاب الأربعة في حكومة ائتلافية.
تبرز المخاوف من أن تسفر حالة الارتباك السياسي الناجمة عن فشل حزب العدالة في تشكيل الحكومة منفردا هذه المرة وعودة البلاد إلى عهود الحكومات الائتلافية غير المستقرة، عن انبعاث الدور السياسي التدخلي للجيش التركي مجددا بذريعة حماية البلاد من السقوط في براثن الفوضى أو المكايدات السياسية
ففي ما يتصل بقضية النظام الرئاسي -على سبيل المثال- ورغم اتفاق أغلبية الأحزاب التركية على ضرورة صوغ دستور ديمقراطي مدني يحل محل الدستور الحالي الذي وضعه العسكر عام 1982، وطالته عشرات التعديلات، فإنها تتفق في الوقت ذاته على رفض تحويل نظام الحكم البرلماني إلى نظام رئاسي يعزز من نزعات أردوغان السلطوية.

وترفض الأحزاب ذاتها عملية السلام التي دشنها حزب العدالة مع حزب العمال الكردستاني وأطرها باتفاق وقف العنف في عام 2013. ولا تتفق هذه الأحزاب أيضا مع إستراتيجيات تعاطي الرئيس والحكومة مع ما يجري في سوريا ومصر.

وكما هو معلوم، ليس من المتوقع أن يقدم حزب العدالة على تقديم تنازلات مرضية أو مغرية لتلك الأحزاب في ما يتصل بمواقفه من تلك القضايا أو غيرها حفاظا على صدقيته لدى مؤيديه من جهة، وحماية لمشاريع أردوغان من جهة ثانية، وتلافيا لأية تداعيات سلبية أو ارتباكات محتملة قد تتأتى جراء أية تحولات مفاجئة من جهة ثالثة.

وتأسيسا على ما سبق، يلوح في الأفق احتمال دعوة الرئيس التركي إلى إجراء انتخابات برلمانية مبكرة بموجب حق تخوله إياه المادة 116 من الدستور، خصوصا إذا ما حال استمرار أجواء الانسداد السياسي دون تشكيل حكومة ائتلافية في غضون 45 يوما من تاريخ الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات، في الوقت الذي تتراجع فيه احتمالات قبول أحزاب المعارضة البرلمانية تشكيل حزب العدالة حكومة أقلية مؤقتة، بينما سيستعصي على تلك الأحزاب من جانب آخر تشكيل حكومة ائتلافية متماسكة وناجعة دون حزب العدالة.

ويبقى السؤال عما إذا كان بمقدور الانتخابات المبكرة المحتملة حل المعضلة السياسية المترتبة على التراجع الانتخابي لحزب العدالة من عدمه، خصوصا إذا أجريت تلك الانتخابات في الظروف نفسها التي تمت في ظلها الانتخابات الحالية.

وتبرز هنا المخاوف من أن تسفر حالة الارتباك السياسي الناجمة عن فشل حزب العدالة في تشكيل الحكومة منفردا هذه المرة وعودة البلاد إلى عهود الحكومات الائتلافية غير المستقرة، عن انبعاث الدور السياسي التدخلي للجيش التركي مجددا بذريعة حماية البلاد من السقوط في براثن الفوضى أو المكايدات السياسية، خصوصا مع اشتداد وطأة الاضطرابات التي ما برحت تلقي بظلالها على الإقليم برمته منذ عام 2011.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة