قراءة في تأثير اللوبي الصهيوني في الانتخابات الأميركية   
الأحد 7/11/1425 هـ - الموافق 19/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:20 (مكة المكرمة)، 12:20 (غرينتش)





















محسن محمد صالح

- اليهود أكثر الأقليات ثراء في العالم
- اليهود قوة انتخابية منظمة
- قدرة اليهود على التنظيم والتكوين
- حضور إعلامي وعلمي قوي
- تحالف المسيحية الصهيونية

هناك ما يشبه الإجماع بين الباحثين على قوة اللوبي اليهودي الصهيوني في أميركا، وقدرته على التأثير في صناعة القرار، غير أن بعض الدراسات تنحو أحياناً منحى مبالغاً فيه، إذ يقدر عدد اليهود في أميركا بنحو 5.5 إلى 5.8 ملايين، أي 2% فقط من سكان الولايات المتحدة، ومعظمهم هاجر إلى الولايات المتحدة أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وأغلبيتهم الساحقة من يهود الأشكناز القادمين من شرق أوروبا.

واليهود أنفسهم منقسمون بين فئات إثنية وإصلاحية ومحافظة ومتدينة، وهم يختلفون مع بعضهم في العديد من المسائل والقضايا الأميركية الداخلية، كما يعانون من تزايد معدلات ذوبانهم واندماجهم في الولايات المتحدة، ومن انتشار الزواج المختلط مع غير اليهود بدرجة تصل إلى ما يزيد عن 50%، كما يعانون من تفشي قيم المنفعة واللذة والأنانية، وتزايد أعداد الشاذين جنسياً.. ومع ذلك فقد ظلوا أهم لوبي مؤثر في السياسة الأميركية وفي انتخاب الرئيس الأميركي.

كما يلاحظ المراقب أن معظم المجموعات اليهودية تنسى خلافاتها، وتحقق حالة من شبه الإجماع عندما يتعلق الأمر بإسرائيل وبالسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

وتنبع قوة يهود أميركا في أنهم تمكنوا من تحقيق درجات عالية من التأثير توازي أضعاف حجمهم السكاني، ويمكن أن نجمل كيفية تحقيقهم لذلك بالنقاط التالية:

"
يعد اليهود من أكثر الأقليات ثراء في العالم مع أنهم لا يسيطرون إلا على نحو 12% من الاقتصاد الأميركي، ولا تكمن قوتهم في السيطرة الاقتصادية العامة، وإنما في استثمار ثرواتهم بطريقة مؤثرة سياسياً وإعلامياً
"

اليهود أكثر الأقليات ثراء في العالم
أولاً- اليهود من أكثر الأقليات ثراء في العالم، ومع ذلك فإنهم لا يسيطرون إلا على نحو 10-12% من الاقتصاد الأميركي، ويتركز نفوذهم خصوصاً في الصناعات الخفيفة والمواد الاستهلاكية، ولذلك فإن قوتهم لا تكمن في السيطرة الاقتصادية العامة، وإنما في استثمار ثرواتهم بطريقة مؤثرة سياسياً وإعلامياً.

فهم يُعدّون الممولين الكبار لحملات الرئاسة الأميركية حيث يقومون بتمويل 60% من تكاليفها وخصوصاً في الحزب الديمقراطي، وهذا يوازي 30 ضعف حجمهم السكاني. ولأن حملات الرئاسة الأميركية باهظة التكاليف (بمئات الملايين)، فإن على أي مرشح أن يسترضي هؤلاء للحصول على دعمهم، وهذا ينطبق أيضاً على مرشحي مجلس الشيوخ والنواب وإن بتكلفة مادية أقل.

وفي الحزب الديمقراطي الأميركي مثلاً، كان أكثر من 60% من الأموال التي حصل عليها كارتر وكلينتون في حملات الرئاسة من متبرعين يهود. وكان هناك أكثر من 70 يهودياً من أصل 125 عضواً في المجلس المالي الوطني للحزب الديمقراطي في أيام الرئيس كارتر (1977-1981). وكذلك فإن أكثر من 60% من الأموال التي حصل عليها نيكسون (عن الحزب الجمهوري) ليفوز بانتخابات 1972 كانت من اليهود.

وفي حفلة واحدة أقامتها الممثلة اليهودية المشهورة بربارا سترايسند منتصف سبتمبر/ أيلول 1996 جمعت 3.5 ملايين دولار لتمويل انتخاب كلينتون، حيث حضر الحفل 700 شخص كانت قيمة اشتراك كل واحد منهم بين 500 إلى 12 ألف دولار.

اليهود قوة انتخابية منظمة
ثانياً- يستفيد اليهود من طريقة التصويت في الانتخابات الأميركية لمضاعفة قوتهم وتأثيرهم الانتخابي، فلأنهم جماعات منظمة متعلمة فإنهم يشاركون في الانتخابات بنسبة 92% مقابل 54% بين عامة الأميركيين فتتضاعف نسبتهم الانتخابية.

واليهود أكثر الأقليات تركزاً في المدن حيث تتضاعف القدرة على التأثير، فهم 16% من سكان مدينة نيويورك، و31% من كل سكانها البيض.

وفي نظام انتخابات الرئاسة الأميركية فإن الرئيس الذي يفوز في أي ولاية ولو بنسبة متدنية، فإنه يحصل على كل مقاعدها (أصواتها) الانتخابية، إذ إن لكل ولاية عدد من المقاعد يمثلها في المجمع الانتخابي العام حسب عدد سكانها الذين يحق لهم الانتخاب. ويتركز اليهود في الولايات المهمة ذات المقاعد الأكثر مثل نيويورك وفلوريدا وكاليفورنيا، ويكفي أن يكونوا عنصر ترجيح لهذا المرشح أو ذاك ليضمن الفوز بجميع مقاعد الولاية، مما يجعل الصوت اليهودي ذا حساسية وأهمية خاصة لكل مرشح.

ومن الناحية العملية فإن غالبية اليهود (نحو 70%) يعطون أصواتهم للحزب الديمقراطي لأنه يعبر بشكل أفضل عن مصالح الأقليات. غير أن اليهود ذوو تأثير فعال في كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي من خلال عضويتهم النشطة فيهما، وتبرعاتهم المالية، وشبكة علاقاتهم الواسعة مع دوائر الضغط والنفوذ فيهما.

وفي صراع المرشحين لضمان الفوز بترشيح حزبهم، تحدث منذ البداية عمليات التصفية "والفلترة" لكل مرشح داخل كل حزب، بحيث لا يتقدم إلى الأمام إلا من أعطى تعهدات أفضل وأكثر ليهود أميركا والمصالح الصهيونية الإسرائيلية، وعند ذلك لا يهتم اليهود كثيراً لأيّ مرشح فاز أو حصل على الرئاسة، لأن كليهما قد تمت "فلترته" منذ البداية.

قدرة اليهود على التنظيم والتكوين
ثالثاً- يتمتع يهود أميركا بقدرة عالية على التنظيم وتكوين مجموعات الضغط، فاليهود بشكل عام منظمون في مؤسسات وهيئات نشطة وفعالة وتتعاون في خدمة قضاياها الكبرى، خصوصاً فيما يتعلق بدعم الكيان الصهيوني، وفق أفضل وسائل الاتصال والضغط والإقناع، وضمن استيعاب كامل للعقلية الأميركية وطرق التعامل معها. وقد ذكر أحد علماء الاجتماع البارزين "أن تكون يهودياً هو أن تنضم إلى جمعية يهودية"!!.

ومن أبرز جماعات الضغط اليهودية اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك AIPAC) التي تأسست عام 1954 وتضم نحو 4500 من كبار الشخصيات اليهودية في المجتمع الأميركي، ويشارك في عضويتها أكثر من 50 ألف عضو يتبرع كل منهم على نحو سنوي منتظم بمبالغ من 25 دولاراً إلى 5000 دولار.

"
يوجد نحو 350 منظمة مرتبطة بالحركة الصهيونية أو موالية لها، ومن بين هذه المنظمات نحو 67 منظمة صهيونية سياسية تعمل مباشرة لصالح الكيان الإسرائيلي
"

وتُصدر صحيفة نير إيست ريبورتس Near East Reports (أي تقارير الشرق الأدنى)، وتُصدر ملحقاً بعنوان "الحقائق والأكاذيب"، وبه متابعات مختصرة للصراع العربي الإسرائيلي، وغالباً ما يكون هذا هو المصدر الأساسي للمعلومات بالنسبة لأعضاء الكونغرس الأميركي.

وتدفع اللجنة تكاليف إرسال 400 نسخة مجانية أسبوعياً لأعضاء الكونغرس وكبار المسؤولين ووفود الدول إلى الولايات المتحدة، ولها هيكل تنظيمي فعال وسمعة قوية. وقد أصبح اشتراك الرؤساء الأميركيين وكبار رجال الدولة والأحزاب في الاجتماع السنوي لإيباك أمراً معتاداً، حيث يقومون بالتسابق لإلقاء كلمات التأييد والدعم للوبي اليهودي وللكيان الصهيوني.

وهناك نحو 350 منظمة مرتبطة بالحركة الصهيونية أو موالية لها، ومن بين هذه المنظمات نحو 67 منظمة صهيونية سياسية تعمل مباشرة لصالح الكيان الإسرائيلي، فضلاً عن المنظمات الدينية والثقافية والاجتماعية ومنظمات العلاقات العامة.

حضور إعلامي وعلمي قوي
رابعاً- للوبي اليهودي الصهيوني حضور إعلامي قوي مؤثر على الكثير من وسائل الإعلام الأميركية، سواء في ملكيتها أو إدارتها أو تحقيق درجات عالية من النفوذ فيها، وينطبق على ذلك أهم ثلاث شبكات تلفزيونية أساسية: ABC وNBC وCBC، وعلى أبرز شركات السينما الأميركية مثل: فوكس وبارامونت ويونيفرسال.

ورغم أنه يوجد في الولايات المتحدة نحو 1750 صحيفة يومية و670 صحيفة أسبوعية فإن اللوبي اليهودي الصهيوني يركز على أهم الصحف المؤثرة، فله ملكية أو نفوذ قوي في أكثر وأهم الصحف اليومية توزيعاً مثل: وول ستريت جورنال وديلي نيوز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، فضلاً عن أقوى مجلتين أسبوعيتين في أميركا والأشهر على مستوى العالم وهما تايم ونيوزويك.

وبالتأكيد فإن لوسائل الإعلام هذه نفوذا هائلا خصوصاً في أنظمة الحكم الليبرالي الديمقراطي الغربي، وتستفيد من ظروف الحريات الواسعة لتوجيه الرأي العام، وممارسة الضغط والتشهير ونشر الفضائح ضد أولئك الذين يمكن أن يعارضوا مصالحها. وهي ذات تأثير مرعب على رجال الدولة والسياسيين الذين يسعون دائماً لاسترضائها.

خامساً- لليهود حضور علمي وثقافي واسع يضاهي أضعاف حجمهم. وعامة يهود أميركا جامعيون، وتذكر دراسة أعدها البروفيسور روبنشتاين أنه من بين 500 قيادي على مستوى أميركا هناك 57 يهودياً. ونسبتهم الأعلى هي وسط قادة الإعلام إذ تصل إلى 25.8%.

ويضيف أن 45% من بين أبرز 172 شخصاً من كبار المثقفين والمفكرين على مستوى أميركا هم من اليهود (أي 77 شخصاً)، وأن هذه النسبة ترتفع إلى 56% وسط أبرز علماء الاجتماع، وإلى 61% في العلماء في العلوم الإنسانية. ويسهم هؤلاء بشكل قوي في توجيه الثقافة والرأي العام ومناهج التدريس والتربية.

تحالف المسيحية الصهيونية
سادساً- يستفيد اليهود من كون 70% من مسيحيي أميركا من البروتستانت الذين يؤمنون بالعهد القديم (التوراة)، والذين يدعم كثير منهم إنشاء الكيان الصهيوني وفق خلفيات دينية مرتبطة بقدوم المسيح، ووقوع معركة "آرمجدون" وبداية العهد الألفي السعيد.
وهم يقدرون بعشرات الملايين.

وقد تزايدت قوة اليمين المسيحي و"الصهيونية غير اليهودية" في الحياة السياسية الأميركية في السنوات الأخيرة، ويعد أتباعها دعم إسرائيل واجباً دينياً وأخلاقياًً يجب أن يؤدَّى مهما كلف الثمن. ومن الأسماء البارزة في هذا التيار القس بات روبرتسون الذي يملك عدة مؤسسات إعلامية تلفزيونية وإذاعية ويسخرها جميعاً من أجل الدعاية الصهيونية، وهو من أبرز قادة جماعات الضغط لصالح لإسرائيل. ومنهم القس جيري فالويل، وفرانكلين غراهام ووالده بيلي غراهام. وكان بيلي قسيساً للرؤساء الأميركان منذ ريتشارد نيكسون في الستينيات حتى بيل كلينتون، وأما فرانكلين الابن فيقوم بنفس مهمة أبيه مع الرئيس الحالي جورج بوش.

"
تزايدت قوة اليمين المسيحي و"الصهيونية غير اليهودية " في الحياة السياسية الأميركية في السنوات الأخيرة، ويعد أتباعها دعم إسرائيل واجباً دينياً وأخلاقياًً يجب أن يؤدَّى مهما كلف الثمن
"

وقد شكل بات روبرتسون "التحالف المسيحي"، وتمكن من تحقيق نجاحات واسعة داخل الحزب الجمهوري الأميركي، إذ فاز وأتباعه في منتصف التسعينيات من القرن الماضي في 17 ولاية، وحققوا تأثيراً كبيراً في 24 ولاية أخرى في الانتخابات الخاصة بهذا الحزب.

ومن جهة أخرى ترافق صعود اليمين المسيحي مع صعود المحافظين الجدد داخل الحزب الجمهوري، منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين. ويتفق الطرفان في بناء آرائهم وفق أسس أيدولوجية، والميل للمواجهة وعدم المساومة، والنظر للأمور بأحد اللونين الأبيض أو الأسود، واعتبار أن قوى الخير في العالم تتمثل في أميركا وإسرائيل، في مواجهة" محور الشر" الذي كان يتمثل سابقاً بالاتحاد السوفياتي، بينما أصبح يتمثل الآن "بالارهاب" القادم من العالم الإسلامي.

وقد تمكن رموز المحافظين الجدد من أخذ مواقع هامة في صناعة السياسة الأميركية من أمثال بول ولفويتز وريتشارد بيرل وجون بولتون. وتبنت الإدارة الأميركية بزعامة بوش الكثير من آراء تياري المحافظين الجدد واليمين الديني.

وبالطبع فبوجود هذين التيارين لم يكن اللوبي اليهودي الصهيوني بحاجة إلى كثير عناء لتحقيق برنامجه، حيث يتم تنسيق المواقف بينهم خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإسرائيل والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

وهذا ما يفسر كيف أن إدارة بوش "الجمهورية" أوغلت في دعمها لإسرائيل، رغم أن بوش نفسه لم يحصل على أكثر من أصوات 20% من يهود أميركا في انتخابات عام 2000، في الوقت الذي حصل فيه آل غور على نحو 80% من أصواتهم.

وفي هذه الانتخابات تشير بعض الاستطلاعات إلى أن نحو 70% من يهود أميركا سيصوتون لكيري، ومع ذلك فلا يتوقع أي تغيير في سياسة بوش الصهيونية إذا ما فاز بالانتخابات، لأنه أحاط نفسه أصلاً باليمين الديني وبالمحافظين الجدد.

ــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة