القضاء العربي لا المحكمة الدولية   
الأربعاء 1432/3/27 هـ - الموافق 2/3/2011 م (آخر تحديث) الساعة 1:05 (مكة المكرمة)، 22:05 (غرينتش)
نبيل شبيب


القضاء الدولي والهيمنة الدولية
مجلس الأمن الدولي يستبق انتصار ثورة ليبيا
مسؤولية أحرار مصر
ثورات نقية وشائبة التدخل الدولي

لئن صحت النوايا من وراء إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، لتكون أداة قضائية دولية في مجال الدفاع عن الإنسان وحقوق الإنسان والمحاسبة على انتهاكها بجرائم حربية وجرائم ضد الإنسانية، فقد اتخذت بأسلوب تشكيلها وصياغة أنظمتها، وبممارساتها الفعلية، موقعا واضحا على الخارطة السياسية الدولية يجعلها تقوم بهذه المهمة على وجه التخصيص عندما يكون في أدائها ما يخدم مصالح القوى الدولية المهيمنة على صناعة القرار الدولي، وهذا ما يجري التعبير عنه بأسلوب "إيديولوجي" عندما يقال مثلا، إنها أداة في يد الإمبريالية الحديثة.

القضاء الدولي والهيمنة الدولية
لقد شهدت ليبيا على امتداد 42 سنة استبدادية من الجرائم التي سقط ضحيتها عدد كبير من الأبرياء، ولا يستهان بشأن أي نفس إنسانية تُزهق روحها عبر جرائم الاستبداد.. ولكن ذلك لم يصل إلى نسبة مئوية متدنية للغاية من الضحايا الأبرياء لارتكاب جرائم حربية في العراق وأفغانستان، وارتكاب جرائم ضد الإنسانية فيهما وفي غوانتانامو والمعتقلات السرية.

ولم يعد ذلك سرا يخفيه التعتيم الإعلامي، وليس المسؤولون عن ذلك في واشنطن ولندن تخصيصا مجهولين، وإنّما لا تمتد إليهم يد المحكمة الجنائية الدولية ولو تحت عنوان "التحقيقات وإصدار تقارير"، مباشرة أو عن طريق مجلس الأمن الدولي، ولكن يمكن أن تمتد إلى ميلوسوفيتش وأصحابه ممن ارتكبوا الجرائم في البلقان، وإلى البشير من خلال اتهامه بارتكاب الجرائم في دارفور، والآن بعد ثورة ليبيا إلى القذافي الذي سبق أن تصالح -أثناء ارتكابه الجرائم داخل ليبيا- مع دول الغرب إلى درجة "الصداقة والتعاون والتحالف".

"
عندما يكيل السياسيون بمكيالين يمكن اعتبار ذلك ممارسة سياسية مرفوضة، أما عندما يجري توظيف "القضاء" على مستوى دولي في خدمة تلك الممارسة المرفوضة، فإن ذلك يصبح جريمة تستحق العقاب
"
عندما يكيل السياسيون بمكيالين يمكن اعتبار ذلك ممارسة سياسية مرفوضة، أما عندما يجري توظيف "القضاء" على مستوى دولي في خدمة تلك الممارسة المرفوضة، فإن ذلك يتجاوز "لعبة صراع القوى" باسم سياسات واقعية، ويصبح في حد ذاته جريمة تستحق العقاب.

يمكن أن نفهم انطلاق استغاثات الألم ممن يواجهون بصدورهم الأسلحة الإجرامية الاستبدادية جهارا نهارا، فيدعو بعض الضحايا دعوة الاستنكار أكثر من الاستنجاد، إلى تدخل ما يسمى المجتمع الدولي، بما في ذلك التدخل العسكري، أو إلى تحويل الحاكم المستبد إلى المحكمة الجنائية الدولية.. ولكن لا يمكن القبول بإقدام مسؤولين سياسيين أو دبلوماسيين من الليبيين وسواهم، ولا بإقدام ناشطين في المنظمات العالمية للدفاع عن حقوق الإنسان، على الدعوة إلى مثل هذه التدخلات، أو الترحيب بها، وهم يعلمون بحكم مواقعهم وأنشطتهم، واقع الانحراف في التعامل الدولي، بين قوى مهيمنة، ودول من ضحايا تلك الهيمنة بحكوماتها وشعوبها.

مجلس الأمن يستبق انتصار ثورة ليبيا
لا ينبغي أن ينجو مستبد عربي من الحساب والعقاب في الحياة الدنيا، ولا أن ينجو أعوانه في الاستبداد والفساد، ولا من ينفذون أوامره بارتكاب الجرائم بحق الأبرياء، ولكن يجب أن يكون الحساب والعقاب أمام القضاء في البلد العربي الذي تسلط عليه، وفيه فقط، ويمكن لأجهزة القضاء فيه عند إعادة تشكيلها على أسس قويمة، أن تستعين بالخبراء والقضاة والمحامين وسواهم من ذوي الاختصاص من بلدان عربية أخرى، وحتى من بلدان غير عربية، على أساس انتقاء مَن يحوز مِن خلال مكانته ومواقفه المنصفة ثقة أهل ذلك البلد العربي.

أما أن تجري المحاكمة أمام جهاز دولي، من شاكلة المحكمة الجنائية الدولية، فسواء كانت محاكمة قويمة عادلة أم لم تكن، ففي ذلك إهانة مباشرة للقضاء العربي الذي أثبت نزاهته وقوته وجرأته رغم الاستبداد في كثير من البلدان العربية، بل كان من صانعي مقدمات الثورة في بعضها كما هو الحال مع مصر، كما أن في ذلك مخالفة لأحد الأسس الحاسمة في تشكيل المحكمة الجنائية الدولية، وهو أنه لا ينبغي أن تتحرك إلا في حالة نجاة المشتبه فيه من المحاكمة داخل بلده.

هذا بالذات ما سعت إليه القوى المهيمنة عالميا وفي مجلس الأمن الدولي تخصيصا، التي بقيت تنتظر دون اتخاذ أي موقف حاسم أثناء سيل دماء الضحايا في ليبيا، إلى أن أصبح انتصار الثورة أمرا مؤكدا، وباتت الخشية على مستقبل المصالح النفطية وسواها سببا كافيا للتحرك، فإذا بتلك القوى الدولية تتحرك فعلا لاستصدار قرار بشأن محاكمة القذافي وبعض أعوانه، مع اقتران ذلك بالتهديد بتدخل عسكري في بلد لا يمكن أن يكون التدخل العسكري الأجنبي فيه إلا سببا في حدوث كارثة أخرى، طويلة الأمد، بعد كارثة الاستبداد خلال 42 سنة مضت.

"
الشعب الليبي الذي صنع الثورة اعتمادا على أجساد أبنائه، ودفع ثمن تحرره من أرواح ضحاياه وآلامهم، قادر على صناعة أجهزته القضائية وسواها، ومحاسبة الحاكم المستبد على إجرامه، دون أي تدخل خارجي
"
إن الشعب الذي صنع هذه الثورة اعتمادا على أجساد أبنائه، ودفع ثمن تحرره من أرواح ضحاياه وآلامهم، قادر على صناعة أجهزته القضائية وسواها، ومحاسبة الحاكم المستبد على إجرامه، دون أي تدخل خارجي.

وباستثناء أصوات المستغيثين التي لا يؤخذ بها دون تقدير معاناتهم، وباستثناء أصوات بعض المسؤولين من ساسة ودبلوماسيين قفزوا في قارب الثورة وكانوا من قبل جزءا صغيرا أو كبيرا من نظام الاستبداد السابق، لم تنقطع الأصوات المخلصة المعبرة عن الثورة وأبنائها، من تأكيد رفضها المطلق لأي تدخل أجنبي في ليبيا، ومن تأكيد أنّ شعب ليبيا قادر على تحقيق الانتصار بنفسه، وأنّ من أراد تقدم الدعم الحقيقي فأبواب تقديم الدعم الإنساني -وليس السياسي أو العسكري أو القضائي- مفتوحة.

لا ينبغي أن ينقطع موقف الرفض لحظة واحدة، بل ينبغي أن تتسارع خطى إنشاء هيكل النظام القائم على الكرامة الإنسانية والحقوق والحريات والعدالة في ليبيا، ويتسارع معها بيان الموقف القاطع من جانب الشعب الثائر وممثليه، لكل صورة من صور التدخل الخارجي بأي ذريعة، بما في ذلك محاكمة الحاكم المستبد إذا بقي على قيد الحياة بعد سقوطه المحتوم.

ولا يغير من ذلك شيئا إذا صح ما يتردد من أن القرار الدولي مقترن بمحاولة الوصول مع الحاكم المستبد في ليبيا إلى حل يوقف نزيف الدماء –كما يقال- بتأمين مخرج له من ثكنته المحاصَرة بإرادة الثورة والثائرين وتضحياتهم وانتصراتهم، فهذا "الحل" وإن بدا احتمالا بعيدا صورة أخرى من صور التدخل الأجنبي، من جانب قوى قادرة على تأمين الدعم الإنساني ولا تفعله رغم ضرورته، ولا تتردد بدلا من ذلك في توظيف قوتها لتحقيق مآربها بذريعة دعم الثائرين على التخلص من المستبد.. بتخليصه هو، أو بمحاكمته.

مسؤولية أحرار مصر
ليس القذافي هو المستهدف من التحركات الدولية، وليست هذه مشبوهة بقدر ما هي عدوانية تتطلع إلى تحقيق أهداف الهيمنة فحسب، وإلى استعادة ركائزها ووضع صيغ جديدة لتحقيق أغراضها، بعد أن كان القذافي نفسه إحدى تلك الركائز، ولم يكن استبداده الداخلي يمنع تلك القوى الدولية من التعاون الوثيق معه، بل والاحتفاء به، للحصول على ثروة شعب ليبيا عن طريقه.

على أن تلك الأهداف تتجاوز ليبيا إلى منطقة الشمال الأفريقي التي لن تبقى منذ ثورة تونس فثورة مصر ثم ليبيا كما كانت من قبل، ساحة من ساحات امتصاص الثروات واستغلال الاستثمارات وعقد الاتفاقات وحتى المؤامرات، بما يحقق المصالح والمطامع الأجنبية.

إن الخطر الأكبر الكامن من وراء كل خطوة أجنبية لتثبيت قدم نفوذ جديد في ليبيا، بأي ذريعة، هو خطر يستهدف دول الجوار علاوة على ليبيا، ومن بينها مصر على وجه التخصيص، فليس مجهولا ما يعنيه تحول مصر من دولة يحكمها الاستبداد المرتبط بالغرب إلى دولة متحررة مستقلة.

علاوة على محاولات لم تنقطع حتى الآن –داخليا وخارجيا- من أجل تفريغ ثورة مصر من مضمونها قدر الإمكان، وعرقلة مسيرة بلوغها أهدافها المشروعة الشاملة العادلة، يأتي استهدافُ ليبيا في مرحلة ما بعد الثورة، ليشمل العملَ مجددا من أجل إحكام حلقات الحصار حول مصر المتحررة، فكل نفوذ أجنبي في ليبيا مستقبلا، يتكامل مع نفوذ أجنبي في جنوب السودان، وفي منابع النيل، مع استمرار العمل على تثبيته في دارفور، لتتحول مصر المحررة إلى دولة مقيدة بتهديد أمنها على كل صعيد ومن مختلف الاتجاهات حولها، وللحد مما يُنتظر لها بقوة التحرر والاستقلال من دور محوري متجدد على امتاداد المنطقة العربية والإسلامية، لا سيما ما يرتبط مباشرة بقضية فلسطين وشعبها وأرضها ومستقبلها.

ولهذا يضاف إلى أعباء الأحرار في مصر وهم يعملون على استكمال مسيرة الثورة، أن يكونوا في مقدمة من يعملون أيضا على الحيلولة دون أن تنال جهود الهيمنة الدولية منالا من ليبيا الثائرة بجوار مصر، وأن يكونوا في مقدمة الرافضين بحزم استخدام المحكمة الجنائية الدولية أداة لتحقيق ذلك في ليبيا، أو في مصر نفسها.

لا بد من محاسبة كل مستبد يثور الشعب عليه، سقط في مصر ويحاسب أمام القضاء المصري، وسقط في تونس ويحاسب أمام القضاء التونسي، وأوشك على السقوط في ليبيا ويحاسب أمام القضاء الليبي.. وهم السابقون إلى الحساب والعقاب، وسيتبعهم من يليهم على هذا الطريق.

ثورات نقية وشائبة التدخل الدولي
لقد أعطت الثورات العربية نماذج في القمة على امتداد التاريخ البشري، لم يعرف مثلها من قبل بما في ذلك ما يعطى مكانة الصدارة من ثورات على الاستبداد في العالم الغربي قبل قرون.

ثورات شعبية خالصة.. ثورات جيل المستقبل.. ثورات سلمية.. ثورات تواجه الإجرام بالتضحيات.. ثورات نقية الأهداف والوسائل والسلوك، وهذا بالذات ما يجب الحفاظ عليه. وفي مقدمة ما يعطيها وصف ثورات عربية تاريخية المجرى وتاريخية الأبعاد، العمل على الحيلولة دون تسرب أي عنصر من عناصر الانحراف على صعيد مجراها، في بلد بعد بلد، وعلى صعيد نتائجها في كل بلد على حدة، وفي المنطقة العربية والإسلامية عموما.

"
أعطت الثورات العربية نماذج في القمة على امتداد التاريخ البشري، لم يعرف مثلها من قبل بما في ذلك ما يعطى مكانة الصدارة من ثورات على الاستبداد في العالم الغربي قبل قرون
"

لقد أسقطت هذه الثورات أول ما أسقطت ما كان يتردد عن استحالة التغيير دون دعم أجنبي كان من صوره احتلال العراق وتدميره، وأسقطت ما صنعته أنظمة الاستبداد والقوى الدولية من فتن بين فئات الشعب الواحد، فكانت الثورات مرآة لأوثق صيغ الوحدة الوطنية ورسوخها شعبيا، وأسقطت ما كان يقال عن التغيير عبر الثورة، إنه لا يمكن إلا أن يكون طريقها طريق الهياج والغضب والتدمير والتقتيل، فإذا بالثائرين من جيل المستقبل ومن ورائهم سائر فئات الشعب الواثق بهم، يثبتون في كل خطوة يخطونها وموقف يعلنونه، أنهم في أعلى الدرجات وعيا وانضباطا وقدرة على تجاوز العقبات الكبرى بتصميم منقطع النظير واستبسال جدير بالإجلال والتقدير، نحو أهدافهم المشروعة الثابتة.

لا بد من العمل دون انقطاع من أجل أن تحافظ ثورات ليبيا وأخواتها على هذا الموقع في صفحات التاريخ، فقد سارت بمجراه بين حقبة مظلمة وأخرى مضيئة، ويجب العمل على عدم تلويث هذه الصفحات النقية بشائبة من الشوائب، بما في ذلك التدخل الأجنبي المتستر تحت عنوان محاكمة الاستبداد على إجرامه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة