المراجعات ومستقبل التيار الجهادي   
الأربعاء 2/12/1428 هـ - الموافق 12/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 7:54 (مكة المكرمة)، 4:54 (غرينتش)

كمال حبيب

خرجت مؤخرا للنور وثيقة "ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم" أنجزها الدكتور سيد إمام الشريف الذي كان أميرا لتنظيم الجهاد قبل عام 1993 م، وبقيت آثاره الفكرية مرجعاً رئيسياً للفكر السلفي الجهادي خاصة كتابه "العمدة في إعداد العدة".

والوثيقة التي تنشرها بعض الصحف على حلقات تؤسس لما يمكن أن نطلق عليه اسم "تيار محلي" مختلف في توجهاته الفكرية والحركية عن التيار الذي تمثله القاعدة، وهو "تيار عالمي".

والتيار المحلي الذي يعبر عنه الجهاديون المراجعون له وجه مختلف عن ذلك التيار العالمي، فهو -أي المحلي- يغلب استقرار الجماعة التي يعيش معها، ويعتبر أن الدعوة هي الفعل الرئيسي له.

"
وثيقة "ترشيد العمل الجهادي في مصر والعالم" تؤسس لما يمكن أن نطلق عليه "تيارا محليا" مختلفا في توجهاته الفكرية والحركية عن التيار الذي تمثله القاعدة وهو "تيار عالمي" وهذا التيار الأول يغلب استقرار الجماعة التي يعيش معها، ويعتبر أن الدعوة هي الفعل الرئيسي له
"
كما يؤسس لنظرة معرفية جديدة في العقيدة تستصحب أصل الإسلام للناس، وتعتبر أن مخالطتهم والصبر على أذاهم خير من مفارقتهم وبناء عوالم موازية لعالمهم بل في مواجهة ذلك العالم من خلال التوسع في أحكام التكفير على فئات واسعة من البشر.

 بل إنه يؤسس لنظرة جديدة للنظم الحاكمة ذاتها. فهو رغم عدم منحها الشرعية فإنه يرى أن العنف ليس هو السبيل المناسب لإنجاز التغيير في مواجهة تلك النظم، كما يبني رؤية جديدة للعالم تقوم على اعتبار كرامة الإنسان وعدم التوسع في القتل على الهوية أو لون البشرة.

ومن ثم لم تعد رؤية الإنسان تقوم على معيار الكفر والإسلام وإنما معيار الحرب والعدوان والسلام والموادعة، فالإنسان الغربي لا يقصد بقتل أو قتال بسبب دينه وإنما بسبب موقفه من العلاقة الحركية مع عالم الإسلام، وما لم يكن منخرطا في فعل مباشر بالحرب ضد دار الإسلام فإنه لا يكون مستهدفا بأي عمل عدائي.

فالمعيار هو الحربي والمدني، وتقول الوثيقة "ولجأت بعض الجماعات الإسلامية إلى الصدام مع السلطات الحاكمة في بلادها أو مع الدول العظمى ورعاياها باسم الجهاد في سبيل الله تعالى من أجل رفعة شأن الإسلام".

وانتشرت الصدامات في مختلف البلدان من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، وقد خالطت هذه الصدامات كثير من المخالفات الشرعية مثل القتل على الجنسية والقتل بسبب لون البشرة أو الشعر والقتل على المذهب، وقتل من لا يجوز قتله من المسلمين ومن غير المسلمين، والإسراف في الاحتجاج بمسألة التترس لتوسيع دائرة القتل واستحلال أموال المعصومين وتخريب الممتلكات.

والموقعون على هذه الوثيقة يعلنون عدم رضاهم عن هذه المخالفات الشرعية وما أدت إليه من مفاسد، فإنهم يذكرون أنفسهم وعموم المسلمين ببعض الضوابط الشرعية المتصلة بفقه الجهاد، ويعلنون التزامهم بهذه الضوابط الواردة بهذه الوثيقة، ويدعون غيرهم من المسلمين وبصفة خاصة الأجيال الناشئة من شباب الإسلام إلى الالتزام بها، وألا يقعوا فيما وقع فيه من سبقهم من مخالفات شرعية عن جهل بالدين أو تعمد.

وتعرف الحركات الاجتماعية الإسلامية ما يمكن أن نطلق عليه التأسيس لمرجعيات جديدة مختلفة مع تلك القديمة التي كانت تتبناها، فالتيار القطبي مثلا عبّر عن تأسيس لمرجعية جديدة مختلفة عن تلك التي أرساها البنا داخل حركة الإخوان المسلمين.

لكنها المرة الأولى داخل التيار الجهادي التي تؤسس مرجعية جديدة مختلفة عن المرجعية الأصلية التي قام عليها التنظيم منذ حركة الفنية العسكرية، بل إن المرجعية التي عبرت عنها الأجيال التي جاءت بعد الفنية العسكرية داخل الحالة الجهادية كانت تتجه إلى الغلو والتشدد والتوسع في أعمال القتل والمواجهة.

ومن ثم نحن أمام تأسيس لمرجعية جديدة داخل المرجعية الأساس للتيار الجهادي، ومن الطبيعي أن ينشأ ما نطلق عليه "جدل المرجعيات أو صراعها" بين التيار الذي أطلقنا عليه "المحلي" وبين التيار الأساس والذي نطلق عليه "العولمي–العالمي".

ومن المثير للانتباه أن نشوء المرجعيات الجديدة سواء تلك التي تنزع للمواجهة أو تلك التي تنزع للتعايش ينشأ في أعقاب مواجهة كبيرة مع النظم الداخلية أو مع شعور بخطر خارجي يتهدد الإسلام وعالمه، فتشعب المرجعيات أو التأسيس لها ينشأ عادة تحت ضغط أزمة كبيرة.

فأعوام الستينيات شهدت المواجهة الكبرى مع النظام الناصري والحركة الإخوانية، واستلهمت الحركة الجهادية الأفكار القطبية ومزجتها بمداميك ذات طابع سلفي، وحسم الإخوان موقفهم ناحية ما أطلقنا عليه "التيار المحلي"، واليوم داخل الجسد الجهادي وعقب المواجهة الكبيرة مع نظم المنطقة في التسعينيات وعقب المواجهة مع قوى عالمية كبرى على رأسها الولايات المتحدة تتأسس مرجعية جديدة هي أقرب لتلك التي كان الإخوان قد دشنوها من قبل مع كتابهم الأشهر "دعاة لا قضاة".

حيث كانت فكرة التكفير هي الخطر في ذلك الوقت، أما وثيقة "ترشيد العمل الجهادي" فليست أفكار التكفير وحدها وإنما الأعمال الجهادية الحركية التي أضحت تمثل عملا يوميا يهدد الاستقرار داخل المجتمعات المسلمة.

"
إذا كانت التحولات المرجعية للإخوان استطاعت أن تؤسس لما يمكن أن نطلق عليه "تيارا رئيسيا جامعا" فإن التحدي الذي يواجه الموقف الفكري والمرجعي الجديد للجهاد هو قدرته على بناء هذا التيار الرئيسي الجامع الذي يمكنه أن يمثل قطباً جاذبا لنزعات الغلو وربما العنف
"
وإذا كانت التحولات المرجعية للإخوان استطاعت أن تؤسس لما يمكن أن نطلق عليه اسم "تيار رئيسي جامع" فإن التحدي الذي يواجه الموقف الفكري والمرجعي الجديد داخل الحالة الجهادية هو قدرته على بناء هذا التيار الرئيسي الجامع الذي يمكنه أن يمثل قطباً جاذبا للنزعات الهامشية على الحواف والتي تميل عادة للغلو وربما العنف.

وهنا فإن مستقبل الحركات الجهادية سوف يحدده بشكل رئيسي نتائج التنازع بين المرجعيات القديمة والجديدة وتوجهاتها وإمكانية المرجعية الجديدة في أن تؤسس لشرعيتها الفكرية الجديدة، وتفهم المرجعية القديمة لطبيعة العلاقة بين الطرفين بحيث تعترف بالشرعية الجديدة للفكر الجديد "التيار المحلي" الذي يحاول التأسيس لعقد اجتماعي بين مجتمعه من ناحية ونظمه الحاكمة من ناحية أخرى يقوم على علاقة السلم وتغليب ماهو داخلي على ماهو خارجي (إقليمي أو عولمي).

وفي نفس الوقت يحمل رؤى دعوية وتربوية، قد يكون لها وجه سياسي ومجتمعي يطمح إلى لعب دور في المستقبل ضمن القوى المجتمعية والسياسية للإصلاح والنهوض بالمجتمع.

فالتيار المحلي الجديد هو تيار ينتقل من الحالة الثورية المفاصلة إلى حالة الإصلاح المقاربة، وإلى حالة الصبر الجميل وعدم التعجل في المواجهة مع الأنظمة القائمة. ومن ثم نحن أمام تيار جهادي جديد يؤسس للتعايش مع مجتمعه على أساس الدعوة ونبذ العنف وممارسة العمل المجتمعي والسياسي حين تتاح له الفرصة في المستقبل، ومع تغير الأوضاع السياسية للنظم العربية القائمة اليوم.

ومع التنازع بين المرجعيات فإن قطاعاً من التيار الجهادي سيقرر الخروج بالكامل من العملية الجهادية مكتفيا من الغنيمة بالإياب، وهذا هو التيار الانسحابي الذي سينزوي ويتوه بين ثنايا الواقع والمجتمع الجديد الذي يواجهه.

أما التيار الذي سيبقى متمسكاً بفكره القديم فمن المرجح أنه لن يجد لما يطرحه من أفكار صدى كبيرا على المستوى الداخلي، وقد يبقى محصورا داخل أفكاره التي لن يقدر لها البزوغ، فعالم التحولات الذي تعيشه الحركة الجهادية اليوم لم يعد يقبل بهذه الأفكار بعد التجارب والخبرات والمساهمات الفكرية الجديدة.

وبالنسبة للتيار العولمي الجهادي فإنه سيبقى قائما ما بقيت الأسباب التي استدعته، وهي وجود الاحتلال الأميركي في العراق وقوات الناتو في أفغانستان.

ولكن التحدي الرئيسي له سيبقى قدرته على التحرر من الازدواجية في خطابه الذي يتراوح بين اعتبار العدو البعيد والقريب معاً أعداء لا بد من مواجهتهما معا، كما أن المشروع السياسي له متعسر لفقدانه القبول الدولي والإقليمي من ناحية وفقدان التوافق العام الداخلي عليه.

"
الخبرة التي تقدمها لنا الحركة الجهادية المصرية هي أن العنف يحمل في داخله مأزق فنائه, وأن عملية التغيير في المجتمعات أصعب وأعقد من أن تحسمها القوة العسكرية، وحين نضجت هذه الحركة فإنها تعلن انتهاء دورة حركتها القديمة لتستأنف دورة جديدة لن تكون سهلة ولا ميسورة
"
ومن الوارد طبعاً أن يقرر أفراد من تلك الحركات الالتحاق بحركات قائمة لها رسوخ وشرعية كالإخوان المسلمين، وهذا قد حدث من قبل مع أعضاء من جماعة الفنية العسكرية كما حدث في مناطق أخرى من العالم العربي.

بيد أن الطابع السلفي لذلك التيار في طريقة التفكير ربما يجعل المنتسبين إليه يراوحون مكانهم في العمل الدعوي والتربوي وربما المجتمعي فقط، دون أن يخوضوا من الأصل العمل السياسي بمشاكله وتوازناته وقراراته التي قد تقلقل الضمير الإسلامي لهؤلاء.

وفي التحليل النهائي فإن المستقبل السياسي لحركات الجهاد يواجه مأزقا صعبا، قد يفضي بهذه الحركات بصيغتها القديمة إلى الاختفاء من الحياة السياسية في العالم العربي لتحل محلها حركات جديدة لا تستند إلى العنف في توجهاتها.

وقد سبق لتنظيم الجهاد أن واجه اختفاءً في فترات متعددة تحت الضغوط الأمنية وشروط العمل السري، ولكن كان لا يزال لدى هذه الحركة القدرة على إعادة إنتاج أفكارها وبنيتها التنظيمية لتعود أقوى وأكبر. لكن هذه المرة التي تواجه فيها تحولات كبيرة تنال الأسس المعرفية والمرجعية لها فإن الصيغة القديمة التي ظهرت بها يبدو أنها استنفدت قدرتها بحيث لم يعد لديها طاقة للاستمرار كما كانت، وأنها تحاول أن تكتنز بعض ما لديها من طاقة لتوجهها نحو صيغة مختلفة وخيار آخر هو ذلك الذي تدعو إليه اليوم أكبر جماعتين في مصر مارستا العنف منذ السبعينيات وهما الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد.

إننا أمام خبرة هي أشبه بخبرة الإخوان المسلمين في التخلص بصرامة من التنظيم الخاص والعنف والتيار القطبي، لتأسيس مرحلة جديدة تشهد تحولات عميقة في مناهجها الفكرية (الموقف من الديمقراطية) والحركية (خبرة الحزب السياسي) ومن ثم فإن هناك تشابها في التحولات.

وقد يدفعنا ذلك لاعتبار حالة الإخوان والحالة القطبية نموذجين يمكن القياس عليهما لما سيكون عليه مآل الحركة الجهادية الداخلية (المحلية). فالتيار الرئيسي الجديد سيحاول أن يكون له دور سياسي ومجتمعي حين تتاح له الفرصة في ظل تغيير الأوضاع السياسية الراهنة، والتيار الرافض سيبقى معزولا منكفئاً على ذاته تغشاه روح المفاصلة والسرية وأفكار الجاهلية والقطيعة بدون فاعلية أو تأثير حقيقي في محيطه الذي يتحرك ويعيش فيه.

الخبرة التي تقدمها لنا الحركة الجهادية المصرية هي أن العنف يحمل في داخله مأزق فنائه، وأن عملية التغيير في المجتمعات أصعب وأعقد من أن تحسمها القوة العسكرية. وحين نضجت هذه الحركة فإنها تعلن انتهاء دورة حركتها القديمة لتستأنف دورة جديدة لن تكون سهلة ولا ميسورة، لأنها تحتاج لأفق سياسي واسع وخبرة عميقة بالمجتمعات.

فهل سيكون الإقلاع من جديد إلى مسارات وعوالم مختلفة أمرا ً ميسورا، لا يزال من المبكر التنبؤ أو الاستشراف به؟ فمستقبل تلك الحركات اليوم في مفرق طرق صعب يضعها في الميزان.
ـــــــــــ
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة