مصر وأفريقيا.. إستراتيجية دائمة أم مؤقتة؟   
الخميس 12/8/1429 هـ - الموافق 14/8/2008 م (آخر تحديث) الساعة 9:32 (مكة المكرمة)، 6:32 (غرينتش)

 

بدر حسن شافعي

- أسباب الأهتمام المصري بأفريقيا
- تنافس أم تعاون؟
- الأمن القومي المصري
- مصر وأوغندا ومعضلة المياه

أثارت الزيارة التي قام بها الرئيس المصري حسني مبارك لكل من جنوب أفريقيا وأوغندا -في الفترة من 28-30 يوليو/تموز الماضي- عدة تساؤلات بعضها عام يتعلق بأسباب الاهتمام المصري المتزايد في الآونة الأخيرة بأفريقيا، وبعضها الأخر خاص يتعلق بزيارة هاتين الدولتين تحديدا، خاصة وأنها الزيارة الأولى التي يقوم بها مبارك لكليهما منذ توليه الحكم عام 1981 ومدى ارتباط ذلك من قريب أو بعيد بالأمن القومي المصري، والأهداف المبتغاة من زيارتيهما.

 
أسباب الاهتمام المصري بأفريقيا
"
اهتمام مصر المتزايد خلال عقد التسعينيات بالقارة الأفريقية عامة، والمنظمات الإقليمية بها خاصة، يرتبط بالتحولات التي طرأت على القيادة السياسية المصرية بشأن توجيه مزيد من الاهتمام للقارة
"
بداية يمكن القول بأن اهتمام مصر المتزايد خلال عقد التسعينيات -وتحديدا منذ عام 1997- بالقارة الأفريقية عامة، والمنظمات الإقليمية بها خاصة، يرتبط بالتحولات التي طرأت على القيادة السياسية المصرية -وبالتالي وزارة الخارجية- بشأن توجيه مزيد من الاهتمام للقارة بعدما كانت المرحلة السابقة على ذلك -منذ التطبيع مع إسرائيل- قد اتسمت بالتركيز الأساسي على قضايا التنمية الاقتصادية في التعامل مع أفريقيا بهدف تطوير تلك العلاقات وتوظيفها لصالح التنمية الداخلية في البلاد وفق شعار "دبلوماسية التنمية الداخلية في مصر"، أو مبدأ التركيز على الداخل.

لكن مع حلول عام 1998 شهدت مصر تحولا في توجهاتها صوب أفريقيا، وأهمية التركيز على الجوانب الأمنية والسياسية جنبا إلى جنب مع الجوانب الاقتصادية، خاصة في ظل انتشار الصراعات الداخلية في أفريقيا بصورة غير مسبوقة.

كما بدأت الدائرة الأفريقية تعود لمجالها الطبيعي في سلم أولويات الخارجية المصرية، كما كان الحال في عهد عبد الناصر (كانت أفريقيا تحتل في عهده المرتبة الثالثة بعد الدائرتين العربية والإسلامية، وحاليا تحتل المرتبة الثانية بعد الدائرة العربية).

وازداد هذا الاهتمام مع بداية الحديث عن أهمية إصلاح الأمم المتحدة وتوسيع العضوية في مجلس الأمن باعتباره الجهاز الدولي المنوط به حفظ السلم والأمن الدوليين، وضرورة حصول أفريقيا على مقعدين دائمين به.

وهو ما دفع مصر إلى تنشيط دورها في أفريقيا من جديد خاصة في مجال الأمن وحفظ السلام في مواجهة القوى المنافسة لها في هذا الشأن خاصة نيجيريا في غرب القارة، وجنوب أفريقيا في الجنوب. أي أن مصر أرادت أن تلعب دور صانع السلم والأمن في القارة الأفريقية، بما يؤهلها للوصول إلى مجلس الأمن.

علاوة على ذلك كانت هناك مجموعة من التحديات الداخلية دفعتها للاهتمام بالدائرة النيلية خاصة، والدائرة الأفريقية عامة أبرزها ما يلي:

1- الندرة المائية الراهنة، حيث أدى تزايد عدد السكان، مع ثبات كمية المياه الواردة إلى مصر منذ اتفاقية 1956 (تقدر بـ55 مليار متر مكعب سنويا) إلى وجود حالة من الندرة المائية، حيث تعيش مصر الآن تحت خط الفقر المائي (مقدار هذا الخط ألف متر مكعب للفرد سنويا، في حين يبلغ متوسط دخل الفرد المصري من المياه 985 مترا مكعبا عام 2000، ويتوقع أن يصل إلى 500 متر مكعب عام 2020).

ومعنى ذلك أن مصر مطالبة بتوطيد علاقاتها مع دول حوض النيل خلال الفترة القادمة، ومحاولة التوصل لاتفاقيات جديدة تسمح بزيادة كميات المياه الواردة إليها.

وربما كان هذا أحد أهداف زيارة مبارك لأوغندا من أجل إدخال مبادرة حوض النيل التي اقترحها عام 1999 موضع التنفيذ، والتي تستهدف إقامة مشاريع مشتركة بين دول الحوض العشر بما يعود بالنفع عليها جميعا.

2- الأوضاع الاقتصادية السيئة، حيث أن ربع السكان في مصر يعيشون تحت خط الفقر (حد الفقر العالمي ألف دولار للفرد سنويا). وهو ما يتطلب ضرورة البحث عن أسواق واعدة لتصريف المنتجات المصرية، وهنا تبرز أهمية السوق الأفريقية التي تقارب الآن حاجز الـ900 مليون نسمة.

3- الثقل العسكري للقوات المسلحة المصرية، فمصر تمتلك أقوى قوة عسكرية على مستوى القارة الأفريقية ككل سواء من حيث عدد القوات، أو من حيث مستوى التسليح، هذه الإمكانيات الضخمة يمكن أن تدفع مصر للعب دور فعال في عمليات حفظ السلام في القارة، بما قد يؤهلها لتبوء مقعد دائم في مجلس الأمن عن أفريقيا حال إدخال بعض الإصلاحات على الأمم المتحدة.

تنافس أم تعاون؟
"
جنوب أفريقيا تعد أحد الأقطاب الفاعلة في القارة الأفريقية عامة، وفي منطقة الجنوب الأفريقي خاصة، ومن هنا فقد شهدت العلاقات المصرية مع جنوب أفريقيا حالة من التنافس في الأعوام العشرة الماضية
"
أما إذا انتقلنا للعلاقات المصرية مع جنوب أفريقيا، ومدى تأثيرها في الأمن القومي، فلا بد من التوضيح بداية أن جنوب أفريقيا تعد أحد الأقطاب الفاعلة في القارة الأفريقية عامة، وفي منطقة الجنوب الأفريقي خاصة، ومن هنا فقد شهدت العلاقات المصرية مع جنوب أفريقيا حالة من التنافس خلال الأعوام العشرة الماضية لعل أبرزها ما يلي:

1- السعي لاستضافة نهائيات كأس العالم 2010، والتي كانت من نصيب جنوب أفريقيا التي يبدو أنها وظفت دورها الإقليمي في القارة في الحصول على التأييد الدولي في مقابل مصر التي لم تحصل على أي صوت داخل لجنة الفيفا في الفضيحة المشهورة بصفر المونديال.

2- التنافس حول استضافة برلمان عموم أفريقيا، والذي كان من نصيب جنوب أفريقيا أيضا.

3- السعي للحصول على مقعد دائم في مجلس الأمن عن أفريقيا حال قيام الأمم المتحدة بعملية إصلاح مؤسساتها، واختلاف رؤي كلا الجانبين في ذلك، فمصر تطرح فكرة التناوب على المقعدين الدائمين، في حين تعارض كل من جنوب أفريقيا ونيجيريا ذلك.

4- القيام بدور فاعل على مستوى القارة الأفريقية ودول العالم الثالث بصفة عامة، فقد أثار قيام منتدى الحوار الجنوب أفريقي مع كل من البرازيل والهند، الذي يستهدف دعم أواصر التفاهم والحوار، وتبادل الدعم على الصعيد الدولي، مخاوف الدول الأفريقية الكبرى المنافسة لجنوب أفريقيا، ومنها نيجيريا ومصر.

وفي هذا الصدد عبّرت سفيرة مصر في جنوب أفريقيا عن رفضها لأن تعبر دول المنتدى الثلاث عن مصالح ومطالب دول العالم الثالث، وتسعى لقيادتها دونما تفويض من تلك البلدان، معتبرة في الوقت ذاته أن هذه الدول الثلاث لا تمثل بأي حال الدول النامية في العالم.

الأمن القومي المصري
"
جنوب أفريقيا لا تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري خاصة إذا ما عرفنا أن الدائرة النيلية والبحر الأحمر هي التي يمكن أن تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري في أفريقيا
"
لكن هل معنى ذلك أن جنوب أفريقيا تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري؟

الاجابة لا، خاصة إذا ما عرفنا أن الدائرة النيلية والبحر الأحمر هي التي يمكن أن تشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري في أفريقيا، وهذه الدائرة لا تتمتع فيها جنوب أفريقيا بنفوذ يذكر، خاصة وأن جنوب أفريقيا ليست عضوا في تجمع الكوميسا (السوق المشتركة للشرق والجنوب الأفريقي) الذي يضم دول حوض النيل العشر بما فيها مصر.

ومن ثم فإن المجال الحيوي لجنوب أفريقيا والمتمثل في الجنوب تحديدا ثم الشرق، بعيد إلى درجة كبيرة عن المجال الحيوي لمصر الذي يركز بالأساس على دول حوض النيل، خاصة السودان وإثيوبيا، فكينيا، ثم باقي دول الحوض بدرجات متفاوتة.

صحيح أن هناك منطقة تماس مشتركة بين الجانبين، والمتمثلة في التداخل الجغرافي بين السادك (الجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي) والكوميسا خاصة في ظل وجود ازدواجية في العضوية لعشر دول، لكن هذه الازدواجية يصعب القول بأنها تشكل تهديدا للأمن القومي المصري، لأن جنوب أفريقيا مهتمة في المقام الأول بالدول الجنوبية الأعضاء في السادك، فضلا عن دول الساكو (الاتحاد الجمركي للجنوب الأفريقي)، في حين أن مصر تركز على دول الشرق.

ومن ثم فإنه من غير المتوقع حال سعي كل دولة لمد نفوذها الخارجي حدوث صدام يهدد الأمن القومي للطرف الأخر، خاصة إذا عرفنا أن مصر لا تزال تخطو خطواتها الأولى في طريق التغلغل الأفريقي من خلال الكوميسا ( بلغ حجم تجارتها الخارجية معها 772 مليون دولار فقط عام 2006).

وفي المقابل فإن جنوب أفريقيا تركز على توطيد العلاقة بين السادك والساكو، ومن هنا فإنه من المتوقع أن تشهد العلاقات -في أسوأ تقدير- نوعا من التنافس الاقتصادي حال تطبيق منطقة التجارة الحرة بين السادك والكوميسا.

وإذا انتقلنا إلى المستوى القاري، فإن العلاقة تنافسية أكثر منها تهديدية للأمن القومي، خاصة إذا علمنا أن عملية إصلاح الأمم المتحدة وتوسيع مجلس الأمن قد تستغرق وقتا طويلا، فضلا عن إمكانية تخصيص مقعدين قد يقلل من حدة الصراع، بل قد يؤدي إلى حدوث تنسيق بينهما على حساب طرف ثالث مثل نيجيريا.

ومن هنا يمكن فهم أسباب تأكيد القيادة المصرية على أن الهدف من زيارة جنوب أفريقيا هو التأكيد على مبدأ التعاون لا التنافس، وهو ما انعكس على أجندة الزيارة والتي أسفرت عن توقيع اتفاق نوايا بشأن التعاون في العديد من المجالات التجارية والاستثمارية.

مصر وأوغندا ومعضلة المياه
"
زيارة مبارك لأوغندا ترجع إلى أهمية أوغندا كإحدى دول حوض النيل، والتي تطل على بحيرة فكتوريا التي تمد مصر بـ15% من حصتها النيلية التي تقدر بـ55 مليار دولار
"
أما زيارة مبارك لأوغندا فترجع إلى أهمية أوغندا كإحدى دول حوض النيل، والتي تطل على بحيرة فيكتوريا التي تمد مصر بـ15% من حصتها النيلية التي تقدر بـ55 مليار دولار، خاصة وأن أوغندا كانت إحدى الدول المعترضة (بالاضافة إلى كينيا وتنزانيا) على اتفاقية 1929 بشأن حصة مصر من مياه النيل على اعتبار أن الذي وقعها آنذاك هو الاستعمار البريطاني.

ومن هنا يمكن فهم أسباب عدم دخول مبادرة حوض النيل حيز التنفيذ إلى الآن بسبب الخلاف حول نقطتين أساسيتين هما عدم الاعتراض على الاتفاقات السابقة بشأن تقسيم المياه (وجهة نظر مصر والسودان)، وضرورة الحصول على موافقة دول الحوض قبل الشروع في أي مشروع قد يؤثر على حصة باقي الدول من المياه، وهو ما أثار حفيظة دول المنبع خاصة إثيوبيا.

ومن هنا فإن مصر استهدفت من الزيارة استغلال الثقل الذي تتمتع به أوغندا في المنطقة خاصة في إطار منظمة الإيغاد من أجل إقناع الدول المعترضة على دخول مبادرة حوض النيل حيز التنفيذ.

كما أن موضوع جنوب السودان لم يكن غائبا عن المحادثات مع الرئيس موسيفيني خاصة في ظل علاقاته الوطيدة مع الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان، ولا شك أن اختيار الحركة خيار الانفصال قد يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي المصري.

أما الموضوع الثالث، فهو استغلال مصر الأراضي الزراعية الشاسعة في أوغندا من خلال مشاريع مشتركة تستهدف إنتاج المحاصيل الزراعية التي يحتاج إليها كلا البلدين، خاصة في ظل الارتفاع الرهيب في أسعار هذه السلع.


وهكذا تفتح القارة السمراء ذراعيها لمصر من أجل الاستفادة من ثرواتها، خاصة وأن سجل مصر الأفريقي تاريخيا مشرف. ولكن يبقى التساؤل. هل الاهتمام المصري الأخير هو جزء من إستراتيجية مستقبلية ثابتة، أم أنه اهتمام مؤقت سرعان ما يزول بزوال الدوافع الكامنة وراءه؟
________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة