حماس بين سلطة فتح وسؤال التسوية والمقاومة   
السبت 1426/12/29 هـ - الموافق 28/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 23:39 (مكة المكرمة)، 20:39 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


لسنا من المؤمنين بعجز الحركات الإسلامية عن إدارة الدولة في العالم العربي أو الإسلامي، فهؤلاء الذين يديرونها هنا وهناك ليسوا عباقرة زمانهم لكي لا يتوفر في الحركات الإسلامية مثلهم، كما أن الأطراف الأخرى ذات المصداقية والخبرة لن تقول للإسلاميين "لا" إذا ما عرضوا عليها المشاركة في الحكومة أو السلطة.

نقول ذلك ابتداء لأن هناك من سعى إلى الخلط بين فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية ومسألة الفشل المتوقع والطبيعي للحركات الإسلامية في إدارة الدول لو وصلت إلى السلطة.

ذلك أن زهد حماس في السلطة وعدم سعيها تبعا لذلك نحو تحقيق الغالبية التي تحققت لم يكن بسبب ما ذكر آنفا، وإنما لاعتبارات تخص الوضع الفلسطيني ولا تتوفر في سواه، مع أن حديث بعض قياداتها لا يعترف بعدم السعي إلى الفوز، وهو أمر طبيعي على أي حال.

"
في الحالة الفلسطينية لسنا أمام صراع عادي بين شعبين أو دولتين بل أمام صراع له امتداداته العربية والإقليمية والدولية، إذ إن المحتل هو الشعب الأكثر نفوذا في العالم هذه الأيام، من أجله يقف العالم على قدميه ويستنفر على نحو استثنائي
"
الوضع الفلسطيني يتمتع أو يعاني بتعبير أدق من فرادة تجعله أكثر صعوبة بكثير مما سواه، فنحن هنا لسنا إزاء دولة مستقلة ذات سيادة، حتى بمنطوق السيادة الناقص الذي تعاني منه الدولة القطرية العربية والإسلامية في ظل السيطرة الغربية على العالم.

السلطة الفلسطينية هي في واقع الحال وضع ملتبس بين الدولة المستقلة والدولة أو المنطقة الواقعة تحت الاحتلال، والنتيجة أنها حكم ذاتي تحت الاحتلال.

لكنه ليس حكما ذاتيا يقبل وضعه ويتعايش معه، بل يصارع من أجل الخروج إلى أفق الدولة والاستقلال ومن أجل تحرير ما تبقى من أرضه، وما تبقى للمفارقة هو 98.5% من أرضه التاريخية إذا اعتبرنا أن قطاع غزة قد تحرر، مع أنه لم يتحرر بالكامل، وربما أكثر من 90% إذا اعتبرنا أن ما تتدخل السلطة في إدارته (إدارته وليس سيادته أو شؤونه الأمنية) من الضفة الغربية هو ما يتركه الجدار الأمني الإسرائيلي منها.

في هذا السياق نحن أمام سلطة حكم ذاتي يتحكم الاحتلال بمداخلها ومخارجها، ويتحكم بمائها وكهربائها وحركة أفرادها، لكن ذلك ليس كل شيء، إذ إنه يتحكم بها من النواحي الأمنية ويدخل مناطقها وقتما يشاء ويعتقل ويقتل على النحو الذي يحب.

قدم شلومو غازيت، وهو قائد سابق للاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، في مقال نشرته صحيفة معاريف الإسرائيلية في 17/1/2006، وصفا لوضع السلطة يستحق الإشارة.

قال ما نصه "الحكم العسكري، رسميا، قد انتهى، ولكن الاحتلال العسكري الإسرائيلي بقي إلى الآن ولم ينته، وإسرائيل تواصل العمل والنشاط في المناطق المحتلة، وهي تفعل ذلك الآن دون حدود ودون أي رادع. إضافة إلى ذلك فقد حولت إسرائيل احتلالها للأراضي المحتلة خلال السنوات العشر الأخيرة إلى "احتلال ديلوكس" ليس من ناحية ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني منها، ولكن من ناحية الطريقة المريحة التي تدير بها ذلك الاحتلال".

هذه هي السلطة التي يريد البعض امتحان حماس من خلالها إن كانت قادرة على تحقيق المعجزات أم لا؟

لكن ذلك ليس كل شيء، فنحن في الحالة الفلسطينية لسنا أمام صراع عادي بين شعبين أو دولتين بل أمام صراع له امتداداته العربية والإقليمية والدولية، إذ إن المحتل هو الشعب الأكثر نفوذا في العالم هذه الأيام، من أجله يقف العالم على قدميه ويستنفر على نحو استثنائي.

إنه صراع تاريخي معقد، هو الأكثر أهمية بالنسبة للإمبراطورية الكبرى في التاريخ ممثلة في الولايات المتحدة، ليس فقط تبعا لأهمية الدولة العبرية بالنسبة لمصالح تلك الإمبراطورية، وإنما أيضا بسبب هيمنة اليهود، بل الليكوديين من بينهم على القرار السياسي.

"
حماس ستكون أمام مشكلتين أساسيتين، تتعلق أولاهما بإصلاح أوضاع السلطة، أجهزة أمنية ومؤسسات، وتتعلق الثانية بالمقاومة والتفاوض
"
والذي لا يقل أهمية عن ذلك بالنسبة لحركة حماس هو أننا إزاء سلطة بنيت في ظروف استثنائية، لا كما تبنى الدول، فقد بنيت على أساس فصيل واحد يتحكم في كل شيء، وهو الذي يتحكم بالأجهزة الأمنية والمخابرات عموما، فضلا عن الوزارات والمؤسسات.

وعندما نتحدث عن سلطة أقيمت في ظل ظرف استثنائي ورفض عارم لمسار أوسلو الذي أنتجها، ومن قبل فصيل معين، فإننا نتحدث عن سلطة أقيمت على نحو فاسد من رأسها حتى أخمص قدميها، الأمر الذي يؤكد أننا إزاء وضع بالغ التعقيد.

قد يقال هنا، ولكن لماذا تشارك حماس في وضع من هذا النوع؟ وهنا نشير إلى معارضتنا لتلك المشاركة من الأصل، إيمانا منا بأن خيار الأقلية مشكلة، لكن خيار الأغلبية مشكلة أكبر.

غير أن المؤيدين الذين لم يخطر ببالهم الفوز بالغالبية بحال من الأحوال رأوا إمكانية تحقيق جملة من المكاسب من الوجود في المجلس التشريعي، على رأسها تخفيف أعباء المرحلة السياسية الجديدة ممثلة في خريطة الطريق ومتطلباتها التي تستعيد متطلبات أوسلو في مطاردة الفصائل وتفكيك بنيتها التحتية.

من هنا يمكن القول إن حماس ستكون إزاء مشكلتين أساسيتين، تتعلق أولاهما بإصلاح أوضاع السلطة أجهزة أمنية ومؤسسات، وتتعلق الثانية بالمقاومة والتفاوض، والسؤال هو كيف ستتصرف الحركة إزاء هاتين المشكلتين.

بالنسبة للمشكلة الأولى الأكثر تعقيدا من وجهة نظري يمكن القول إن ما سيزيدها تعقيدا هو سلوك حركة فتح التي لن تألو جهدا في السعي إلى إفشال التجربة بكل الوسائل الممكنة المشروعة وغير المشروعة.

وسيكون عماد تحركها هو العمل على استمرار السيطرة على مفاصل السلطة، وعدم السماح لحماس بإحداث تغيير جوهري فيها، ما يعني أن غنمها سيكون لفتح، أما غرمها أمام الناس فعلى حماس.

إنها تلك المعادلة التي ستشتغل بها فتح مع الأسف، وتتمثل في منح حماس الحكومة مفرغة من مضمونها، ما يذكر بمقولة لعبد الوهاب الآنسي، أحد قيادات التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي في اليمن الذي شغل منصب رئيس الوزراء في حكومة التحالف مع حزب المؤتمر الحاكم خلال التسعينيات، حيث قال، "شاركنا في الحكومة ولم نشارك في السلطة".

"
محاولة حماس إحداث تغيير سريع في الوضع قد تواجه بردة فعل عنيفة من قبل فتح، وقد تفضي إلى انقلاب على شاكلة الانقلاب الجزائري
"
من المؤكد أن محاولة حماس إحداث تغيير سريع في الوضع قد تواجه بردة فعل عنيفة من قبل فتح، وقد تفضي إلى انقلاب على شاكلة الانقلاب الجزائري، مباشرة أو من خلال الاحتجاج بتضارب الصلاحيات مع الرئيس المنتخب، وهو قائد فتح عمليا.

وهذا الأمر قد يفضي إلى حل البرلمان وإعلان حالة الطوارئ استنادا إلى حساسية الوضع الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.

لمواجهة هذا الموقف المعقد، وفي ظل صعوبة المواجهة مع حركة فتح وكلفتها الباهظة على الشعب الفلسطيني، فإن على حماس أن تفكر، وهي قد تفعل ذلك، بحكومة "تكنوقراط" يرأسها شخص مستقل مشهود له بالنزاهة تكون مهمتها معالجة الأوضاع الداخلية أمنيا ومؤسسيا من أجل تخفيف أعباء الحياة على الشعب الفلسطيني.

وإذا قيل إن الخارج الأميركي والأوروبي لن يقدم للفلسطينيين مساعدات، فإن على حماس أن تلجأ إلى الدول العربية وإلى الشارع العربي والإسلامي برمته تحت شعار ساعدوا الفلسطينيين في مواجهة من يريدون إذلالهم.

وفي اعتقادي أن المدد سيكون كبيرا، لا سيما حين يكون شعار المقاومة هو المتبنى في مواجهة الاستخفاف الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني وحقوقه.

بوسع مثل هذه الحكومة أن تبادر إلى إصلاحات تخفف أعباء الحياة على الفلسطينيين، في ذات الوقت الذي تساعدهم فيه على مواجهة الضغوط الإسرائيلية والدولية، ومن ثم أعباء المقاومة عندما يكون الخيار هو استمرارها بعد انتهاء التهدئة بتوافق وطني.

المسألة الثانية التي ستواجه حماس هي مسألة المفاوضات والمقاومة، وهنا يمكن القول إن هذه المشكلة ليست بالغة التعقيد إذا ما نجحت الحركة في التعامل مع المشكلة الأولى، وإذا ما أحسنت ترتيب أوراقها على النحو المطلوب.

ما يجب أن يقال ابتداءً هو أن ما سيسهل التعاطي مع هذا الملف هو أن أزمة التسوية لم تكن يوما أزمة الفلسطينيين، وإنما أزمة الإسرائيليين الذين لا يريدون منح الفلسطينيين شيئا يذكر.

ونتذكر مقولة ياسر عرفات إنه لم يكن يطلب المستحيل وإنما دولة على الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها القدس، في حين كان بوسعه التجاوز عن مسألة اللاجئين، لكنهم لم يحتملوه فقتلوه.

ضمن هذه الرؤية على حماس أن تتعامل مع هذا الملف، إذ يجب الحذر من استدراجها إلى مقولات الاعتراف بالدولة العبرية التي يرددها قادة الغرب والشرق، إذ إن الإسرائيليين هم الذين يجب أن يعترفوا بالحقوق الفلسطينية، وينفذوا قرارات ما يسمى الشرعية الدولية، وحين يفعلون ذلك يكون لكل حادث حديث.

ينبغي أن تتحول هذه المقولة إلى لازمة على ألسنة المتحدثين باسم حماس، إذ لا رد على مقولات الموقف السياسي غير المطالبة بتنفيذ الإسرائيليين لمطلب الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس وعودة اللاجئين والإفراج عن الأسرى، وبعد ذلك لكل حادث حديث.

ليس ثمة ما يمكن التفاوض عليه أو الحديث بشأنه، ولا ينبغي أن تكرر حماس أخطاء فتح، إذ القرارات الدولية واضحة، فلتتفضل إسرائيل بتنفيذها وبعد ذلك لكل حادث حديث، ولا اعتراف بخريطة الطريق ولا بأي شيء آخر ينتقص من حقوق الفلسطينيين التي يعترف بها العالم.

يمكن بالطبع حل هذه الإشكالية عبر جملة من الخطوات إذا كان لا بد من عملية سياسية تتواصل، فمن جهة يمكن استعادة الحديث عن إحالة مرجعية التفاوض لمنظمة التحرير، ولكن بعد تشكيلها على أسس جديدة تأخذ في الاعتبار توزيع القوى في الساحة الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة.

يمكن أيضا تشكيل لجنة وطنية من رموز فلسطينية من الداخل والخارج تأخذ على عاتقها إدارة العملية السياسية ضمن مرجعية وطنية عنوانها دحر الاحتلال عن الضفة الغربية وقطاع غزة وإعادة اللاجئين والإفراج عن المعتقلين، كما يمكن إحالة الملف إلى مصر إن قبلت بذات الشروط المطروحة.

"
ما يجب أن يكون واضحا هو أن الوضع العربي والدولي البائس الناتج عن الغطرسة الأميركية في العراق وأفغانستان لن يتواصل طويلا، إذ سيكون في طريق التغيير مع تواصل الفشل الأميركي
"
أما مسألة الاعتراف من عدمه فلا ينبغي الخوض فيها، إذ إنها ليست ضرورية في كل الأحوال، وطالما شاركت في الحكومات الإسرائيلية أحزابا لا تعترف بشيء اسمه الشعب الفلسطيني، فلماذا يراد من حماس أن تعترف باحتلال اليهود لما نسبته 78% من أرض فلسطين التاريخية؟

ونتذكر أن حزب الله قد حقق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني من دون قيد أو شرط.

يتبع هذا الملف بالطبع ملف المقاومة، وهنا لا بد من توفير إجماع وطني على برنامج المقاومة بشعار مرحلي عنوانه دحر الاحتلال عن الضفة الغربية وقطاع غزة من دون قيد أو شرط، بصرف النظر عن السلوك الإسرائيلي المقابل، وعما إذا كان سيمضي في الاتجاه الذي اختطه شارون وتبناه خلفه أولمرت، أي الانسحاب أحادي الجانب من الضفة الغربية وحشر الفلسطينيين في تجمعاتهم السكانية شرق الجدار.

هنا لا ينبغي أن تكرر حماس خطأ السلطة بقبول تنسيق الانسحاب مع الإسرائيليين كما حصل في قطاع غزة، الأمر الذي تركه رهينة بيد الإٍسرائيليين، بل يجب أن ترفض ذلك وتعلن استمرار المقاومة بكل الوسائل المتاحة، سلمياً وعسكرياً.

ما يجب أن يكون واضحاً هنا هو أن الوضع العربي والدولي البائس الناتج عن الغطرسة الأميركية في العراق وأفغانستان لن يتواصل طويلاً، إذ سيكون برسم التغيير مع تواصل الفشل الأميركي.

وحين يحدث ذلك لن يكون بوسع الإسرائيليين أن يفرضوا على الفلسطينيين ما يريدون وسيكون بوسع خيار المقاومة والصمود الذي حرر قطاع غزة أن يحرر الضفة الغربية أيضاً.

وإن لم يحدث ذلك وتواصلت الغطرسة الإسرائيلية فسيتواصل الصراع برمته كرافعة للوضع العربي والإسلامي وصولاً إلى حل جذري يقتلع المشروع الصهيوني من المنطقة، ويضع الأمة على سكة الوحدة والنهوض.


جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة