هل الإدارة الأميركية بصدد تغيير سياساتها ؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

* بقلم/غراهام فولر

لم تكن الأحداث التي جرت خلال الأسابيع القليلة الماضية مبشرة لإدارة الرئيس الأميركي جورج بوش. وبناء عليه لربما نشهد تحولا في مسار السياسة الخارجية الأميركية وإعادة النظر بشكل جدي في إستراتيجيتها وأساليبها وإدارييها.

ففي المقام الأول الأحداث في العراق لا تسير على ما يرام، إذ يقتل جندي أميركي واحد على الأقل كل يوم. وهذا أمر لا أهمية له من الناحية العسكرية، لكنه دون شك له تداعيات سياسية على الشعب الأميركي الذي يموت أبناؤه في زمن السلم وليس خلال فترة الحرب.

ثانيا من المؤكد أن الإدارة الأميركية قلقة للغاية بشأن إعادة بعض جنودها إلى الولايات المتحدة والبحث عن جنود من دول أخرى يحلون مكانهم.

وهذا ليس بالأمر اليسير. فمعظم دول أوروبا الشرقية الصغيرة أو الدول الأخرى التي قدمت عددا قليلا من الجنود لا تملك جنودا مدربين بشكل جيد في مجال العمليات العسكرية أو الأمنية، ولكن ربما أمكنهم القيام بمهام رجال الشرطة.


دول أوروبا الغربية لا ترغب في تقديم المساعدة للرئيس بوش في الوقت الراهن، إذ تشترط تدويل احتلال العراق مع إعطاء حلف الأطلسي أو الأمم المتحدة دورا بارزا في العمليات الخاصة بالعراق
أما دول أوروبا الغربية فهي لا ترغب في تقديم المساعدة للرئيس بوش في الوقت الراهن، إذ تشترط تدويل احتلال العراق مع إعطاء حلف الأطلسي أو الأمم المتحدة دورا بارزا في العمليات الخاصة بالعراق، وبالنسبة للرئيس بوش فهو لا يبدي استعدادا لتقديم مثل هذا التنازل.
بناء عليه فإن القليل من دول أوروبا الغربية يمكنها تقديم المساعدة للأميركيين في الوقت الراهن.

أما بالنسبة للهند فهي ترفض إرسال قواتها للعراق دون مباركة من الأمم المتحدة. وقد ترفض تركيا إرسال قواتها دون موافقة الأمم المتحدة أو الناتو، وهذه الموافقة أمر غير وارد في الظروف الراهنة.

ثم ما هو رد الفعل المتوقع لوجود قوات تركية داخل العراق وعلى وجه الخصوص في مناطق السنة، حيث ينظر إلى الأتراك كعملاء للأميركيين أو كقوة عثمانية جديدة تسعى لترسيخ الطموحات التركية الإقليمية. إذن لن تتمكن واشنطن من التخلص من أعبائها العسكرية في العراق في المستقبل المنظور.

أما إذا تنامت قوة المقاومة العراقية، فستجد واشنطن نفسها مضطرة إلى اللجوء إلى طلب الدعم من الأمم المتحدة، وهي لا ترغب في ذلك الآن لأنها ترى في مثل هذا الطلب اعترافا منها بالخطأ الذي ارتكبته في رفضها اللجوء إلى الأمم المتحدة مسبقا قبل شن الحرب على العراق.

إن الاقتصاد العراقي بقطاعه النفطي لا يسجل نموا مضطردا بالدرجة التي كانت تتوقعها واشنطن. وعليه فإن تكلفة دعم الاقتصاد العراقي ستزداد. وهذه تكلفة غير متوقعة ولا تجد تأييدا لدى واشنطن التي كانت تظن أن تكلفة الحرب العراقية سيتم خفضها سريعا.

وبينما تشكل عملية قتل عدي وقصي نقطة إيجابية لبوش والشعب العراقي فهي لا تضع بالضرورة نهاية لحرب العصابات الموجهة ضد القوات الأميركية.

وهناك سؤال هام وهو كم من الوقت ستظل المقاومة قاصرة على مناطق السنيين العرب؟ أما الشيعة فإن معظم قادتهم تجنبوا المواجهة العسكرية مع القوات الأميركية ودعوا العراقيين إلى التزام الصبر. إلا أن صبرهم سينفد إذا طال احتجابهم عن تولي السلطة في بغداد، الأمر الذي يعتبرونه ضمن استحقاقاتهم المشروعة.

وفيما يتعلق بقيادة مقتدى الصدر الشيعية الإسلامية الراديكالية فهي تدعو إلى المزيد من المواجهة مع الولايات المتحدة، إلا أن مثل هذه الدعوة قد تأتي بنتائج عكسية إذا ما رأت غالبية الشيعة منح الولايات المتحدة المزيد من الوقت لإعادة تعمير البلاد.

إن الاحتلال الأميركي يتيح لكافة الفئات السياسية في العراق برهة من الوقت لكي تتمكن خلالها من تنظيم صفوفها بهدوء وروية بدلا من إجبارها على استنفاد طاقاتها في صراعات داخلية.

عملية البحث عن أسلحة الدمار الشامل لم يحالفها النجاح حتى الآن، مما أضر نوعا ما بمصداقية الرئيس بوش

إن عملية البحث عن أسلحة الدمار الشامل لم يحالفها النجاح حتى الآن، مما أضر نوعا ما بمصداقية الرئيس بوش، وأثار غضب المسؤولين بالمخابرات الأميركية (سي آى أي) التصرف الخاطئ وسوء الاستخدام والمبالغة في المعلومات الاستخباراتية من قبل البيت الأبيض، كما تعرضت واشنطن للكثير من الإضرار بمصداقيتها من خلال توجيه إدعاءات مماثلة ضد إيران تتعلق بالإرهاب وإنتاج أسلحة الدمار الشامل.

أما مجلس الحكم العراقي الجديد فتكتنفه الكثير من علامات الاستفهام الكبيرة. فعلى الرغم من أنه ليس مجلسا منتخبا إلا أنه يتيح درجة عالية من التمثيل لكافة القوى داخل العراق، بما في ذلك عدد لا يستهان به من الإسلاميين الشيعة والسنة. وقد أتاح هذا المجلس أكبر درجة من التمثيل للقوى في تاريخ العراق الحديث.

ولكن ما هو مقدار السلطات التي يتمتع بها هذا المجلس؟ فإذا لم يتمكن من تقديم ما يفيد العراقيين ولم يطلب تخويله المزيد من السلطات من قبل الحاكم المدني الأميركي للعراق بول بريمر، فهو قد يفقد مصداقيته وشرعيته عندما يوصف بكونه مجرد أداة أميركية. وستثبت الأيام قدرة المجلس على اكتساب أو فقدان المصداقية خلال الشهور القليلة القادمة.

هناك إشاعات تدور في واشنطن حاليا بأن بعض الوجوه الأساسية في الإدارة الأميركية سيتم تغييرها في القريب العاجل، وهم وزير الدفاع رمسفيلد ومستشارة الأمن القومي كوندوليزا رايس علاوة على وولفويتز وفيث (وهما رقم 2 و3 في البيت الأبيض).

وهناك إشاعات تفيد أيضا بأن وزير الخارجية السابق جيمس بيكر ومستشار الأمن القومي السابق برنت سكاوكروفت (خدم كلاهما خلال فترة رئاسة الرئيس بوش الأب) قد يتم استدعاؤهما للعودة إلى العمل.

وعلى أي حال لا يوجد ما يبرر تصديق أي من هذه الإشاعات في الوقت الراهن، إلا أنه من المثير للاهتمام إنها تعكس إمكانية العودة إلى السياسة الخارجية الجمهورية التقليدية والتي تتسم بطبيعتها التعددية.

وربما دفع هذا الأمر القوى التقليدية داخل الحزب الجمهوري إلى حث الرئيس بوش إلى التخلص من هذه الشخصيات المثيرة للجدل والعودة إلى العمل بالسياسات التقليدية. وبغض النظر عن صحة هذه الإشاعات أو عدمها، فهي تعكس عدم الرضا بين الأوساط الحاكمة في العاصمة الأميركية.

وهناك أيضا العديد من الجمهوريين المحافظين داخل الكونغرس الأميركي ممن يوجهون انتقادات حادة للبيت الأبيض فيما يتعلق بالميزانيات الضخمة التي ينفقها والعجز الضخم للموازنة الذي حققته الميزانية الجديدة.

ومن المثير للاهتمام أيضا فإن هؤلاء المحافظين يعارضون السلطات الأمنية التي تقتحم خصوصيات المواطنين والتي أقرها البيت الأبيض منذ 11 سبتمبر، وهؤلاء ينتهجون فلسفة الرفض للتدخلات الحكومية في خصوصيات الناس.

إن إعلان البيت الأبيض وجود عجز ضخم في الموازنة الجديدة بقدر فاق كثيرا توقعات الإدارة الأميركية التي وضعتها قبل عدة أشهر يشير بوضوح إلى أن الاقتصاد الأميركي لم يتحسن. إضافة إلى ذلك فإن الموقف الاقتصادي في كل الولايات وعلى رأسها كاليفورنيا سيئ. فهذه الولاية تواجه عجزا ضخما في الموازنة مما يستدعي خفض الإنفاق على الخدمات الاجتماعية.


ربما أحس الشعب الأميركي بالتعب من تدخلات إدارة الرئيس بوش العديدة في كافة أرجاء العالم ويخشى عليها من الوقوع ضحية للطموحات الزائدة
ولربما أحس الشعب الأميركي بالتعب من تدخلات إدارة الرئيس بوش العديدة في كافة أرجاء العالم ويخشى عليها من الوقوع ضحية للطموحات الزائدة. وكما أوضحت في مقالتي السابقة فإن معظم الأميركيين لا يرتاحون لفكرة بناء إمبراطورية أميركية.

وفي خلال الشهور القليلة الماضية زادت الصحافة الأميركية من انتقاداتها لإدارة الرئيس بوش مقارنة بالفترة التي سبقت الحرب. وفي ظل غياب حرب فعلية يشعر الكثير من الناس بالرغبة في انتقاد سياسة بوش الخارجية.

ومن الناحية الأخرى فإن الحزب الديمقراطي ما زال يعاني من حالة الضعف الشديد، فهناك ما لا يقل عن ستة مرشحين ديمقراطيين لا يملك أي منهم قدرة على التميز عن الآخرين ولا يتفقون حول الطريقة التي يوجهون بها النقد لإدارة بوش.

وهناك مرشح واحد مقبول ولكنه لم يتقدم لترشيح نفسه بعد، وهو الجنرال ويسلي كلارك، وهو جنرال قيادي سابق وقائد قوات الناتو، كما أنه موضع اهتمام كدبلوماسي، ويملك شعبية واسعة بين الأوروبيين وذو توجهات تعددية وناقد فذ لسياسة بوش الخارجية.

وقد يكون ويسلي كلارك هو المرشح القوي الوحيد الذي قد يتمكن من هزيمة جورج بوش خاصة في شؤون الاستخبارات والأمن والسياسة الخارجية.

وبناء على ماسبق فإن واشنطن حاليا تعيش ظروفا جديدة، ولكن من المبكر جدا التكهن بنتائج انتخابات تبدأ بعد 15 شهرا. ومن الواضح الآن أن فريق إدارة الرئيس بوش لم يعد يتمتع بذلك النجاح والشعبية المطلقة التي نالهما في السابق.

إن قوة وتصميم الإدارة الأميركية قد مكنتها من فرض العديد من سياساتها على العالم ولعدة أشهر مدعومة بقوة تصديها لأسامة بن لادن، ولكن القوة والعزيمة لا يمكنهما تحقيق النجاح الدائم إذا كانت تلك السياسات خاطئة. وفي اعتقادي أن الوقت بدأ ينفد بالنسبة للمغامرة التي يقودها المحافظون الجدد.

ــــــــــــــــــ
* كاتب أميركي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة