دحلان في رسالة البراءة والهجوم على الرئيس   
الثلاثاء 1432/7/14 هـ - الموافق 14/6/2011 م (آخر تحديث) الساعة 15:25 (مكة المكرمة)، 12:25 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


من الواضح أن محمد دحلان نفسه هو الذي سرّب الرسالة التي بعثها لرئيس اللجنة المركزية لحركة فتح بتاريخ 23/4، وذلك ردا على نوايا فصله ومحاكمته التي كانت تلوح في الأفق، وانتهت فعلا بفصله من الحركة وتحويله إلى النائب العام بتهم فساد وقتل كما ذكرت بعض الأوساط الفتحاوية.

في الرسالة ما يستحق التوقف بالطبع، لاسيما أن غضب دحلان لا يعني رضا الآخرين الذين لا يملكون قدرته على التمرد، لاسيما بعد إدراك الجميع لحقيقة أن الرئيس هو الذي يمسك بكل الخيوط في الحركة والسلطة والمنظمة، ربما أكثر من ياسر عرفات في أيام عزه، لأن الأخير لم يكن وحيدا في الميدان في أكثر الأوقات، إذ طالما تصدى له رموز كبار رحلوا قبله، فيما تصدى له آخرون بعد ذلك (في السياق الأول كان أبو جهاد وأبو إياد، وفي الثاني دحلان وعباس بمحاولتهما الانقلاب عليه بدعم الخارج، ولا تسأل عن مناكفات بعض فصائل منظمة التحرير لعرفات، الأمر الذي لم يعد موجودا هذه الأيام).

"
السر الذي يقف وراء رسالة دحلان  هو إصرار الرئيس الفلسطيني على إقصائه وتهميشه, الأمر الذي تأكد برأيه بعد فتح التحقيق معه
"
يبدأ دحلان رسالته بعبارة "تحية فلسطين، تحية الشرف والانتماء وبعد"، ولا يعرف ما هي تحية فلسطين، ولعلها تشبه قول بعضهم "تحية العروبة". ما علينا، المهم أن السر الذي يقف وراء الرسالة كما يتضح جليا هو إصرار الرئيس الفلسطيني على إقصاء وتهميش دحلان، الأمر الذي تأكد برأي الأخير بعد فتح تحقيق فيما عُرف بصفقة سلاح إسرائيلي للنظام الليبي قيل إنه تورط فيها مع صديقه محمد رشيد (المستشار الاقتصادي للرئيس الراحل ياسر عرفات وكان سابقا يعرف باسم آخر هو خالد سلام).

ويرى دحلان أن كل ما يجري ضده يعبر بحسب الرسالة عن "نية دفينة وإرادة حقيقية من جهة (الرئيس) لاستبعاد محمد دحلان بأية طريقة كانت وبأي ثمن، معتقدا وموهوما برؤى مستشاريه أن هذه المعركة ستقويه ضد الفراغ السياسي الشامل، وأن دحلان سيكون موقفه ضعيفا، وبالتالي تكون الفرصة مواتية لتقديمه كبش فداء عن كل الأخطاء والجرائم السياسية والتنظيمية والمالية التي ارتكبت تحت إدارته "الحكيمة" تمهيدا لتصفية حساباته مع حركة فتح ورجالها المخلصين".

يفند دحلان حكاية صفقة الأسلحة بكونها فرية من معارض ليبي "إخواني"، نقلها "إخواني" جزائري، ونشرتها الجزيرة (الإخوانية بالطبع، فضلا عن كونها تتبع قطر التي تسعى للسيطرة على القرار الفلسطيني برأيه)، وتجدر الإشارة هنا إلى ما تفيض به الرسالة من شتائم وتهم لحركة حماس، ما يؤكد أن الحركة باتت عقدة مزمنة عند الرجل يحسها في الهواء الذي يتنفسه.

المهم في الرسالة، فضلا عن إشارتها إلى أسباب الحملة على دحلان برأيه، وهي تعرضه لأبناء الرئيس، يتمثل في جملة الأسئلة المهمة التي تتعلق بفتح والوضع الفلسطيني، وهي أسئلة تستحق التوقف حتى لو وردت في سياق المناكفة، لأن خلافات أهل السلطة هي السبيل الوحيد لمعرفة حقائق من الصعب معرفتها في الأوضاع الطبيعية.

من الأشياء المهمة التي طالب دحلان بالتحقيق فيها ما يلي: (صندوق الاستثمار الذي تسلمه الرئيس بعد استشهاد ياسر عرفات، وفيه ممتلكات نقدية وعينية تقدر بمليار وثلاثمائة مليون دولار، أموال الحركة التي تحولت إلى صندوق أسود يرفض الرئيس إطلاع أعضاء اللجنة المركزية عليه، وما فيه بحسب الرسالة يتجاوز 250 مليون دولار نقدا و350 مليونا موزعة بشكل غير محصور في الخارج، فقدان فتح هويتها النضالية الحقيقية وروحها الكفاحية في عهد أبو مازن، تأجيل ومتابعة تقرير غولدستون والفضائح التي ترتبت عليه).

"
من الأشياء المهمة التي طالب دحلان بالتحقيق فيها صندوق الاستثمار الذي تسلمه أبو مازن بعد استشهاد ياسر عرفات، وفيه ممتلكات نقدية وعينية تقدر بمليار وثلاثمائة مليون دولار
"
ثمة أمر مثير آخر يستحق التوقف في الرسالة يتمثل في إشارتها الضمنية إلى سعادة الرئيس بما جرى في قطاع غزة (أعني الحسم العسكري)، وربما تواطؤه أيضا (لعل دحلان يعتقد أن ذلك كان جزءًا من المؤامرة عليه)، حيث يتساءل، والفقرة جميعها بعلامات التعجب فيها جزء من الرسالة، يتساءل عن "توجيه جزء كبير من الإمكانات المادية والتسليح لحرس الرئاسة، ثم إخراج الحرس من المعركة!! وربط ذلك بتصريحه قبل يومين من الانقلاب (بأنه لا يستطيع لوم أحد الأطراف، وإنه يناشد الطرفين وقف القتال!!!)".

كان الحسم العسكري برأينا محقا من الناحية الأخلاقية بعد مسلسل الجرائم التي اقترفها أزلام دحلان، لكنه (وهذا الكلام لا يعجب بعض أحبتنا في حماس) كان خطأ من الناحية السياسية لما ترتب عليه من استباحة لفرع الحركة الأهم في الضفة، ولما ترتب عليه من ثمن سياسي كبير يتعلق بسمعتها وصورتها، الأمر الذي تغير بعد الصمود أمام الاجتياح الإسرائيلي.

من الواضح أن محمود عباس، بحسب ما نقلت أوساط كثيرة كان سعيدا بالحسم العسكري (الإسرائيليون أيضا بحسب وثائق ويكيليكس)، إذ ترك غزة ومشاكلها، وتخلص من منافس قوي (دحلان) واستعاد الضفة والقيادة والقرار، مع حق هجاء حماس بسبب "الانقلاب".

من مفارقات الرسالة إشارة صاحبها للرئيس عرفات بعبارة "استشهاد" من جهة، وعبارة "الزعيم الخالد" من جهة أخرى، ويعلم الجميع أنه هو من قام بانقلاب عسكري عليه، وكان يقول عنه إنه خرّف ويجب التخلص منه.

من الواضح أن البعد الشخصي هو محرك الرسالة، وليس السياسات المتعلقة بإدارة المسألة الوطنية، إذ لن يصدق أحد أن دحلان بتاريخه في التنسيق الأمني والسياسي مع المحتل (دعك من الأسئلة المتعلقة بثروته الشخصية) يسعى لإعادة الروح الثورية لحركة فتح، وأن الرئيس هو الذي يحول دون ذلك (ختم الرسالة بالقول "وإنها لثورة حتى النصر، شعار كدنا ننساه في عهد الرئيس أبو مازن)!!".

وضع طبيعي في عوالم السياسة والسلطة أن يسعى الرئيس إلى التخلص من أية شخصية قوية يمكنها التفكير في منافسته، أو حتى مراقبته والجرأة على نقده أمام الملأ، أما التفاصيل فهي متغيرة بين حالة وأخرى، ولا ننسى حساسية الرئيس لأي انتقاد يوجّه لأبنائه ونشاطاتهم الاقتصادية كما أوضحت الرسالة، وكما كشفت الأسئلة الأولى التي وُجّهت لدحلان أثناء التحقيق الأول معه قبل شهور.

ثمة تساؤلات كثيرة هنا تتعلق بمصير دحلان بعد فصله، وما إذا كانت الأزمة ستنتهي بتسوية جديدة في ظل قدرة الرجل على إثارة المتاعب للرئيس والكثيرين من حوله (لديه أوراق كثيرة لا يملكها سواه)، والأهم في ظل موقف تنظيم غزة الذي يقف أكثره إلى جانبه، وحاجة (فتح) إلى لملمة صفوفها قبل الانتخابات القادمة، إذا تمت بالفعل.

ويبقى سؤال الجهات الخارجية التي استثمرت في الرجل، وما إذا كانت ستتخلى عنه، الأمر الذي يبدو صعبا إلى حد كبير تبعا للفوائد التي تترتب على وجود منافس قوي لعباس، وإن تعلق ذلك بسؤال خليفة الرئيس إذا تطلب الموقف، أكان بسبب عدم ترشحه في المرة القادمة (إذا صح ذلك)، أم لاعتبارات الأقدار في حالة مرض (مقعد)، أو في حالة الموت.

"
ما لم تصحح حركة فتح مسارها، فإن الوضع سيبقى على بؤسه المقيم، لاسيما بعد فقدان حماس فرصة التحكم بمسار القضية إثر تورطها في لعبة أوسلو
"
ألم نقل إن أزمة القضية الفلسطينية اليوم هي أزمة حركة فتح التي يُعترف بها عربيا ودوليا كممثل للفلسطينيين رغم فوز حماس في انتخابات 2006، وما لم تصحح الحركة مسارها، فإن الوضع سيبقى على بؤسه المقيم، لاسيما بعد فقدان حماس فرصة التحكم بمسار القضية إثر تورطها في لعبة أوسلو، ومن ثم حشر نفسها في قطاع غزة والمسؤولية عن حياة سكانه.

الحل سيأتي من الشعب الفلسطيني على الأرجح وذلك عندما يفجر انتفاضته الثالثة ردا على الاستيطان وتهويد القدس ومخرجات العملية السياسية، مستلهما ربيع العرب وثوراتهم الرائعة، وعندها فقط سيجري تصحيح هذا الوضع المشوه، وسيختار الشعب قيادته المعبرة عن ضميره، وليس تلك التي تفرض عليه بسطوة الخارج.

ولما كان التدين هو المحرك الأساسي في الشارع الفلسطيني، فإن القوى الإسلامية وفي مقدمتها حماس ستتصدر المشهد، تماما كما وقع إثر اندلاع انتفاضة الأقصى التي جاءت بعد ست سنوات من وقوع الحركة بين مطرقة الاحتلال وسندان سلطة أوسلو والتزاماتها الأمنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة