تقنين الدور السياسي للجيش المصري   
الثلاثاء 7/8/1433 هـ - الموافق 26/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

 

شرعنة احترازية
حماية مؤقتة
استقطاب مدني عسكري
توافق حتمي

في وسع المتتبع لعلاقات القوى بين الفاعلين الرئيسيين على الساحة السياسية المصرية بعد تنحي مبارك أن يهتدي إلى أن حزمة الإجراءات والقرارات التي اتخذها المجلس الأعلى للقوات المسلحة مع انطلاق جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، إنما تعد نتاجا لحالة الارتباك والقلق المتنامية التي تنتاب رجالاته مع اقتراب موعد تسليم السلطة لإدارة مدنية منتخبة بما يعني عمليا إنهاء ارتباط دام ستة عقود بين القوات المسلحة ومؤسسة الرئاسة.

شرعنة احترازية
ربما لا نبالغ إذا ما زعمنا بأن عملية فك الارتباط هذه تشبه في قسوتها وشدة وطأتها والخوف من تداعياتها السلبية المحتملة، بالنسبة للقوات المسلحة، صدمة فطام الطفل الرضيع عن ثدي أمه. ولعل هذه المقاربة تساعد في فهم هرولة المجلس العسكري لتحصين مركزه وتأمين امتيازات القوات المسلحة ومكتسباتها عبر توسيع صلاحيات مجلسها الأعلى على حساب الرئيس الجديد، بل والعمل بدأب من أجل شرعنة وتقنين دور القوات المسلحة في الحياة المدنية بعد أن كان يستند إلى العرف والتقاليد وممارسات الرؤساء ذوي الخلفيات العسكرية في سابق الأيام.

لم يتورع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، بعد أن استعاد سلطة التشريع إثر قرار المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب، عن تسطير نصوص دستورية صريحة تقنن تدخله في الحياة المدنية

ففي حين عمدت دساتير دول عالم ثالثية شتى إلى تلافي النصوص الصريحة والمباشرة التي من شأنها أن تسوغ للجيوش التدخل في كافة مناحي الحياة المدنية، لا سيما السياسية منها، مكتفية بصوغ بعض المواد الفضفاضة والمطاطية التي تحتمل تفسيرات متعددة من بينها بالطبع ما تتخذ منه الجيوش سندا قانونيا ودستوريا لهذا التدخل، لم يتورع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر، بعد أن استعاد سلطة التشريع إثر قرار المحكمة الدستورية العليا بحل مجلس الشعب، عن تسطير نصوص دستورية صريحة تقنن تدخله في الحياة المدنية بما تطويه من تفاعلات سياسية، كما تضفي شرعية دستورية على هذا التدخل.

وبينما كان المجلس العسكري يشدد دائما على أن وضع الجيش في دستور الثورة الدائم سيبقى كما كان في سائر الدساتير السابقة، إذا به يتجاوز هذا الطرح خلال الوثائق والإعلانات الدستورية التي أصدرها لاحقا، كما القرارات والإجراءات التي تبناها منذ تنحي مبارك، والتي ذهبت بوضع القوات المسلحة ودور مجلسها الأعلى أبعد مما تضمنه أي دستور أو إعلان دستوري سابق في هذا المضمار منذ دستور عام 1882 وحتى الإعلان الدستوري الصادر نهاية مارس/آذار 2011.

فما كادت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية تضع أوزارها معلنة خوض مرشح الإخوان لجولة الإعادة ضد المرشح المحسوب على العسكريين والنظام السابق في آن، بما يزيد احتمالات أن يكون أول رئيس لمصر الثورة من خارج المؤسسة العسكرية، حتى أصدر وزير العدل قرار منح الضبطية القضائية لأفراد الشرطة العسكرية والمخابرات الحربية، والذي يعطي القوات المسلحة دورا شرطيا و"بوليسيا" صريحا بين المدنيين، وهو ما اعتبره بعض الحقوقيين نسخة معدلة من قانون الطوارئ.

وما إن صدر الحكم بعدم دستورية قانون انتخابات مجلس الشعب، حتى هرع المجلس العسكري إلى استثمار الحكم، الذي تم بناء عليه حل مجلس الشعب، ليستعيد سلطة التشريع، التي اتخذ منها سندا دستوريا إضافيا لتقنين مساعيه لإعادة تشكيل الهيئة التأسيسية المعنية بوضع الدستور، علاوة على إصدار إعلان دستوري مكمل.

وبرغم ما قوبلت به وثيقة المبادئ الدستورية المعروفة إعلاميا بـ"وثيقة السلمي" من رفض شعبي عارم كونها ألمحت إلى اختصاص القوات المسلحة، دون سواها، بإدارة بعض شؤونها، جاء الإعلان الدستوري المكمل الصادر بعيد ساعات من قرار المحكمة الدستورية العليا ببطلان قانون انتخاب مجلس الشعب وقبيل أيام من إعلان نتائج جولة الإعادة من الانتخابات الرئاسية، ليمنح المجلس العسكري صلاحيات هائلة تجعل منه شريكا لرئيس الجمهورية في إدارة البلاد، إضافة إلى تأكيد اختصاصه، دون غيره، بإدارة كافة شؤون القوات المسلحة، فضلا عن تقنين وشرعنة دور الجيش في الحياة المدنية.

فبعد أن منحته المادة 56 مكرر حق مباشرة الاختصاصات التشريعية المنصوص عليها في البند 1 من المادة 56 من الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس/آذار 2011، لحين انتخاب مجلس شعب جديد ومباشرته لاختصاصاته، نصت المادة 53 مكرر على اختصاص المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتشكيل القائم وقت العمل بهذا الإعلان الدستوري بتقرير كل ما يتعلق بشؤون القوات المسلحة، وتعيين قادتها ومد خدمتهم، ويكون لرئيسه، حتى إقرار الدستور الجديد، جميع السلطات المقررة في القوانين واللوائح للقائد العام للقوات المسلحة وزير الدفاع.

أما المادة 53 مكرر 1، فقد اشترطت موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة على إعلان رئيس الجمهورية قرار الحرب. وتضمنت المادة ٦٠ مكرر إشارة واضحة تعتبر المؤسسة العسكرية سلطة مستقلة عن رئيس الجمهورية، بما يعني أن المجلس قد انتزع مهام ولاية رئيس الجمهورية على الجيش، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، ليصبح المجلس العسكري مستقل الإرادة عن السلطة التنفيذية، التي هو جزء منها أساسا، الأمر الذي يجافي التشريعات والتقاليد والأعراف السائدة في أية دولة ديمقراطية.

كذلك، شرعن الإعلان الدستوري المكمل تدخل القوات المسلحة في الحياة المدنية للقيام بمهام شرطية في أوقات الاضطرابات. فبعد تدخلها فيما مضى للتعاطي مع اضطرابات شعبية جارفة أعوام 1977، 1986، و2011  بناء على طلب رئيس الجمهورية وبغير سند دستوري واضح، جاءت المادة 53 مكرر 2 من الإعلان الدستوري لتجيز لرئيس الجمهورية في حالة حدوث اضطرابات داخل البلاد تستوجب تدخل القوات المسلحة، وبعد موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، إصدار قرار باشتراك القوات المسلحة في مهام حفظ الأمن وحماية المنشآت الحيوية بالدولة، كما يبين القانون سلطات القوات المسلحة ومهامها وحالات استخدام القوة والتوقيف والاحتجاز والاختصاص القضائي وحالات انتفاء المسؤولية.

وهو الأمر الذي يجعل من العودة المرتقبة للقوات المسلحة إلى ثكناتها، حسبما هو مقرر في الإعلان الدستوري الصادر نهاية مارس/آذار 2011، أشبه بعملية إعادة انتشار شكلي أكثر منها تسليما فعليا للسلطة.

وعلى غير المتوقع، جاء البيان الأخير الذي أصدره المجلس العسكري ردا على مليونية "استعادة الشرعية" صادما للقوى المحتشدة في ميدان التحرير، حيث صيغ بطريقة لا تبتعد كثيرا عن التصديق على الإعلان الدستوري المكمل، بعد إذ اعتبره منطقيا وضروريا خلال المرحلة الحالية.

عمد المجلس العسكري إلى تشكيل هيئات ومجالس شبه عسكرية تختص بملفات السياسات العليا على نحو يجعلها تنازع المؤسسات المدنية المنتخبة إدارة شؤون البلاد

وإلى جانب ما أثارته كل هذه الصلاحيات الواسعة التي منحها الإعلان الدستوري المكمل للمجلس العسكري من جدل سياسي، فقد فجرت سجالا واسعا بشأن شرعيتها ودستوريتها، خصوصا بعد أن أكد فقهاء دستوريون انتفاء أحقية المجلس العسكري في إصدار أية إعلانات دستورية بعد انتخاب البرلمان.

هذا علاوة على أن الشعب لم يقر في الاستفتاء الشعبي، الذي أجري في مارس/آذار 2011 على بعض مواد الإعلان الدستوري الأول، إعطاء سلطة التشريع أو حتى إصدار القوانين للمجلس العسكري، الذي لم يلتزم من جهته بنتيجة الاستفتاء، وبدأ أول خطوة في الخروج عن مسار الشرعية بإصداره إعلانه الدستوري الأول بإرادته المنفردة، والذي تضمن نصوصا لم يستفتِ عليها الشعب ولم تكن موجودة في دستور 1971. وإضافة إلى تشكيك أولئك الفقهاء في أحقية المجلس العسكري بإصدار الإعلان الدستوري الأخير، تبدو محتوياته -كما كل ما يترتب عليه من آثار- عرضة للبطلان، كونه لم يحظ بشرعية الاستفتاء الشعبي.

وفي مسعى بدا كما لو كان محاولة لتطويق ومحاصرة الرئيس القادم، أصدر المجلس العسكري قرارا بتعيين اللواء عبد المؤمن فودة، كبير الياواران في عهد مبارك، رئيسا للجنة الشؤون المالية والإدارية برئاسة الجمهورية، التي ستضم إلى جانب فودة، أربعة من العاملين برئاسة الجمهورية غالبيتهم من ذوي الخلفيات العسكرية، وسيكون منوطا بها التصرف في موارد مؤسسة الرئاسة، كما ستعنى بمراقبة المخازن والنواحي الإدارية والآثار، فضلا عن متابعة موظفي ديوان الرئاسة.

وهو القرار الذي اعتبره خبراء سياسيون افتئاتا على أدق الاختصاصات الإدارية والمالية للرئيس المنتخب، خصوصا أنه لا يوجد في الإعلان الدستوري ما يعطي للمجلس العسكري الحق في أية تعيينات من هذا القبيل.

وفي ذات السياق، عمد المجلس العسكري إلى تشكيل هيئات ومجالس شبه عسكرية تختص بملفات السياسات العليا على نحو يجعلها تنازع المؤسسات المدنية المنتخبة إدارة شؤون البلاد، كمجلس الدفاع الوطني، الذي أصدر قررا بإعادة تشكيله ليكون ثالث المجالس المهمة بعد المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الأمن القومي.

حماية مؤقتة
من خلال إجراءاته الحمائية الاحترازية التي يتحراها حاليا، يكون المجلس العسكري في مصر قد اقترب كثيرا من قادة الانقلاب العسكري الثالث الذي قام به الجيش التركي ضد الحكومة المدنية المنتخبة في العام 1980، حيث عكف أولئك القادة على وضع دستور جديد للبلاد وسطروا فيه نصوصا تحصنهم ضد أية مساءلة أو محاكمة مدى الحياة، ولو بأثر رجعي، كما تعزز من دور الجيش في الحياة المدنية بذريعة حماية الجمهورية والعلمانية كالمادة 35 والمادة 85.

غير أن مفعول هذه النصوص الدستورية كان مرحليا، فلم تكد تكمل عقدها الثالث من الزمن، حتى تمكنت حكومة حزب العدالة والتنمية بزعامة أردوغان من تعديلها ضمن عشرات المواد والنصوص الأخرى، وهو الأمر الذي مهد السبيل لمحاكمة من تبقى على قيد الحياة من قادة ذلك الانقلاب وهم في أرذل العمر وعلى رأسهم الرئيس التركي الأسبق الجنرال كنعان إيفرين.

وإذا كان الأمر كذلك في الحالة التركية مع دستور دائم صاغه العسكر عقب انقلاب عسكري احتفظوا على إثره برئاسة البلاد طيلة عقدين من الزمن، فما بال المجلس العسكري في مصر بإعلان دستوري مؤقت لم يستفت عليه الشعب وتبارى في رفضه وانتقاده الداخل والخارج؟! لعلها إذن سنة كونية لا تقوى بموجبها النصوص القانونية والدستورية المتغيرة على الصمود أمام رياح الديمقراطية العاتية التي تطيح بعصمة العسكريين من المساءلة أو التبعية للقيادة المدنية المنتخبة. وقديما قالها أفلاطون: "إن القوانين هي سلاح الضعفاء".

استقطاب مدني عسكري
كان من شأن الإجراءات والقرارات التي تبناها المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتوسيع صلاحياته وتقنينها، أن عرجت بالساحة السياسية المصرية من حالة الاستقطاب السياسي الحاد ما بين تيار الإسلام السياسي، بشتى فصائله من جهة، والتيار المدني العلماني بمختلف أطيافه من جهة أخرى، إلى ما يشبه التناحر أو المواجهة بين ذلك الأخير والمجلس الأعلى للقوات المسلحة، على نحو بدت نذره في جمعة "عودة الشرعية" التي شارك فيها الإسلاميون كما غالبية القوى المدنية والثورية، مطالبين بضرورة إلغاء كافة القرارات والإجراءات التي اتخذها المجلس العسكري مؤخرا لتوسيع صلاحياته وشرعنة دوره، وفي القلب منها الإعلان الدستوري المكمل.

أسهم اجتراء المجلس العسكري على الشرعية الثورية في تذويب الخلافات جزئيا بين القوى المدنية والإسلامية والثورية ودفعها للاصطفاف في مواجهة مساعيه لتقويض الثورة

ويبدو أن ميدان التحرير قد بدأ يستعيد زخمه وفعاليته بعد أن أسهم اجتراء المجلس العسكري على الشرعية الثورية في تذويب الخلافات جزئيا بين القوى المدنية والإسلامية والثورية ودفعها للاصطفاف في مواجهة مساعي المجلس العسكري لتقويض الثورة والافتئات على صلاحيات الرئيس المنتخب، أيا كان توجهه.

توافق حتمي
برغم ما قد يطويه الاصطفاف المتفاقم بين القوى المدنية في مواجهة المجلس الأعلى للقوات المسلحة من احتمالات للصدام أو التصعيد غير المحمود العواقب بين الجانبين، فإنه لم يخل من إيجابيات خصوصا بعد أن زج بملف العلاقات المدنية العسكرية إلى صدارة أولويات الجدل السياسي الدائر في مصر حاليا.

الأمر الذي يتطلب حوارا مباشرا وبناء بين الفسطاطين، يهيئ الأجواء لإجراءات بناء الثقة، ويتيح لكليهما تبادل التنازلات والترضيات والتطمينات، التي من شأنها أن تجنبهما التداعيات المرتقبة لأية مواجهة محتملة، وأن ترسي دعائم راسخة لتلك العلاقات في مصر بعد الثورة.

وأحسب أن الحاجة للحوار والتوافق بين المدنيين والعسكريين تبدو جد ملحة بعد أن بدأ المتغير الدولي يزحف باتجاه معادلة الصراع السياسي البازغ بينهما. ففي الوقت الذي استفاق المصريون فيه على مطالبات أوروبية للمجلس العسكري بإعلان نتائج الانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة للرئيس المنتخب أيا كان، بدأت واشنطن -وعلى غير المعهود في تعاطيها معه بعد تنحي مبارك- تغير من لهجتها الحميمية حيال المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

وبعدما كان انتقادها لممارساته السابقة في بداية المرحلة الانتقالية مقتصرا على بعض عبارات اللوم والتوبيخ جراء الطريقة التي انتهجها في التعامل مع أحداث ماسبيرو أو العباسية أو غيرها، أمعنت وزارتا الخارجية والدفاع الأميركيتين في التعبير عن استيائهما الشديد من مساعيه لتوسيع صلاحياته على حساب الرئيس المدني المنتخب من خلال الإعلان الدستوري المكمل كما حزمة القرارات والإجراءات الأخرى التي اتخذها بالتزامن مع انتهاء الانتخابات الرئاسية، وجددتا دعوتهما المجلس العسكري إلى تسليم السلطة كاملة لحكومة مدنية منتخبة ديمقراطياً في الموعد المقرر.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة