ضم الحرم الإبراهيمي ومزاوجة الأيدولوجيا مع الميثولوجيا   
الأحد 21/3/1431 هـ - الموافق 7/3/2010 م (آخر تحديث) الساعة 18:15 (مكة المكرمة)، 15:15 (غرينتش)
علي بدوان



أبعد من قرار مرتجل
عودة للوراء قليلاً
اصطناع وافتعال التراث
التركيز المتزايد على مقولة "التراث اليهودي"

جاء قرار حكومة نتياهو المتعلق بالحرم الإبراهيمي الشريف في مدينة الخليل ومسجد بلال بن رباح في مدينة بيت لحم وقبر يوسف في نابلس، بضمها لقائمة ما يسمى "المواقع التراثية للشعب اليهودي"، ورصد أكثر من 300 مليون دولار من أجل ما يسمى "تطويرها حفاظاً على التراث اليهودي" قراراً عميقاً، يحمل في طياته ما هو مخفي في سيرة الدولة العبرية الصهيونية، التي باتت تشعر بأنها في أمس الحاجة لإنتاج "تراث يهودي، وهوية يهودية" على أرض فلسطين، ولو من باب الاصطناع، وإن اقتضى الأمر ممارسة لعبة تزييف التاريخ، ومحو الحقيقة القائمة على الأرض وتغيير معالمها.

ولكن لماذا جاء الآن القرار الإسرائيلي الأخير بشأن ضم الحرم الإبراهيمي وغيره إلى "التراث اليهودي"، وما هي الخلفية الأبعد التي يقف وراءها هذا القرار الصهيوني المرفوض والمدان وفق قواعد القانون الدولي؟

أبعد من قرار مرتجل
"
القرار الإسرائيلي بضم الحرم الإبراهيمي وغيره من مواقع إسلامية لم يكن وليد لحظته، بل جاء في سياقات معلومة من سياسات الاحتلال التي مورست عملياً على امتداد أرض فلسطين منذ عام النكبة
"
في الإجابة على التساؤل المشار إليه أعلاه، نقول، إن القرار الإسرائيلي الأخير لم يكن وليد لحظته، بل جاء في سياقات معلومة من سياسات الاحتلال التي مورست عملياً على امتداد أرض فلسطين منذ عام النكبة، في مسار المساعي الصهيونية لخلق "تاريخ وتراث يهودي" على أنقاض التاريخ العربي والإسلامي في فلسطين، يبرر ويقرر ويعزز الرواية الصهيونية، فتم الاستيلاء على المواقع الإسلامية كالمساجد والمزارات والأوابد الإسلامية، وحتى المقابر في كافة مدن وقرى فلسطين المحتلة عام 1948، وتم تحويل غالبيتها إما لمواقع استيطانية تهويدية، أو لمواقع وكنس يهودية، وحتى تم تحويل بعضها إلى "مراقص وملاعب وحانات"، وإلغاء وطمس بعضها من كتب التاريخ والذاكرة الفلسطينية والعربية والإسلامية مثل مقبرة "مأمن الله" في مدينة القدس، ومزارات حيفا وطبرية ويافا وقيسارية ومساجدها العريقة.

كما أن مشروع ضم الحرم الإبراهيمي الشريف بدأ عملياً منذ أن وقعت المجزرة البشعة التي قادها الفاشي المقبور باروخ غولدشتاين في حزيران/يونيو عام 1994 والذي استهدف فيها بسلاحه الناري عشرات المصلين من المواطنين الفلسطينيين في صلاة الفجر.

إذ عملت سلطات الاحتلال في حينها على استغلال المجزرة البشعة لتقييد حرية المصلين المسلمين فيه، ومنعهم في العديد من أيام السنة من الدخول إليه، لإتاحة المجال لعصابات المستوطنين للصلاة فيه، ولجأت بعد ذلك إلى تقسيم الحرم الإبراهيمي الشريف والاستيلاء على أجزاء كبيرة منه، في سعي حثيث لنفي طابعه الإسلامي الخالص بكل أجزائه ومكوناته. وتبع ذلك توقيع ما يسمى بروتوكول الخليل بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو الأولى عام 1996، حيث قضى البروتوكول بتقسيم المدينة ومنطقتها بين سكانها الفلسطينيين -البالغ عددهم نحو ثلاثمائة ألف نسمة- و400 مستوطن صهيوني تم زرعهم في مستعمرة كريات أربع داخل المدينة، ومن حينها تزايدت ممارسات المستوطنين الاستفزازية وأعمالهم العدوانية ضد أبناء مدينة الخليل بدعم وتغطية مباشرة من جيش الاحتلال.

وعليه، فالقرار الإسرائيلي الأخير لم يكن قراراً مرتجلاً، بل جاء في سياقات عميقة، لها علاقة بعيدة بالتحولات اليومية الجارية داخل إسرائيل ذاتها في بحثها عن أسانيد تاريخية لاصطناع تاريخ وتراث، نتيجة ظروف نشأتها غير الطبيعية، ونتيجة التحولات السياسية التي أفرزتها مسيرة التسوية المأزومة في المنطقة منذ أكثر من عقدين من الزمن وتوالد حالة القلق المفزع عند الأجيال اليهودية الجديدة، وتنامي ظاهرة التباينات الطبقية والإثنية بين اليهود أنفسهم، إضافة لتراجع الانشداد العاطفي من قبل يهود العالم تجاه إسرائيل، فضلاً عن تحولات الميزان الديمغرافي على أرض فلسطين التاريخية مسنوداً بتواصل الكفاح الوطني الفلسطيني.

عودة للوراء قليلاً
"
الحركة الصهيونية بنت مداميك "أيدولوجيتها" على أساس من الرواية الميثولوجية المستندة إلى الخرافة، فأحدثت التزاوج بينهما وطورتها من القبول بصيغة أي بقعة جغرافية في العالم كوطن قادم لما يسمى "الشعب اليهودي" إلى جعلها أرض الميعاد
"
وعند إمعان النظر في الماضي القريب، ووضعه تحت العين الفاحصة، نجد أن الحركة الصهيونية بنت مداميك "أيدولوجيتها" على أساس من الرواية الميثولوجية المستندة إلى الخرافة، فأحدثت التزاوج بين الأيدولوجيا والميثولوجيا، وطورتها من القبول بصيغة أي بقعة جغرافية في العالم (في أوغندا أو غيرها) كوطن قادم لما يسمى "الشعب اليهودي" إلى المناداة باستعمار واستيطان أرض فلسطين باعتبارها "أرض الميعاد" لاستقطاب وجذب أوسع القطاعات من يهود أوروبا، وخصوصاً يهود أوروبا الشرقية في بولونيا والبلطيق وروسيا وأوكرانيا ودغدغة مشاعرهم الدينية… وطورت أيضاً حكاية ورواية تأسيسية مفادها أن "العالم كله ضدنا، ونحن وحدنا وبأيدينا سنقيم دولتنا"، وهي رواية استقت من الميثولوجيا منهلاً لها في إذكاء وتغذية المشاعر عند يهود أوروبا مستفيدة من التحولات الدولية التي كانت قد بدأت تدب على الأرض، مع تباشير الحرب الكونية الأولى وصولاً إلى ما بعد الحرب الكونية الثانية.

فرغم التكوين الأيدولوجي القريب من العلمانية للقادة الأوائل في الحركة الصهيونية وصناعها، فإن استعارة الأيدولوجيا الدينية -وتحديداً الميثولوجيا المستقاة من الرواية اليهودية المتداولة- دفعت بعتاة الحركة الصهيونية وقادتها للإسراع بكامل طاقاتهم لتكريس وإحلال حالة التزاوج بين الأيدولوجيا التي فبركتها واصطنعتها الحركة الصهيونية والميثولوجيا التوراتية، إلى حد أن حاربت الحركة الصهيونية بقوة سخرية اليهود الأرثوذكس الذين كانت الصهيونية بالنسبة إليهم محاولة كافرة لاستباق المسيح، كما حاربتها قطاعات من المثقفين اليهود في الغرب الذين رأوا في الصهيونية محاولة خطرة لإشغال اليهود بشوفينية قد تجلب لهم الكوارث وتزعزع استقرارهم كمواطنين في دولهم وبلدانهم الأم، ودعوا اليهود إلى التحرر المدني والعمل للفوز بحقوق الأقليات الإثنية (وليس القومية) في التركز الإقليمي واللغة والثقافة، كما كان لليبرالية اليهودية المعارضة للاستعمار الكولونيالي موقفاً مماثلاً، فقد أيدت مبدأ حق تقرير المصير الذي يمنح السيادة لمجموعات الأغلبية القومية، ووفقاً لهذا المبدأ فإن فلسطين تعود للفلسطينيين في نظرهم.

فالحركة الصهيونية -كجسم سياسي منظم- هي من صُنع تيودور هيرتزل (1860-1904) اليهودي المجري، الذي نشر في سنة 1896 كتابه "دولة اليهود"، وعرض فيه مفهومه لجذور "المسألة اليهودية"، وبالتالي وجهة نظره في حلها، عبر إنشاء "أمة يهودية" مستقلة، على أرض تمتلكها. والمنظمة التي أسسها في المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل بسويسرا عام 1897 كانت من أجل تحقيق ذلك الهدف، ومن خلالها تحرك هيرتزل بين التجمعات اليهودية في أوروبا، كما على الساحة السياسية الدولية، داعياً إلى مشروعه.

اصطناع وافتعال التراث
ومن هنا، فان فلسفة تيودور هرتزل قامت على محاولاته لتشكيل واصطناع "أمة وقومية يهودية" و"تراث يهودي" و"أوابد يهودية" و"ثقافة يهودية"، تجمع اليهودي الأوروبي الأبيض مع اليهودي العربي الحنطي اللون إلى جانب اليهود الفلاشا من الزنوج، وهو ما يتناقض مع فكرة الأمة والقومية، ومع حقائق المنطق والتاريخ.

"
عمدت إسرائيل إلى تسجيل العديد من المواقع والأوابد في سجلات اليونسكو، لكنها الآن تحاول نقل الإرث التاريخي للأوابد إياها من تاريخها الإسلامي والروماني إلى خانة التاريخ اليهودي
"
فأمام هذا المشروع الصهيوني في خلق الكيان الجديد بقيت مشكلة الهوية الثقافية وإمكانية ربطها بما هو موجود على الأرض من تراث إنساني، خصوصا أن التركيبة الاجتماعية للدولة العبرية الصهيونية كانت ومازالت تحتوي مزيجاً من ثقافات متعددة الأصول ومن أعراق متباعدة، وكان لابد من التركيز على إعادة إنتاج وصناعة "الهوية الثقافية اليهودية"، بما في ذلك الحديث عن "التراث الشفوي والمادي" والأوابد التاريخية، والعادات والتقاليد، والأزياء، والطقوس الدينية.. إلخ.

لذلك فقد تنبهت الدولة العبرية الصهيونية لأهمية وجودها ليس على الخارطة السياسية والجغرافية للعالم فحسب، بل على الخارطة الثقافية والتراثية للعالم بشكل عام، في سياق سعيها لصناعة "الهوية والتراث المفتعل" وهي تتعرض للاهتزاز كل يوم، فعمدت إلى تسجيل العديد من المواقع والأوابد في سجلات اليونسكو، لكنها الآن تحاول نقل الإرث التاريخي للأوابد إياها من تاريخها الإسلامي والروماني إلى خانة التاريخ اليهودي، وهنا تبرز المخاطر مجدداً في ضرورة التصدي لهذه المساعي الإسرائيلية، وضرورة إفشالها، وإفشال عملية تزويرها الفظ لحقائق التاريخ.

التركيز المتزايد على مقولة "التراث اليهودي"
والآن وبعد عقود من عمر الدولة الإسرائيلية الصهيونية فإن التحولات التي تحكمها صيرورة الأشياء وقوانين المجتمع والتاريخ، أصبحت تفصح عن نفسها، وتحديداً بعد التطورات الكبيرة التي عصفت بالمنطقة وبمسار التسوية المعطل على الجبهة الفلسطينية كما السورية، فمجرى التسوية اصطدم من جديد بالعوائق الهائلة، ودخلت المنطقة وعملية السلام أو بالأحرى التسوية إلى مسارات ما زالت مجهولة، ليتراجع معها الحديث عن قوة وحيوية ودافعية "الفكرة الصهيونية" لدى اليهود خارج فلسطين، وليصبح مستقبل "كيان إسرائيل" عنواناً حاضراً في صفوف بعض النخب الإسرائيلية، وسط كل مظاهر القوة والبطش والغطرسة التي تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني وعموم المنطقة، حيث بات الكثير من اليهود يعتقدون أن مستقبل إسرائيل ومكانها في الشرق الأوسط أصبح على محك التساؤلات كما لم يكن لعدة أجيال، ولسان حالهم يقول: هل ستبقى الدولة اليهودية؟ وبأي ثمن؟ وبأي هوية؟ وهل يمكنها أبدا أن تعرف السلام؟.

"
إسرائيل وبحكم تكوينها الإثني القومي، تجد نفسها اليوم أمام تحولات داخلية عميقة من حين لآخر، تكتسي كل يوم أثواباً جديدة من الحراكات التي تجعل قادتها يهيمون في اندفاع شديد لإثبات "الهوية" أمام قلق المستقبل
"
وانطلاقاً من الأسباب العميقة إياها، جاء التركيز الإسرائيلي الصهيوني المتزايد على فكرة "يهودية الدولة"، وعلى فكرة "التراث اليهودي"، لتجد إسرائيل نفسها هذه المرة، تلجأ إلى محاولة شد وجذب اليهود مرة ثانية باتجاه فلسطين، في محاولة لإعادة إنتاج "رواية أرض الميعاد".

كما في السعي لتسويق وترويج الفكرة بطريقة ثانية عنوانها "حماية وصيانة الأماكن التاريخية والتراث اليهودي" لتحقيق أغراض أبعد منها، بقصد ترسيخ وبسط سيطرتها الدائمة على المواقع التاريخية والتراثية والدينية للشعب الفلسطيني في محاولة لطمس الهوية الوطنية للأرض وتغيير معالمها كلما استطاعت إلى ذلك سبيلا، وهو ما يشي أيضاً برغبة الدولة العبرية الصهيونية في الاستمرار في احتلال الأجزاء الواسعة من الضفة الغربية في أي تسوية يجري طبخها أو الإعداد لها.

ومن هنا، فإن دولة إسرائيل الصهيونية، وبحكم نشأتها الطارئة والملتبسة، ككيان "استعماري/استيطاني كولونيالي" أوجدها الغرب امتدادا لمصالحه وسياساته في المنطقة كـ"دولة وظيفية"، وبحكم تكوينها الإثني القومي، تجد نفسها اليوم أمام تحولات داخلية عميقة من حين لآخر، تكتسي كل يوم أثواباً جديدة من الحراكات التي تجعل قادتها يهيمون في اندفاع شديد لإثبات "الهوية" أمام قلق المستقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة