سلام دارفور في صموده وعواصف الحركات   
الأحد 24/8/1432 هـ - الموافق 24/7/2011 م (آخر تحديث) الساعة 12:50 (مكة المكرمة)، 9:50 (غرينتش)

إن صمود "وثيقة الدوحة للسلام في دارفور"، الموقّعة بين الحكومة السودانية وحركة التحرير والعدالة الدارفورية في 14 يوليو/تموز الجاري في الدوحة، تحكمه الإرادة السياسية -إن توفرت- حسب الرأي المتفائل لغازي صلاح الدين، مستشار الرئيس السوداني مسؤول ملف دارفور.

إنّ الشك في قدرة الوثيقة على جلب السلام في دارفور ليس في ذات الاتفاقية فحسب، وإنما في تشابه ظروف التوقيع التي نكصت باتفاقية أبوجا 2006 عن التنفيذ.

ثلاثون شهراً هي عمر المفاوضات بين الحكومة السودانية وفصائل التمرد في دارفور برعاية دولة قطر والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، ختمه توصل مؤتمر (أهل المصلحة في دارفور) الذي عقد في الدوحة نهاية مايو/أيار الماضي إلى وثيقة سلام دارفور.

لم تأتِ الوثيقة إلا بمشقة سلسلة من المشاورات عبر منتديات تشاورية للمجتمع المدني واللاجئين والنازحين عُقدت بالدوحة في 2010، اكتملت بلقاءات الوساطة مع أطراف النزاع في دارفور.

هذه الوثيقة النهائية في نظر الموقعين، والمنقوصة في نظر الرافضين هي التظاهرة الأكثر شهوداً داخلياً ودولياً منذ اندلاع أزمة دارفور عام 2003، ومنذ توقيع اتفاقية أبوجا 2006.

تمخضت المفاوضات العديدة خلال عامين ونصف فجاءت هذه الوثيقة إلى الدنيا لتتنفس على إثرها حكومة السودان الصعداء، حيث أصرّت على تسميتها بالوثيقة النهائية والشاملة علها تحقق المرتجى منها بأن يسود السلام في إقليم دارفور المنكوب.

"
تحوّل التكتيك السياسي الذي انتهجته الحركات المقاومة في دارفور إلى تعنّت انقلب عليها شرّ منقلب، حيث فشلت هذه المرة حركة العدل والمساواة في تليين رأي الحكومة نتيجة لضغطها وانسحابها المتكرر من منبر الدوحة
"

وعلى إثرها أيضاً لملمت بعثة الأمم المتحدة بالدوحة أطرافها لتغادر باعتبار أن دورها قد انتهى بالوصول إلى الصيغة النهائية لهذه الوثيقة.

منذ انفجار أزمة دارفور في 2003 تراوحت المشكلة بين محطات هامة يصعب تخطيها لكونها محاولات استنفدت كثيرا من الجهود لوضع حل نهائي للأزمة، لم تحقق أي منها حلاً دائماً بل كانت مقدمات لمشاكسات تبدأ باتفاق على التوقيع وتنتهي بنقض العهود والمواثيق.

كانت البداية باتفاق وقف إطلاق النار الإنساني الخاص بالنزاع في دارفور الموقّع في 8 أبريل 2004، ثم بروتوكولات عديدة خاصة بإنشاء مساعدات إنسانية واتفاق حول ترتيبات إنشاء لجنة لوقف إطلاق النار ونشر مراقبين دوليين، ثم البروتوكول المتعلق بالوضع الإنساني في دارفور وبروتوكول تعزيز الوضع الأمني وإعلان المبادئ لتسوية النزاع السوداني في دارفور، كلها تمت عام 2004.

أما أهم المحطات فكانت اتفاقية أبوجا عام 2006 التي بُنيت على هذه البروتوكولات وتم توقيعها بين حكومة السودان وحركة جيش تحرير السودان. في حين تمت في فبراير 2009 أول مبادرة في الدوحة.

وفي فبراير 2010 تم الاتفاق الإطاري الذي رفضته حركة العدل والمساواة بحجة أن بقية الحركات لا تمثل أهل دارفور.

وتم عوضاً عن ذلك اتفاق تطويري لكافة الاتفاقات السابقة بين حكومة السودان وحركة العدل والمساواة وفيه تم الاتفاق على وقف إطلاق النار، وسلطة دارفور الانتقالية وعودة النازحين وقضية التعويضات.

ترى الحكومة السودانية في الوثيقة أنها جاءت بما لم تأتِ به اتفاقية أبوجا 2006، بينما تراها حركات مثل العدل والمساواة وحركة جيش تحرير السودان، كبرى الحركات الرافضة للانضمام لهذه الاتفاقية بأنها اتفاقية ترضية وتوزيع وظائف على حركة التحرير والعدالة التي هي في وصف حركات المقاومة هذه أنها الأضعف من ضمن الحركات وقوام تكوينها الأساسي هو المنشقون من حركاتهم الكبرى.

بل ذهبت الحركات الرافضة مثل العدل والمساواة إلى أكثر من ذلك بأن وصفت ما جاء في الوثيقة بأنه لا يلبّي مطالب أهل دارفور وتطلعاتهم، وأعلنت عن نيتها القيام بغزو الخرطوم مثلما فعلت عام 2008 بغزوها لمدينة أم درمان، ولكن هذه المرة سيكون بالتعاون مع حركات أخرى غاضبة على الاتفاق.

لم يكن ذلك تغييباً للحركات المسلحة ممثلة في رئيس حركة العدل والمساواة خليل إبراهيم، ورئيس حركة تحرير السودان عبد الواحد محمد نور وشقها الرئيس مني أركو مناوي ورؤساء بعض فصائل دارفور الأخرى بقدر ما أرادته هذه الحركات لنفسها، بل قدّمت هذه المقاطعة للحكومة على طبق من ذهب، وستكون أكثر كرماً لو أهدرت فرصة الشهور الثلاثة القادمة دون أن تنضم للموقعين على الاتفاقية.

تحوّل التكتيك السياسي الذي انتهجته الحركات المقاومة في دارفور إلى تعنّت انقلب عليها شرّ منقلب، حيث فشلت هذه المرة حركة العدل والمساواة في تليين رأي الحكومة نتيجة لضغطها وانسحابها المتكرر من منبر الدوحة.

فلم تعد الحكومة من احتفال انفصال الجنوب المبكي بذات الروح الاسترضائية، بل عادت بشعور المهزوم داخلياً والمزهو بالنصر خارجياً بتحقيق نتيجة الانفصال الحتمية في وجه المجتمع الدولي ومنظمات الأمم المتحدة الداعمة فيما بعد لدولة الجنوب الوليدة والمشغولة بهذا الكيان ووضعه في منطقة القرن الأفريقي.

"
الراجح أن هذا الاتفاق لا يتسنى تنفيذه على أرض الواقع، وذلك لوجود الحركات المتمردة في ساحات دارفور بين الكرّ والفرّ تحاول أن تجد موطئ قدم في أرض احتراب يعلو سماؤها حلم السلام
"

ففي ميدان الانكسارات بحثت الحكومة عن موقف واحد تلملم به أشلاء ما تبعثر من كرامة الأرض، فطفقت تبحث عن نصر غرباً بعد أن أعيتها نتيجة الانفصال جنوباً.

هذا النصر لن تحققه نزاعات إقليم جنوب كردفان ولا قلاقل الشرق وإنما نضج أكله في غرب السودان في دارفور نتيجة للمفاوضات التي استمرت لعامين ونصف ونتيجة لمقومات عديدة، منها ما سلف ذكره ومنها عوامل أخرى كانقسام الحركات المقاومة على نفسها وفشلها في أن تقف في مفاوضاتها يداً واحدة.

ثم يأتي بعد هذا كله الاعتراف المباشر من قِبل الأمم المتحدة وارتياحها للوثيقة كأساس لتحقيق السلام في الإقليم، وشعور الاتحاد الأفريقي بالرضا والتعبير عن ذلك بمشاركتهم في الاحتفال وتوقيع وثيقة الدوحة، كحل ارتضته بعض الأطراف المتنازعة وليس كلها.

الراجح أن هذا الاتفاق لا يتسنى تنفيذه على أرض الواقع، وذلك لوجود الحركات المتمردة في ساحات دارفور بين الكرّ والفرّ تحاول أن تجد موطئ قدم في أرض احتراب يعلو سماؤها حلم السلام.

وإلى أن يتنزّل السلام برداً على أهل دارفور تتصاعد مجدداً موجات حديث الغزو الذي أنذرت به حركة العدل والمساواة، بينما تؤكد السلطات السودانية في تعليقها على هذا الأمر بأن هذه الحركات لا تمتلك سوى بقايا عتاد لا يصلح للنزال.

وبما أن غزو أم درمان ليس ببعيد، فنفس السلطة لم تحل لغز العتاد الخاسر الذي جاءت به حركة العدل والمساواة في 2008 غازية لمدينة أم درمان.

جاء تهديد حركة العدل والمساواة بالغزو بعد تقديمها تعديلات على الوثيقة لم تأخذها الوساطة بعين الاعتبار، لإصرار الطرف الحكومي على أن مضمون الوثيقة لن يفتح للنقاش مجدداً إلا في باب الترتيبات الأمنية، مما يوحي بأن موقف خليل إبراهيم زعيم حركة العدل والمساواة تم التنبؤ به مسبقاً لتبادر الحكومة بقفل باب النقاش قبل أن يُفتح.

أما الذين يلعنون اتفاقية أبوجا 2006 عشية وإبكاراً، فهم نفس من شهدوها قبل حين وأخرجوا سيئاتها الآن بأنها تم التوقيع عليها بواسطة حركة جيش تحرير السودان صاحبة النفوذ السياسي والعلاقات الواسعة آنذاك بغياب الحركات المسلحة.

وبرغم توجس المتوجسين من أن ما تم في وثيقة الدوحة هو استنساخ لأبوجا فإن هذا القول يتحقق إذا أراده الطرفان الموقّعان، فبأيديهما يكون بسط مهلة الشهور الثلاثة لانضمام البقية دون منٍّ ولا أذى.

في الاتفاقيتين أبوجا والدوحة تدخل المجتمع الدولي وأسهم في الوصول إلى مصلحة الاتفاق ولن نقول مع القائلين بأن هناك أجندات خارجية تعرقل عملية السلام.

فالمجتمع الدولي ابتأس من استطالة أمد الحرب في دارفور، والجيران الداعمون فيما قبل كل أصبح على حال. أما ما انفردت به الدوحة رغم طول أمد المفاوضات فإنها تميزت بطول البال من أجل لمّ شتات الأطراف المحتربة ودعوتها مثنى وثلاث ورباع إلى طاولة المفاوضات التي تمت بهدوء لم يعكر صفوه إلا دخول الحركات وخروجها المتكرر من جولة إلى أخرى.

وقد طرحت قضية التنمية كأساس يصلح ما دمرته الحرب ومن قبلها ما دمرته سياسات التهميش التي انتهجتها الحكومات المتعاقبة على السودان ثم تدارك نواقص اتفاقية أبوجا من ملفات الترتيبات الأمنية والمشاركة في السلطة.

"
المطلوب هو إرادة وعزيمة يتحلى بها الطرفان، تنظر صوب تحقيق السلام والأمن والاستقرار لدارفور
"

والخوف من الاستنساخ ليس له من مبرر ما لم يحل رئيس حركة التحرير والعدالة التيجاني سيسي محل مني أركو مناوي الذي وقّع على اتفاقية أبوجا عام 2006 عن حركة جيش تحرير السودان مع الحكومة وحده، ومن ثم تم منحه بموجب ذلك مواقع سياسية رفيعة ليشغل منصب كبير مساعدي رئيس الجمهورية.

الآن يوقع رئيس حركة التحرير والعدالة وحده، ظهره إلى الحركات ووجهه إلى الحكومة، وليس من خوف ما لم يتعنت الطرفان في هذه الوثيقة الجديدة عن تنفيذ بنودها أو يتنكر أحدهما إلى الآخر.

فإن ربأ التيجاني سيسي -الذي كان حاكماً لإقليم دارفور في عهد الديمقراطية الثالثة بين عامي 1985 و1989- بنفسه عن زخرف المناصب واستمسك بحقوق أهله فإن الدعم سيأتيه ساعياً بين يديه، وليس هناك ما هو أقرب من دعم أميركا التي دعته لزيارتها لغرض التفكير في تحقيق سلام دارفور.

جاءت وثيقة الدوحة بفصول اتفاقية أبوجا ثم زادتها فصلين آخرين، لتكون سبعة فصول هي حقوق الإنسان والحريات الأساسية، تقاسم السلطة والوضع الإداري في دارفور، تقاسم الثروة والموارد القومية، التعويضات وعودة النازحين واللاجئين، العدالة وحيادية الأجهزة العدلية والمصالحة ووقف إطلاق النار الدائم والترتيبات الأمنية النهائية.

إن الوثيقة بشكلها النهائي تشابه اتفاقية أبوجا في عدم حسم كافة القضايا المختلف حولها مثل الوضع الإداري للإقليم هل يكون إقليماً واحداً أم يظل الحكم تحت مظلة الولايات، ثم ترك حل هذه القضية لنتيجة الاستفتاء؟

وعملية الاستفتاء لن تكتمل إلا بعودة اللاجئين والنازحين، هذه العودة التي تعتبر تحديا آخر يقف في وجه تنفيذ البند المتعلق بوضع الإقليم الإداري.

ثم يعتمد بند عودة اللاجئين والنازحين على استتباب الأمن وهو ما سُمي في الوثيقة ببند الترتيبات الأمنية.

نأتي إلى المشاركة في السلطة، والخلاف حولها في قول الحكومة إنها لا تريد تمييز أبناء إقليم على حساب إقليم آخر حتى ولو كان تمييزاً إيجابيا، مما جعل أبناء دارفور يتساءلون عن طبيعة وضعهم في مؤسسة الرئاسة أسوة بأبناء الجنوب بعد توقيع اتفاقية نيفاشا 2005.

إذن هذه البنود مرتبطة ببعضها دون انفصام ويعتمد تنفيذ بعضها على بعضها الآخر من حيث أكثرها أولوية.

قرأ الموقعون ما بين السطور ولكن الطرف الأكثر تضرراً من عدم تنفيذ بنود هذه الوثيقة، يشغله كما يشغل الكثيرين، هاجس عدم وجود ضمانات لتنفيذها، فالنوايا الطيبة وحدها لا تكفي لسد مثل هذه الثغرات.

المطلوب إذن هو إرادة وعزيمة يتحلى بها الطرفان، تنظر صوب تحقيق السلام والأمن والاستقرار لدارفور.

وإذا كانت وثيقة الدوحة خطوة مهمة فإن تنفيذها بعد عملية التوقيع عليها يعتبر الإنجاز الأكبر الذي ينتظره شعب دارفور من أجل تذليل العقبات وتحديات إشاعة السلام ليشمل كافة الإقليم وتهيئة البيئة الدارفورية حتى تكون مواتية لحقوق الإنسان وصون كرامته وتمتعه بحقوقه المدنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة