لماذا يصر الإصلاحيون على ترشيح خاتمي؟   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: غسان بن جدو

محمد خاتمي
علي خامنئي
هاشمي رفسنجاني
كأن موضوع ترشيح الرئيس الإيراني الحالي محمد خاتمي لولاية ثانية مدتها أربع سنوات بات ملف الملفات في طهران،.. فأنصاره يناشدونه وضع حد لصمته وإعلان خوضه المنافسة، وجانب من المحافظين لا ينظر بإيجابية إلى "تردده" ويعتبره إشارة سلبية، أقلها أنها تعني ضعفا من الرجل في اتخاذ قرار حاسم في قضية هامة كهذه، وجانب آخر من التيار المحافظ لا يخفي رغبته في أن يفضي صمت خاتمي إلى انسحابه من الانتخابات الرئاسية على قاعدة فشله الذريع في الوفاء بوعوده الكبيرة للشعب، وعلى أساس انهيار مشروع الإصلاحات الأميركية التي كادت تؤدي بالنظام الإسلامي إلى الهاوية لولا تدخل ولي الفقيه (المرشد علي خامنئي) بحزم ولولا تصدي أمة حزب الله لمن أرادوا التسلل إلى نسيج الحكم عبر التيار الإصلاحي وهم يستهدفون الثورة ويعملون على إطاحة النظام بكامله.

أما المتشددون فإنهم لم يكتفوا بإعلان معارضتهم أي تجديد لخاتمي بل بلغوا حد التهكم منه، كما حدث مع صحيفة "حريم" التي أوقفت مؤقتا عن الصدور بأمر قضائي بتهمة إهانة رئيس الجمهورية، أو مع دورية "فيضية" التي يصدرها علماء دين في الحوزة العلمية بـ"قم" والتي وجهت أخيرا انتقادات لاذعة لخاتمي شخصيا.

خاتمي بين بداية عهده ونهايته

عهد رفسنجاني كان عهد التسويات والكواليس، بينما باتت الأمور في عهد خاتمي، وعن عمد وسابق تصميم، أكثر شفافية وعلنية

طبعا، مسألة تبادل الانتقادات والسجالات الحادة باتت لازمة للحياة السياسية في إيران الجمهورية الإسلامية، وهي بلا شك دليل حيوية ومفردة ديمقراطية بمعنى ما، وعلامة انفتاح فضاء الصراع السياسي بين أجنحة الحكم والمجتمع، ولذا فإن توجيه انتقادات لرئيس الجمهورية في إيران ليس أمرا جديدا، ولعل الرئيس السابق أكبر هاشمي رفسنجاني نال نصيبه من الحملات بما يزيد عما تعرض له خاتمي حيثما كان، لكن الفرق بين المرحلتين الخاتمية والرفسنجانية أن الفرز السياسي والثقافي، ومن ثم الاجتماعي لم يكن واضحا وقتذاك وضوحه في السنوات 
الأربع الأخيرة، أو دعنا نقل لم يكن لهذا الحد من الصراحة، خصوصا وأنه يجوز لنا وصف عهد رفسنجاني بأنه كان عهد التسويات والكواليس، بينما باتت الأمور في عهد خاتمي وعن عمد وسابق تصميم أكثر شفافية وعلنية بل يمكن الجزم بأن من يرصد الخيوط المتراكمة للحركة السياسية والإستراتيجية لخاتمي على مدى سنواته الأربع في السلطة يخلص إلى أن خاتمي كان حريصا على نقل معاركة السياسية والثقافية وحتى الأمنية إلى المجتمع أي إخراجها من دهاليز النظام والأجهزة، ليس فقط رغبة من الرجل كما يقول في ترسيخ ثقافة الشفافية والمعارضة ومشاركة الرأي العام في صنع القرار وتوجيهه بشكل ما، والتأثير على أصحاب القرار، بل أيضا وحسب فهمنا، إدراكا من الرجل أن قوته تكمن في المجتمع وبين الشعب وليس في مؤسسات الدولة وهياكل النظام، وأن مخالفيه هم الأكثر نفوذا في هذه الأجهزة، وبالتالي الأقدر على التحكم في بوصلتها وقراراتها. وبمعنى آخر فإن أي تسوية بين كبار القوم إن كان لا بد لها أن تتم فلا يمكن أن تحصل إلا بين أقوياء ومتنفذين، لا بين صاحب القول والفعل عمليا في كل شيء، وبين صاحب قول فقط يردد الشعارات ويوجه الملاحظات والانتقادات، ويقدم وعودا لكنه لا يملك من ناحية الحسم سوى القليل.. وهو ما كان عليه خاتمي في بداية عهده حيث كان رئيسا للسلطة التنفيذية ولم يكن رئيسا للجمهورية بصلاحياته المعروفة والمدونة في الدستور، بل بدا لمراقبين في المرحلة الأولى وكأنه رئيس حكومته فقط، وكأنه صوت المعارضة في الحكم.


الإصلاحيون
لا يرون بديلاً لهم عن خاتمي من الوزن الثقيل

الإصلاحيون الجدد
يرون في انسحاب خاتمي توقفا لمسيرة الإصلاحات، وفي استمراره حماية لأنصاره المقربين من أي "عقاب"

المحافظون المعتدلون
يرون أن قدرتهم الداخلية ما زالت قوية ورادعة، وأن التجديد لخاتمي يعتبر إيجابياً وخاصة على صعيد المجتمع الدولي

المحافظون المتشددون
يرون في بقاء خاتمي خطراً استراتيجياً على النظام، وسيؤدي إلى تفتيت التيار المحافظ

المهم الآن أن خاتمي في نهاية عهده ليس خاتمي في بداية عهده، وذلك من زاويتين أساسيتين على الأقل، أفقية وعمودية..

أما الأفقية فلا شك أن خاتمي بات أكثر قدرة وقوة في مؤسسات السلطة والحكم، على مستوى السلطة الإيرانية والسلطة التشريعية حيث يتمتع الإصلاحيون الموالون له بالغالبية. كما أن أنصاره باتوا أكثر حضورا في الإدارة والأجهزة، ولكنهم بلا شك ما زالوا يفتقدون سلطة "العقوبات والردع"، وهي السلطة التي تجعل الحاكم حاكما في العادة.

أما الزاوية الثانية العمودية، فهي خاتمي بين الشعب ولدى الرأي العام، والمفارقة هنا أنه لا يمكننا القول إن حضور خاتمي ما زال كما كان عليه في بداية عهده حيث حصد أكثر من عشرين مليون صوت ناخب، وفاز بالرئاسة بنسبة 70%، فالمؤشرات الراهنة تفيد أن نسبة التأييد للرجل قد تضاءلت بين من منحوه ثقة مطلقة في الاستحقاق الرئاسي الأول، حتى وإن كانت نسبة التأييد العام له ما زالت ثابتة، لأن جيلا شبابيا جديدا نشأ في السنوات الأربع الأخيرة وبات قادرا على التصويت (سن الاقتراع في إيران 16 عاما) وهو في عمومه يؤيد خاتمي. لكننا نتحدث هنا بصراحة عن شرائح شعبية خاب أملها في خاتمي، بعضها في شخصه، إذ يعتقدون أن الرجل يفتقد القدرة على الحسم والحزم ويؤثر عدم المواجهة مما أخر مسيرة الإصلاحات في رأيهم. وبعضها خاب أملها في خاتمي الشعار والإصلاح، إذ يرون أن العلة لا تكمن في شخص خاتمي بل في طبيعة الحكم وموازين القوى في المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية في أعلى هرم النظام، وأنه أيا كان سواء خاتمي أو غيره، لن يستطيع أن يحدث تغييرات جذرية طالما أن أصحاب القرار هم من في السلطات أو الأجهزة "المعينة" وليست "المنتخبة"، وأن دور الشعب حينئذ سيظل محدودا أيا كانت توجهاته وحماسته ورغبته في صنع القرار الحقيقي وتحديد مصيره الأساسي.

هنا -طبعا- تتباين الآراء والخلاصات والمقاربات.. فأنصار خاتمي من الطبقة السياسية يرون أن الجمهورية الإسلامية شهدت تغييرات حقيقية في السنوات الأربع الأخيرة حيث ترسخت الشعارات التي رفعها خاتمي ووعد بتحقيقها لتصبح ثقافة عامة في الحكم والمجتمع، لا محطات مرحلية مؤقتة، كثقافة سيادة القانون واحترام المؤسسات والدستور، وإشاعة مناخ من الحريات العامة والسياسية والثقافية، حتى وإن كانت المسيرة في هذا الإطار تشهد تعثرات كجزء من الصراع السياسي المعلوم ويعتبر المقربون من خاتمي أن العملية الإصلاحية عملية تراكمية تحتاج هدوءا وصبرا ورؤية إستراتيجية بعيدة عن الانفعال والتسرع، هذا بالإضافة إلى تأكيدهم أن خاتمي كان وسيظل جزءا من النظام الإسلامي ورمزا للثورة وأن الإصلاحات والتغييرات التي طالما تحدث عنها وما زال يدافع ويعلن تمسكه بها هي إصلاحات من داخل النظام وليس -ولن تكون- على أنقاضه، وأن من انخرطوا في التيار الإصلاحي وعينهم على إسقاط النظام تدريجيا هم الذين خاب أملهم.

ترشيح خاتمي لولاية ثانية
يتمسك الإصلاحيون بترشيح خاتمي لأسباب عدة، ولأهداف محددة:

1- فالغالبية تعتقد أن إكمال مشوار الإصلاحات يتطلب استكمال خاتمي لمسيرته بنفسه، ويعتقد أنصاره أن المرحلة لا تحتاج هزات وصدمات من قبيل انسحاب خاتمي.

2- التيار الإصلاحي لا يملك بديلا من الوزن الثقيل يحظى بإجماع بين فصائل التيار الإصلاحي عدا خاتمي، وحتى رفسنجاني الذي يدور همس حول إمكانية خوضه المنافسة على الرئاسة إذا انسحب خاتمي، فإنه لا ينال تأييد الإصلاحيين جميعا ولا سيما الراديكاليين الإسلاميين الذين يمثلهم تجمع علماء الدين المجاهدين برئاسة الشيخ مهدي تروبي رئيس البرلمان وعضوية علي أكبر محتشمي وغيره، وخصوصا حزب جبهة المشاركة الإسلامية الذي يقوده محمد رضا خاتمي، وشخصيات المثقفين والناشطين السياسيين من اليسار الإسلامي الإصلاحي الجديد،.. بل ربما العكس هو الصحيح، فإن انسحاب خاتمي وترشيح رفسنجاني سيؤدي إلى تأييد كبير من المحافظين لرفسنجاني.

3- يرى بعض الإصلاحيين أن انسحاب خاتمي من المنافسة لن يؤدي إلى توقف مسيرة الإصلاحات فقط، بل سيجعل أنصاره في حالة حرجة وربما خطرة أيضا، ويذكر هؤلاء بما حدث لهم انطلاقا من العام 1992م حيث نجح التيار المحافظ في الفوز بالغالبية البرلمانية وتحالف مع رفسنجاني برعاية المرشد خامنئي وأقصي الراديكاليون الإسلاميون (الإصلاحيون الجدد الآن) عن السلطة ومؤسسات الدولة وإداراتها وسجن بعضهم، واضطر مئات منهم -ولا سيما المثقفين- إلى الهجرة بدافع الدراسة أو العمل وحجج مختلفة.. ويظن هؤلاء أن خروج خاتمي من معادلة الحكم الآن ستعود بالويلات على أنصاره المقربين، وأن استمراره بالتالي هو حماية لهم من أي "عقاب".

4- أما بالنسبة للمحافظين فالعقلاء والمعتدلون منهم لا يرون حرجا في تجديد خاتمي، إذ يعتبرون وجوده إيجابيا للنظام ككل، ولا سيما في المجتمع الدولي خصوصا، وأن قدرتهم الداخلية ما زالت مستمرة وقوية ورادعة. لكن المتشددين في التيار المحافظ يرون أن بقاء خاتمي لسنوات أربع أخرى خطر إستراتيجي لأنه سيصبح أكثر نفوذا وقوة وسيكون الزمن لصالحه مما سيؤدي إلى تفتت التيار المحافظ بحصول انشقاقات في صفوفه وذبول أفكاره وشعاراته.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة