جولة الساعات الأخيرة لحرب السلام المستحيل   
الأربعاء 1425/9/27 هـ - الموافق 10/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 11:45 (مكة المكرمة)، 8:45 (غرينتش)
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

ارتكبت القوات الأميركية ما اعتبره مؤيدو حكومة علاوي المؤقتة خطأ جسيما (ولكن يمكن إصلاحه)، حينما اجتمع بعض القادة الميدانيين لتلك القوات مع وفد يمثل سكان مدينة الثورة التي أصبح اسمها الآن مدينة الصدر بعد أن ظلت محتفظة باسم مدينة صدام حتى سقوط تمثال الرئيس السابق في التاسع من أبريل/ نيسان 2003.

وقد تكرس هذا اللقاء الذي حضره وجهاء المدينة بالإضافة إلى عدد من القادة الأميركان للبحث في أسباب نشوب الاشتباكات المسلحة بين الطرفين دون سابق إنذار كلما شوهدت آليات أميركية تتجه نحو مداخل المدينة الواقعة إلى الشمال الشرقي من مدينة بغداد وتقطنها غالبية شيعية، ويحتفظ أنصار الزعيم الديني الشاب مقتدى الصدر بنفوذ واسع قياسا على الحركات الشيعية الأخرى التي كانت تعارض صدام حسين طيلة فترة حكمه.

معارك الإرادات المتصارعة
وبعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في النجف انتقلت المعارك إلى مدينة الثورة، ربما كان ذلك من قبيل التعويض عن الهزيمة العسكرية لجيش المهدي في مدينة النجف التي وقعت فيها أعنف معارك الإرادات المتصارعة في عراق ما بعد صدام حسين.

وقد نظر بعض المحللين العسكريين إلى اشتباكات الثورة على أنها جولة الساعات الأخيرة في حرب السلام، لأن جيش المهدي لو أراد لها استمرارا لصراع القوة لما اكتفى بمواجهة الأميركان في مدينة الثورة، بل لإصدار أوامر واضحة لأنصاره بمواجهة شاملة في كل المدن التي تقطنها أغلبية شيعية مع احتفاظه بهدنة النجف وكربلاء.
 
ومثل هذه المواجهة إن وقعت فستقع في أضعف حلقات التحالف الدولي، وتربك خطوط الإمدادات الرئيسة للقوات الأميركية، ففي مدن الجنوب تنتشر قوات بريطانية ومن دول أخرى تشارك رمزيا في التحالف الدولي.

ويرى مؤيدو السيد إياد علاوي في خطوة القادة العسكريين الأميركان، إضعافا لدور الحكومة المؤقتة في وقت تحرص فيه على رفع صوتها عاليا بالقول إن أي خطط عسكرية للقوات الأميركية بشكل خاص لا يمكن أن تجد طريقها إلى التنفيذ ما لم توافق عليها الحكومة المؤقتة.
 
"
جاءت اجتماعات القادة الميدانيين الأميركان مع ممثلي سكان مدينة الثورة ليؤكد أن الملف الأمني في صفحته السياسية وليس العسكرية فقط لا يزال في أيدي القوات الأميركية
"
فقد جاءت اجتماعات القادة الميدانيين الأميركان مع ممثلي سكان الثورة، ليؤكد مرة أخرى أن الملف الأمني في صفحته السياسية ما يزال في أيدي القوات الأميركية وليس الصفحة العسكرية من ذلك الملف فقط.
 
فهل عادت الإدارة الأميركية في العراق عن قرارها بإناطة ملف التحرك السياسي لحكومة السيد علاوي واعتبرت تلك الإدارة أن الفاصلة الزمنية أكدت إخفاق الحكومة المؤقتة وأنها ليست ذات قدرة كافية لإدارة كل فصول اللعبة السياسية المعقدة، ما يعطي انطباعا أوليا بأن حكومة السيد علاوي التي تتألف في غالبيتها من الشيعة لم تجد إسنادا لها من الوسط الذي تريد الادعاء بأنها أفضل من يمثله.
 
ويمكن للمراقب أن يلمس ذلك بوضوح حينما اضطر وزيران شيعيان هما حازم الشعلان وزير الدفاع وقاسم داود وزير الدولة للإدلاء بتصريحات قوية أثناء معارك النجف، بحيث بدا وكأن الوزيرين يصدران أوامر صارمة للقوات العراقية والأميركية على حد سواء باقتحام أبرز مقدسات الشيعة في العالم وهو قبر الإمام علي، بعد ضرب مقترباته جويا وبالمدفعية.
 
وهكذا اضطرت الحكومة المؤقتة لابتلاع هذا الموقف الذي أظهرها وكأنها تدير العمليات الحربية من غرفة عملياتها، في حين يعرف جميع المراقبين أن العمليات كانت من الاتساع بشكل يقطع أي شك حول قدرة الحكومة على الاضطلاع بها، وأن القوات الأميركية وحدها التي خططت لها وإن جاءت ببعض وحدات رمزية من قوات الدفاع الوطني العراقي لكي يتم التركيز عليها إعلاميا.

وقد يتركز السبب الرئيس لحرج حكومة بغداد من أن لقاء مدينة الثورة جاء متزامنا مع لقاءات سياسية كشفت النقاب عنها صحيفة واشنطن بوست، أجراها أياد علاوي مع وفود تمثل مدن المقاومة العراقية المسلحة في المثلث السني التي انطلقت منها حركة المقاومة لأول مرة.
 
ففي الوقت الذي كان المربع الشيعي فيه ينعم بهدوء كامل، ويتحرك المواطنون فيه بحرية دون تطبيق قرار منع التجوال عليهم، وكان التيار الكهربائي يوفر خدمة ممتازة هناك. كان المثلث السني يواجه الاحتلال بحركة مقاومة مسلحة أخذت تتصاعد مع مرور الوقت ومع تصاعد وتيرة رد الفعل الأميركي وشمولها للسكان الآمنين دون تمييز ما أعطى المقاومة فرصة مثالية للحصول على قاعدة أوسع.
 
حينذاك كان الموقف الرسمي الأميركي يسعى لتأكيد فرضيته بأن السنة يتحركون لاسترداد نفوذهم السابق الذي تم تقويضه بإسقاط حكومة الرئيس صدام حسين فلماذا وقت الأميركان تحركهم السياسي السلمي مع حركة أياد علاوي وبعد أحداث النجف؟

علاوي ولقاء ممثلي المقاومة
"
التخلي عن منطق القوة وتنحية حوار البندقية واعتماد الحوار السياسي الهادئ هو الخيار الوحيد المتاح لتجنيب العراق المزيد من الضحايا والتدمير
"
هل جاءت خطوة السيد أياد علاوي بالالتقاء بممثلي المقاومة المسلحة في كل من الرمادي والفلوجة وسامراء كتحد لأميركا؟ خاصة حينما أكد حصول هذه الاجتماعات في تصريح لإحدى الفضائيات العربية، فمعروف أن الأميركان سبق لهم أن رفضوا العفو عمن يثبت ضلوعه بعمل عسكري أدى إلى إلحاق خسائر بالأميركان، وهو الموقف الذي اتخذته أميركا ردا على تصريحات سبق لرئيس الجمهورية غازي الياور أن أدلى بها.
 
أم أن الأميركان وبعد أن أقر الرئيس جورج بوش بأن أخطاء قد ارتكبت في عملية التخطيط لما بعد الحرب في العراق قد تراجعوا عن بعض سياساتهم؟ وبالتالي كان تصريحه هذا بمثابة الضوء الأخضر لكل المساعي التي تبذلها الحكومة المؤقتة من أجل تهدئة الموقف في أكثر بؤر التوتر شدة.

قد يذهب البعض إلى قبول هذه الفرضية واعتبارها البداية الصحيحة لإيجاد حلول ناجحة لما يعانيه العراق من أزمات متراكبة، غير أن الأحداث اللاحقة جاءت لتدحض ذلك.
 
فالأميركان بدت عليهم علامات عدم الرضا عن خطوات السيد علاوي شخصيا، بحيث ظهر على السطح وكأن انقساما وقع في صفوف الحكومة. ولم ينتظروا طويلا لمعرفة النتائج التي ستصل إليها لقاءات علاوي بالمقاومة فبدؤوا تصعيدا عسكريا قويا في الكثير من المدن العراقية وبنفس الذرائع السابقة.
 
فقد قصفت الطائرات المقاتلة والمروحية والدبابات الأميركية كلا من الفلوجة والرمادي والقائم وتلعفر، بشكل يطرح تساؤلا ملحا، إذا كانت القوات الأميركية ترجع في تنفيذ عملياتها الكبيرة إلى موافقة الحكومة العراقية المؤقتة، فهل يعني ذلك أن كل ما يحصل من قبل تلك القوات قد تم بعد الحصول على الإذن العراقي بذلك؟ وإذا كان هذا هو ما حصل فعلا أفلا يعني أن الإدارة الأميركية في العراق (مدنية وعسكرية) تضع عن سابق قصد السيد أياد علاوي في دائرة حرج بسبب الازدواجية التي يمكن أن يتهم بها في حوار مباشر مع ممثلي مدن المقاومة الوطنية من جهة ، ثم إصدار الأوامر، أو إعطاء الموافقة على قصف تلك المدن دون تمييز من جهة أخرى.
 
فهل أراد علاوي عبر الإعلان عن خطته الأمنية المرتكزة على مبدأ الحوار إعلان تفصله مما تقوم به القوات الأميركية التي تصر بصفة مستمرة على أنها تقوم بذلك بموافقة حكومته، أم انه يحاول اقتناص فسحة من الزمن لتثبيت أقدامه وسط حقل ألغام يحمل من الخطورة أكثر مما يحمل من عوامل السلامة دون أن يلزم نفسه بموقف واضح من القضايا التي تواجه حكومته.

وبصرف النظر عما إذا كانت تلك اللقاءات التي تم توقيت بدايتها مع بدء اجتماعات المؤتمر الوطني العراقي قد حققت نجاحا أم لم تحقق الأهداف المرسومة لها فإن ذلك المسعى أكد أن التخلي عن منطق القوة وتنحية حوار البندقية واعتماد الحوار السياسي الهادئ هو الخيار الوحيد المتاح لتجنيب العراق المزيد من الضحايا والمزيد من التدمير، وهذا الخيار الصائب كان يجب أن يتقدم على أسلوب العصا الغليظة التي اعتمده كل من تولى المسؤولية في عراق ما بعد صدام حسين.

من يتنازل لمن؟
"
الحلول المبنية على منطق الحرص على الوطن تأتي عادة من الحكومات بالمرتبة الأولى، لأنها تتمتع بالأهلية لتحمل المسؤولية دون إحساس بالغبن أو الهزيمة
"
ومع افتراض الجدية في الحوار الحالي اعتبره الكثيرون مجرد اللقاء إنجازا لحكومة علاوي، وعلى هذا قد يتفق طرفا الحوار على إبقاء باب الاتصالات مفتوحا وقد يناسبهما معا عدم التوصل إلى حل جذري للموضوعات المدرجة في جدول الأعمال هذا في حال وجود جدول للأعمال أصلا، غير أن إشكالية مهمة ستبرز بين الطرفين.
 
فالحكومة غير قادرة على إعطاء موافقة على مطالب المقاومة ما لم ترجع إلى مصدر القرار الرئيس، وهو القوات الأميركية التي ما تزال تمسك بالملف الأمني، وكان هذا مبعث التعليق الذي أطلقه أحد المشاركين في اللقاءات حينما قال إن السيد أياد علاوي عوض النقص في الصلاحيات بالحديث بعبارات استعاد الكثير من مفرداتها من قاموس الدبلوماسية البريطانية، حيث أقام أكثر من ربع قرن في المنفى.

أما المقاومة فإنها وبسبب التنوع العقائدي لعناصرها وكذلك بسبب ضعف المستوى القيادي من أفرادها المشاركين في اللقاء فإنها لا تستطيع الإجابة الفورية على طلبات الحكومة، لأنها إن فعلت ذلك قد تكون أعطت شيئا دون الحصول على مقابل، وبذلك ستعرض نفسها لمخاطر إضافية، خاصة أن الفكرة السائدة لدى أوساط المقاومة هي أن القوات الأميركية تخوض حرب استنزاف ضدها وعلى مراحل، مع الأخذ بعين الاعتبار عدم التكافؤ في حجم القوة أو منظومة التعويض بالأسلحة والعتاد الحربي، إضافة إلى الاعتماد على الغارات الجوية التي تشنها الطائرات الحربية والمروحية كي تتجنب وقوع خسائر في صفوفها مع إلحاق أكبر الخسائر في المدن العراقية ما يؤمن إحداث شرخ في العلاقة بين المقاومة والمحيط السكاني الذي تتحرك فيه.

وأيا كان الأمر فإن التوصل إلى حل لأزمة النجف التي أدت إلى خروج جيش المهدي منها ثم الدعوة التي وجهها السيد مقتدى الصدر لأنصاره لنزع أسلحتهم والدخول في العملية السياسية الجارية قد فتح شهية الحكومة للتلويح بغصن الزيتون، مع الاستمرار باستخدام الهراوة الغليظة التي هي باختصار القوات الأميركية، فأين ستكون النقطة التي يلتقي عندها الطرفان ومن الذي سيقدم تنازلات أكبر؟

مراقبو الملف العراقي يؤكدون أن الحكومة هي التي يجب عليها تقديم التنازلات إذا ما أرادت أن يبدأ تاريخ جديد لبلد دمره الاحتلال الأميركي فأمر كهذا قد لا يهم الأميركان بقدر ما يعني أبناء البلد أنفسهم، ثم تاريخ الحلول المبنية على منطق الحرص على الوطن يأتي عادة من الحكومات بالمرتبة الأولى، لأنها بصفتها هذه أعطت لنفسها صفة الأهلية لتحمل المسؤولية دون إحساس بالغبن أو إحساس بالهزيمة.
ــــــــــــــــــ
كاتب عراقي
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة