أكراد سوريا.. أزمة هوية   
الأربعاء 3/6/1435 هـ - الموافق 2/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:38 (مكة المكرمة)، 13:38 (غرينتش)
عماد مفرح مصطفى


تتنازع الوجدانية السياسية لدى أكراد سوريا، نزعتان وطنيتان مختلفتان، شبه متناقضتين في المرحلة الراهنة على الأقل، فبين "وطنيتهم السورية"، التي كانت موضع شك واستفهام من قبل الحكومات المتعاقبة على حكم دمشق، و"كردستانيتهم"، التي استغلت من قبل أشقائهم في الأحزاب الكردية الكبيرة في تركيا والعراق، لم يتمكن أكراد سوريا من خلق تصور سياسي واضح حول هويتهم الخاصة.

تنازع أثر على الموقف الكردي العام من الثورة السورية وتحولاتها، وشكل عامل شد وجذب خلال السنوات الثلاث المنصرمة من عمر الثورة، ففي حين تمكن الخطاب الوطني للثورة أثناء سلميتها، من توفير الأرضية المناسبة للانسجام الحقيقي بين المكونات الأهلية السورية، وامتصاص المخاوف "الأقلوية"، لدى شريحة كبيرة من الأكراد، عادت الأمور لتحتكم للهواجس، ولم يعد يلقى نفس الخطاب ذات التعاطف والانفعال مع استمرارية الصراع العسكري، واندلاع المواجهات المسلحة في المناطق الكردية.

في حين تمكن خطاب الثورة أثناء سلميتها، من توفير الأرضية المناسبة للانسجام الأهلي، عادت الهواجس والانفعالات مع استمرار الصراع العسكري، واندلاع المواجهات المسلحة في المناطق الكردية

وبدافع تلك التطورات، شكلت مقاربة العلاقة بين الوطنية "السورية" و"الكردستانية" ثقلا سياسيا وأيديولوجيا على كاهل القوى السياسية الكردية، دفعها قصورها السياسي إلى التعامل مع وطنيتها "السورية" بنوع من "البراغماتية" والابتزاز، ومع "كردستانيتها" برومانسية مفرطة، حيث لم تستطع تجاوز تصوراتها الذهنية المسبقة، في اعتبار كل ما يرتبط "بالوطنية السورية" وشكلها الكياني، هو مصدر تعنيف وتشكيك وتهميش، واعتبار "كردستانيتها" مصدر حلم وخلاص وإلهام.

والحقيقة، أن إشكالية "الانفصام الوطني" لدى الأكراد، ناتجة عن خصوصية قضيتهم في المنطقة وحساسيتها.

فقد منعوا من تشكيل أي كيان أو دولة خاصة بهم، بعد إلحاقهم بأربع دول قومية في بدايات القرن الماضي، ما أفقدهم المركزية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وزاد من مستوى القلق الوجودي الذي أسس للوعي المسكون بهاجس الموت والزوال، والذي لم يستكن إلا في سياق أيديولوجي قومي وشمولي، ابتلع كامل الوجود الكردي، وأضفى عليه صبغة ذات لون وبعد واحد، قابلتها "الأطراف السورية" -التي بدورها تشكو من أمراضها الذاتية والأقلوية- بمسافات فاصلة وشكوك كثيرة.

هكذا، وبقدر ما كشفته الظروف المحيطة بالثورة السورية من اختلالات في "الوطنية الكردستانية" في نفوس الأكراد السوريين، وإن بمستويات مختلفة، تفاقمت أزمة الهوية "الوطنية السورية"، في ظل ارتفاع مؤشرات العنف والتخوين بين المكونات السورية، وظهور ضعف الرابطة بينهم وعدم تبلورها كواقع سياسي عام يفرض إيقاعه على مجريات الأمور.

وهو ما يمكن رده إلى أن سوريا، ومنذ ولادتها افتقدت المشروع الحقيقي للدولة المنسجمة مع مكوناتها المختلفة. فقد كان رد فعل الكثير من المجتمعات الأهلية السورية على ولادة دولتهم، في بداية القرن الماضي، هو النكوص السياسي والارتياب من مركزية السلطة، وهو اتجاه دعمه استبداد البعث، مثلما أسسته النخب السياسية عبر ترويجها الدائم بآنية وزوال الدولة القائمة لصالح مشاريع أيديولوجية شاملة.

ما يمكن ملاحظته، أن التنازع بين الوطنيتين في الوعي السياسي الكردي في سوريا، جاء كنتيجة لسياقات أيديولوجية تسبق السياسة بخطوات، وليس عن سابق تجارب، فالوطنية "الكردستانية" تمت مداراتها بخطاب قومي رومانسي، دون إخضاعها لمراجعة نقدية، أو اختبارها في إدارة سلطة ما، تحتم عليها تحولات وممارسات سياسية، تتسق مع واقعها وتدفعها لتجاوز خانة المعتقد والرغبة "الباطنية" في التملك والهيمنة.

كذلك لم ترتق "الوطنية السورية"، المغيبة حتى عن خطاب التيارات السياسية العربية، إلا ببعدها "الفاشي"، إلى سوية التطابق بين مفهومي "الوطن والشعب"، وبالتالي تمكينها من احتواء الأكراد وتوجهاتهم.

الواضح، أن جوهر الحدود "الوطنية الكردية" وتصوراتها السياسة في سوريا، عرضة للأخذ والرد، وهي غير مرهونة فقط بالعلاقة مع دمشق وتياراتها السياسية، بل تنصاع في أحد أوجهها للخلافات الكردية الكردية، وأطرافها المحركة، ورؤيتها "لكردستانية" أكراد سوريا أنفسهم.

فحزب "الاتحاد الديمقراطي" -وهو صاحب السلطة الفعلية في أرياف المناطق الكردية- يصيغ الوجود الكردي في سوريا، ضمن مفاهيم "الأمة الديمقراطية" ومشاريع "الإدارات الذاتية"، وفق تصورات زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان.

كذلك تطرح أحزاب "المجلس الوطني الكردي"، القريبة من رئيس أقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، مشروعها غير الواضح حول "اللامركزية السياسية"، المتشابه في جوهره، مع الفدرالية الكردية في العراق.

يبدو أن أكراد سوريا بانقسامهم السياسي المتباين، بين تياري "الأخوة الأعداء"، باتوا أمام تعقيد أكبر، وقد أعادتهم العسكرة والمواجهات المسلحة إلى تفضيل "كردستانيتهم" على "سوريتهم"

وعلى هذا الأساس، يبدو أن أكراد سوريا بانقسامهم السياسي المتباين، بين تياري "الأخوة الأعداء"، باتوا أمام تعقيد أكبر للمفاهيم الوطنية المتضاربة، وقد أعادتهم العسكرة والمواجهات المسلحة إلى تفضيل "كردستانيتهم" على "سوريتهم".

والحال، أن جذر التباين والتعقيد في الانتماءات السورية، عموما، سببه الافتقاد لنظام سياسي ديمقراطي يحل المعضلات القومية والوطنية بطرق سلمية، ويخلص المجتمع السوري من الانصياع الأزلي والمطلق "لعروبة البعث"، الذي أوجد لمشكلة "الهوية السورية" حلا قسريا واستبعاديا وغير تعاقدي، وجعله إطارا خاويا من التفاعل والمعنى، ما لبث أن حوله العنف الممنهج للنظام إبان الثورة، إلى ما يشبه الانتماءات القاتلة، الدافعة لزيادة الشروخ الاجتماعية والسياسية، والمؤدية بطبيعة الحال إلى وجهات نظر متباينة ومتناقضة حول "الوطنية السورية".

مهما يكن، فإن مستقبل أكراد سوريا، مرتبط بشكل عضوي بمستقبل سوريا، كدولة تحتاج إلى إعادة التعريف بتعددها الديني والقومي والإثني في فضائها الثقافي العام.

ولذا من الأهمية إعادة الاعتبار للحالة الثورية، ليس في جعلها نقطة الارتكاز في خلق التوازن بين المحددات الوطنية الجديدة فقط، بل في إيجاد الآلية والأرضية المناسبة لخلق فرص التوازن بين ما هو "كردستاني" و" سوري".

وقد بات واضحا، أن الحساسية القومية لدى أكراد سوريا لن تتأهل إلى مشروع "دولة الأمة"، ما لم يسبقها اعتراف بحقوقهم القومية، ذلك أن الهاجس القومي، وما تلقاه الكرد من ظلم باسم "قوميات أخرى"، لن يتآلف مع مقتضيات الدولة الوطنية الجديدة، ما لم يرتكن إلى اعتراف قانوني ودستوري.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة