الإخوان المسلمون وصناعة الرئيس   
الأحد 1433/9/11 هـ - الموافق 29/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:30 (مكة المكرمة)، 13:30 (غرينتش)
عبد الرحمن أبو ذكري

يظنّ البعض أن مهمّة جماعة الإخوان المسلمين قد انتهت وبلغت مداها، بانتخاب أحد أبنائها لرئاسة الجمهوريّة المصريّة الثانية. وقد يصحّ ذلك في دولة تمتلك ثقافة حُريّات مُتجذرة وخلفيّة ديمقراطيّة عريضة.

أما والحال في مصر على ما نعرف من عداء الجمهوريّة الأولى وأجهزتها للإسلاميين، ذلك العداء الذي جاوز عمره نصف القرن، وتعدّى المنتمين لما يُسمّى بجماعات "الإسلام السياسي" إلى بعض مظاهر الإسلام ذاته؛ تلك المظاهر التي تخشى الأنظمة توظيفها سياسيًّا واجتماعيًّا للخروج على النصّ غير المكتوب المفروض على الساحة السياسيّة، ليشيع مثلاً اعتقال كل من نمت شُعيرات وجهه، ولو كان ذلك لضيق ذات اليد!

وصول الإسلاميين لمقاعد السُلطة ليس نهاية المطاف، ولا حتّى بدايته, ولن يكون العمل الجادّ الدؤوب وحده بقادرٍ على تهيئة بيئة شبه مُوضوعيّة للحُكم على ما تحقق فعلاً

في مثل هذا المناخ الضاغط، فإن وصول الإسلاميين لمقاعد السُلطة ليس نهاية المطاف، ولا حتّى بدايته. بل ولن يكون العمل الجادّ الدؤوب وحده بقادرٍ على تهيئة بيئة شبه مُوضوعيّة للحُكم على ما تحقق فعلاً. ولعلّ ذلك راجع بالأساس إلى المناخ الثوري الذي يسود البلاد، بما ينطوي عليه من ديماغوغية ونزوعٍ طفوليّ إلى التمرُّد غير المُسبب، أو الذي يستندُ لأسبابٍ تافهة في أحيانٍ كثيرة.

يُضاف إلى ذلك تربُّص كارهي الرؤية والمشروع اللذين يفترض صدور الرئيس المنتخب عنهما، وهو ليس تربُّصاً سلبيًّا للأسف، بل تربُّصٌ مُعيق. فأكثر هؤلاء قد تغلغلوا في مفاصل الدولة المصريّة، ومؤسساتها الثقافيّة والإعلاميّة، ليُشكّلوا تحدياً حقيقيًّا؛ ليس لنجاح الرئيس فحسب، بل لتمكُّنه أصلاً من سُلطاته الدستوريّة التي تُتيح لهُ تنفيذ برنامجه.

وقد لوحظ مؤخَّراً أن كثيراً ممن صُنّفوا زمناً كيساريين، ثم ارتدوا قناع الليبراليّة الأميركي طوال العقدين الأخيرين بعد سقوط الكتلة الشرقيّة وإفلاس أيديولوجيّتها؛ بدؤوا هذه الأيّام بالإعلان عن كُفرهم بالديمقراطيّة الليبراليّة، لما وصفه بعضهم بـ"تخلّي" أميركا عنهم، لحساب "الرجعيّة الدينيّة"!

وملأ أكثرهم الدنيا عويلاً بإعلان ارتدادهم لأيديولوجيّاتهم الفاشيّة القديمة، لمواجهة ما أسموه بـ"الدولة الدينيّة"! المثير أن أكثر هؤلاء المتلوّنين المتباكين على الديمقراطيّة من صنائع فاروق حُسني، وزير الثقافة الأطول عُمراً في تاريخ مصر، الذي أسماهُم بـ"مُثقّفي الحظيرة"، للدلالة على تمام تدجينهم وولائهم للنظام السابق، وتفانيهم في خدمته بشكلٍ فجّ؛ مُستفيدين من فساده واستبداده بدرجات متفاوتة، ومُتغلغلين في مفاصل الدولة وأجهزتها، ومُشكّلين نُخبتها الإجباريّة!

هذه النُخبة، ربيبة البيروقراطيّة، ومن ورائها العسكر يستفزّونها؛ لا يُمكن تجنُّب تشويشها على قرارات وسياسات الرئيس الجديد بسهولة، ناهيك عن تحييدها. فهي ليست نُخبة ثقافيّة، أو طبقة "مُستنيرة" واضحة التكوين يُمكن الحوار معها بشكلٍ عقلاني مُنفتح، بل هي"عصابات" من أصحاب المصالح؛ الذين تداخلت مصالحهم مع مصالح النظام السابق، بشكلٍ غير مسبوق.

وقد كان هذا سبباً رئيسيًّا في تأخُّر تشكيل "تأسيسيّة الدستور"، ومن قبله تخبُّط قرارات العسكر الذين اتخذوا من هؤلاء مستشارين. وقد ظنّ الإسلاميّون، في خضمّ اللغط الذي ساد عن التوافُق؛ أنّهُم يتعاملون مع طبقات أو جماعات مُتجانسة أو مؤتلفة فكريًّا على الأقلّ، لكن الواقع أثبت أنّها مُجرَّد جيوب من أصحاب المصالح لا يربطها رابط.

فإذا اتفقت جماعة منهم على شيء، رفضته بقيّة الجيوب إن لم تكُن لها مصلحة مُباشرة. ومن ثمّ، فالخلاف معهم ليس خلافاً فكريًّا شريفاً (أو حتّى غير شريف!) يُمكن تجاوزه، ولو مؤقّتاً، بدافع المصلحة الوطنيّة، بل هو في جوهره صراع على السلطة ذاتها، ومكتسباتها غير المشروعة. وقد بلغ التطرُّف ببعضهم للتنظير لديكتاتوريّة النُخبة التي "يُمثّلونها"؛ بما أنّ الشعب يجهل مصلحته!

ولأننا بصدد بناء نظام ديمقراطي مُعاد بطبيعته لمصادرة الرأي والفكر، نظام يستمدّ شرعيّته الحقيقيّة من الشعب، لذا، فإن آليّة تحييد هذه النُخبة وآثارها الضارّة يجب أن تتفق مع طبيعة النظام الجديد، وطبيعة الشعب المصري نفسه، والتي تُدركها هذه النُخبة جيّداً، بل وتتقزز منها! آليّة تحتفظ للشعب بحضوره في الفضاء العام لأطول فترة مُمكنة.

ولا سبيل لذلك كُلّه إلا بتجاوز النُخبة المريضة، إعلاميًّا، وفتح قناة فريدة للحوار المُباشر بين الشعب وقيادته المنتخبة. وقد بدا الرئيس المنتخب واعياً لذلك بشكلٍ ما، خصوصاً في خطابه الوحيد في ميدان التحرير، والذي تلا فوزه بالانتخابات. هذا التجاوز سوف يُسهم في تيسير مهمّة الرئيس العسيرة، وترسيخ تقليد قديم جديد.

وبما أنّ الرئيس قادر ومؤهَّل دعويًّا، كأكثر إخوان جيله؛ على خطبة الجمعة، وبما أنّهُ مُسلم مُتديّن حريص على صلاة الفجر في جماعة، فإن هذه فُرصة للنزول مباشرة للشارع ينبغي استغلالها، لتجاوز تواطؤ الإعلام والنُخبة ووثنيّة هرم السُلطة، والتفاعُل المباشر مع الجمهور، والمكاشفة، ودعم الحوار المجتمعي حول قراراته وسياساته.

مطلوب من الرئيس أن يخطب الجمعة في الجامع الأزهر الشريف مرّة واحدة شهريًّا على الأقلّ، وأن يسعى لصلاة الفجر في مسجدٍ مُختلفٍ كُلّما أمكن ذلك، ليلتقي مُباشرة، وبصفة دوريّة؛ مع مُختلف الشرائح والأعمار، وليظلّ موصولاً بنبض الشارع وردود أفعاله، بعيداً عن كهنة الأبراج العاجيّة.

مطلوب من الرئيس ألا ينفصل عن الناس في غُرفة مُكيّفة؛ أسيراً للتقارير والمُلخّصات، بل أن يكون أميناً حقيقيّاً على مصلحتهم؛ يشعُر بهم، ويُشركهم في القرارات الكُبرى، ويتفاعل معهم بشكلٍ مُباشر

مطلوب ألا ينفصل عن الناس في غُرفة مُكيّفة؛ أسيراً للتقارير والمُلخّصات، بل أن يكون أميناً حقيقيّاً على مصلحتهم؛ يشعُر بهم، ويُشركهم في القرارات الكُبرى، ويتفاعل معهم بشكلٍ مُباشر. مطلوب منه ألا يخوض صراعاته المصيريّة وحده، فإن كان السادات قد حظي بمساندة سلاح الحرس الجمهوريّ، ليتمكَّن من ممارسة سُلطاته الدستوريّة، فإنني أشُكّ -والقرائن كثيرة- في أن محمّد مُرسي يحظى أصلاً بعُشر هذا الدعم من السلاح ذاته! لذا، فمطلوب من الرئيس المنتخب الاستعانة بالضغط الشعبي ليُمكِّنَهُ من ممارسة سُلطاته، فلا يتحمَّل عبء انتخابه وحده، بل يتحمَّلهُ كُلّ من ارتضاهُ رئيساً، وليس من انتخبه فحسب.

لكن لن يستطيع الرئيس تحقيق شيء مما سبق باللجوء إلى التسخين وتهييج الجماهير كما غلب على خطابه في التحرير. فإذا كان التسخين مطلوباً في بعض الأحيان لدفع التأييد الشعبي إلى مُنتهاه؛ إلا أننا بصدد معركةٍ سياسيّةٍ حقيقيّة وحربٍ إعلاميّة شاملة، وهو ما لا يُجدي معه التسخين بغير المكاشفة؛ خصوصاً في ظلّ تنامي الوعي السياسي عند الجيل الذي قام بالثورة، والذي يُنتظر منه أن يُشكِّل نواة الكُتلة الحرجة الداعمة للرئيس.

وحدها المكاشفة والمصارحة تضعُ التزامات مُحددة على عاتق المؤيّدين، وتجعلُ التسخين أكثر فعاليّة، وأبعد أثراً. فنحنُ جيلٌ لا يعبأ بالخُطب والشعارات، ولا يهمّه في الغالب ما يقوله الرئيس، بل ما يفعله. والرئيس الذي وعد بأن يظلّ الشعب هو مصدر السلطات؛ يجب أن يلتزم بوعده، ويُكاشف ذلك الشعب بالعقبات التي تعترض طريقه، فإما ذللوها معه، وإمّا تنحّوا جميعاً!

إن من أكثر المغالطات الشائعة أن الجيش قد حمى الثورة، وهو الوهم الذي تبدد في أحداث شارعي محمد محمود ومجلس الوزراء. إن الجيش الذي انقلب على الملكيّة "الفاسدة"، وابتلانا برؤساء من المنتمين إليه كان فقط مُعارضاً لمشروع توريث الحُكم للابن المدلل "المدني". وحين سقط المشروع نهائيًّا؛ أسفر المجلس العسكري عن وجهه القبيح، وسعى -جاهلاً بتحوّلات الوضع الدولي الجديد- للدفع ببعض الدُمى إلى الواجهة، رُبّما لاستنساخ تجربة الجزائر!

إن انتخاب محمد مُرسي لا يختلف في نتيجته -بالنسبة لهؤلاء- عن تنصيب جمال مبارك، فالنتيجة واحدة؛ مدني على رأس المؤسسة العسكريّة. بل إن محمّد مُرسي يُعدُّ أكثر خطورة -ولو نظريًّا- فهو مدعوم بتنظيم، وبشرعيّة حقيقيّة، فقد جاء بإرادة المصريين، ومن خلال صناديق الاقتراع، وذلك على عكس ابن مبارك.

إن العقبات المسكوت عنها في الخطاب السياسي هي ذاتها العقبات التي اعترضت الثورة، وحاولت إجهاضها أكثر من مرّة. وإذا كانت محاولة إجهاض الثورة قد فشلت، لكن محاولات احتوائها قد نجحت، فقد كان أحد أهم أسباب ذلك النجاح هو عدم وجود قيادة للثورة، وتفرُّق كلمة الشعب بعد تنحّي مُبارك.

أما وقد اختارت الثورة رئيسها، فلا يصحّ منه، ولا يحقُّ له أصلاً أن يستمرّ في ذات المسار السياسي الغامض الذي وسم كثيراً من تصرُّفات الإخوان خلال العامين الماضيين، ووصمها بالانتهازيّة. قد يجوز للرئيس كتمان بعض تكتيكاته المرحليّة لضمان نجاحها، لكن لا يحقُّ لهُ أصلاً كتمان إستراتيجيّته المستقبليّة.

إنّ عزل الشعب عن المعركة التي تجري في الغرف المغلقة ليس إضعافاً للرئيس فحسب، بل هو أيضاً افتئاتٌ على حقوق الشعب الذي اختاره. إنها ليست معركة الرئيس ولا معركة جماعة الإخوان، بل هي معركة المصريين جميعاً.

هذا عن الرئيس، أمّا عن الجماعة، فالمطلوب منها كثير؛ بل أكثر مما تظُنّ. والحديثُ عن الجماعة هنا يشمل بالتبعيّة الرئيس والبرلمان والحزب. المطلوب أن تستعين الجماعة بأهل الخبرة من الباحثين والمحللين، لتُدرك اللحظة التاريخيّة، إقليميًّا ودوليًّا، التي يُظهر خطابها أنها لم تستطع -للأسف- أن تُدرك أبعادها إلى الآن.

فلا زالت الجماعة تتصرَّف بمنطق التنظيم "المحظور" المستضعف. تستجدي الشرعيّة من الرائح والغادي، وتتفاوض مع الجميع، وإن كانت أنانيّتها وقِصَر نظرها تتغلَّب في النهاية! فهي تتفاوض مع الأطراف الخطأ في الوقت الخطأ، وتتعامل بمنطق التوافُق والتعاون مع من لا يؤمنون أصلاً بغير الإقصاء والاقتلاع؛ كما أثبتت التجربة العمليّة خلال العام الأخير.

لقد دأبت الجماعة منذ منتصف سبعينيّات القرن العشرين على تجنُّب الصدام السياسيّ مدفوعة برُهابٍ شكّلته عُقدة معاناتها في الأربعينيّات والخمسينيّات والستينيّات، وللأسف لا زال نفس الجيل، الذي يعتبر الصدام السياسي/الفكري العلني انتحاراً، يُسيطر على الجماعة ويُوجِّه قرارها؛ غافلاً كُليًّا عن فضاء الممكن، وواجبات الدعوة العلنيّة، وتغيُّر مُعطيات السياسة الدوليّة لحسابه.

لا زالت جماعة الإخوان المسلمين مُلزمة بالدعم الكامل وغير المشروط للرئيس المنتخب، لتمكينه من ممارسة سُلطاته الدستوريّة

يُضافُ إلى تلك الحزمة من العوائق إعلام الجماعة، وهو إعلامٌ بعيدٌ كُلّ البُعد عن المهنيّة والاحترافيّة، وأقرب إلى إعلام الهواة. لقد كان حريًّا بهذا الإعلام أن يحمل لواء الرئيس المنتخب، ويخوض معاركه إلى جانبه، فيحشد له الشارع، ويُعينه على انتزاع سُلطاته، لكن أنّى له ذلك وهو أصلاً منقوص الشرعيّة في عيون "عُقلاء" الإخوان؛ بل يعتبرُه الكثيرون باباً للارتزاق فحسب، وليس فاعلاً رئيسيًّا وأصيلاً في الحياة السياسيّة.

لقد أحلّ مرشد الجماعة رئيس الجمهوريّة من بيعته عشيّة انتخابه، لكنّ هذا لا يحصُر مهمّة الجماعة في الدعم عن بُعد، ولا في حشد المتظاهرين من أبنائها في ميدان التحرير أيّام الجمعة من كُلّ أُسبوع، فلا زال الطريقُ طويلاً حتى يتمكَّن الرئيس من كُلّ سُلطاته الدستوريّة، وهو ما يقتضي جهداً مُنظّماً وعلى درجة عالية من الاحتراف.

إذ لا زالت الجماعة مُلزمة بالدعم الكامل وغير المشروط للرئيس المنتخب، لتمكينه من ممارسة سُلطاته الدستوريّة. تلك المهمّة التي لا أعرف كيف ستضطلع بها الجماعة بحالتها هذه, لكنّي أؤمن أنها إن نجحت، فسوف يكون الرئيس الجديدُ مُفاجأة كاملة؛ مفاجأة مُبهرة حتّى للجماعة التي انتمى إليها دهراً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة