أي نظام دولي قد يتشكل؟   
الثلاثاء 1428/3/2 هـ - الموافق 20/3/2007 م (آخر تحديث) الساعة 16:04 (مكة المكرمة)، 13:04 (غرينتش)


منير شفيق

الذين تحدثوا طويلا منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات من القرن العشرين حتى اليوم عن قيام نظام عالمي أحادي القطبية تقوده أميركا، عليهم أن يراجعوا أنفسهم ولو متأخرين عشر سنوات على الأقل.

فهذا التقدير لم يعد يذكره أحد إلا على سبيل العادة أو الوهم، فأميركا الآن الدولة الكبرى تواجه عزلة دولية خانقة، وقد اعترفت هي نفسها بالحاجة إلى العمل من خلال أوروبا وحلف الأطلسي، كما من خلال مجلس الأمن عبر التفاهم (المساومة) مع روسيا والصين وفرنسا.

فبوش الآن يزور عددا من حلفائه في أميركا اللاتينية بعد أن أفلت أكثر من 300 مليون من سكانها الـ365 مليونا من سلطان بلاده، وراحوا يحاولون شق طريق في الاقتصاد والسياسة بعيدا عن العولمة وعن السياسات الأميركية.

ووزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس حليفة الثلاثي الصقوري (بوش وديك تشيني ورمسفيلد) تجد نفسها هزيلة متراجعة أمام وفدي إيران وسوريا في مؤتمر بغداد، بعد أن كانت تصر على التعامل مع الدولتين بلغة الحصار والعزل والمقاطعة والتهديد (طبعا ما زال مشروع الحرب ضد إيران لنزع برنامجها النووي على رأس الأجندة الأميركية-الإسرائيلية).

"
منذ بداية هذا العام بدأ التقلب العربي لشق طريق سياسي غير الطريق الأميركي الذي فرض نفسه على سياسات 2006 خاصة، وذلك دون أن يأخذ شكل المواجهة أو التعارض مع سياسات أميركية أصبحت مرتبكة لا تدري ماذا تفعل
"
فمنذ بداية هذا العام بدأ التقلب العربي لشق طريق سياسي غير الطريق الأميركي الذي فرض نفسه على سياسات 2006 خاصة، وذلك دون أن يأخذ شكل المواجهة أو التعارض مع سياسات أميركية أصبحت مرتبكة لا تدري ماذا تفعل.

أما روسيا والصين والهند فقد راحت كل دولة منها تتعامل مع الإدارة الأميركية باعتبار رئيسها أصبح بطة عرجاء بعد ما أصابه من فشل وإخفاق في كل من العراق وفلسطين ولبنان كما على مستوى "مشروع الشرق الأوسط الكبير" الذي راح يصغر ويصغر إلى أن غاب حتى عن التصريحات الأميركية الرسمية، ولو على سبيل إنقاذ ماء الوجه.

وقد وصل الأمر بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء زيارته للهند أن دعا إلى تشكيل محور روسي-صيني-هندي، ما يعني أن ثمة مداولات ثلاثية حوله دارت قبل تلك الزيارة.

ثم أطلق بوتين تصريحات عالية النبرة ضد التفرد الأميركي أو السعي لإقامة نظام القطب الواحد. فالعالم لا يستقيم بناء على تفرد دولة واحدة، وإنما هو بحاجة إلى نظام متعدد القطبية إذا أريد أن يحد من الفوضى والاضطراب والمخاطر.

أما الصين، وكما يفهم من تصريحات نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في زيارته الأخيرة لأستراليا، فماضيه بثبات في تطوير قدراتها العسكرية.

وكانت قبل هذا التصريح ببضعة أسابيع سددت صاروخا صينيا فأسقط في الفضاء (فجّر) قمرا صناعيا صينيا. وكان ذلك رسالة إلى واشنطن تقول إن اعتمادك على الأقمار الصناعية التي تمسك بكامل الإستراتيجية العسكرية والعملياتية للقوات الأميركية لم يعد ذا فائدة.

وهكذا يمكن القول بكل بساطة إن ثمة تعددا في القطبية على المستويين السياسي والعسكري (الروس كانوا دائما قطبا عسكريا موازيا لأميركا).

أما المستوى الاقتصادي فقد أصبحت المنافسة الصينية والهندية والأوروبية ظاهرة متصاعدة يوما بعد يوم، بل إن الدولار أخذ يفقد سيادته العالمية المنفردة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية أمام منافسة اليورو.

يجب ألا يعتبر أحد أن هذا المآل لمحاولة فرض نظام القطب الواحد جاء بعد الفشل الأميركي الصارخ في العام 2006 خاصة. وقد توج بالضربة القاسية التي تلقتها إدارة بوش داخل الولايات المتحدة نفسها.

وذلك بعد هزيمة الجمهوريين أمام الديمقراطيين في الانتخابات النصفية الأخيرة لمجلس الكونغرس وفقدانهم الأغلبية في مجلس النواب والشيوخ.

إن ظاهرة مآل محاولة إقامة نظام عالمي أحادي القطبية بدأت إرهاصاتها منذ بداية النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي. وقد عبرت عن ذلك البيانات الصادرة عن لقاءات قمة روسية-صينية، وروسية-فرنسية، وفرنسية-صينية وحتى ثلاثية روسية-صينية-فرنسية.

لكن ما كان للقائلين بالقطبية الواحدة أن يلتفتوا إليه باعتباره مؤشرا إلى اتجاه آخر بين الدول الكبرى يسعى إلى أن يكون النظام العالمي متعدد القطبية.

ومنذ بدأت انتفاضة سياتل ضد مؤتمر العولمة 1998 (مؤتمر منظمة التجارة العالمية) -الذي فشل من داخله أيضا عندما بدأت مطالبات العالم ثالثية تنادي بتصحيح اتفاقات منظمة التجارة العالمية- لم يتوقف أنصار العولمة ونظرية القطب الواحد ليروا في ذلك دليلا على بداية مأزق خانق يواجه مسار العولمة كما صورته لقاءات منتدي دافوس أو تصريحات إدارة كلينتون.


"
ظاهرة مآل محاولة إقامة نظام عالمي أحادي القطبية بدأت إرهاصاتها منذ بداية النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وقد عبرت عن ذلك البيانات الصادرة عن لقاءات قمة روسية صينية، وروسية فرنسية، وفرنسية صينية وحتى ثلاثية روسية صينية فرنسية
"
بل عندما تحدث جورج دبليو بوش نفسه أثناء الحملة الانتخابية الأولى له ضد آل غور الديمقراطي بأن إدارة بيل كلينتون بضعفها وترددها جعلت من أميركا مسخرة في العالم، لم يتصور أولئك أن صوتا من داخل القيادة الأميركية نفسها أحس بأن الأرض أصبحت مهتزة تحت أقدام القطب الأوحد، وأن الأمور أخذت تفلت من بين يديه.

أما من جهة أخرى فإن هؤلاء لم يحترموا البرنامج الذي أعلنه الرئيس الروسي بوتين منذ العام 2000، ويأخذوه بالجدية الكافية حين وضع على رأس أجندته إقامة نظام متعدد القطبية هدفا للإستراتيجية والسياسات الروسية.

ولم يكن برنامج الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي الصيني مختلفا. وكذلك لم يختلف موقف أنصار نظام القطب الواحد في التعامل معه.

بدهي أن ما نشهده اليوم كانت له مقدماته الوجيهة منذ عشر سنوات في الأقل.

وهو أيضا نتاج تلك المقدمات ولم يهبط هكذا فجأة بمظلة بعد تجربة الفشل الأميركي في العام 2006، خاصة أمام المقاومة والممانعة في العراق, كما بعد الإخفاق الإسرائيلي-الأميركي في العدوان المزدوج على لبنان وقطاع غزة.

صحيح أن هذا الفشل في العراق وبعده ذلك الإخفاق في فلسطين ولبنان شكلا علامة بارزة على أفول نظرية عالم أحادي القطبية، غير أن هذا الأفول كانت له مقدماته.

وكان يجب أن تلتقط لمن يريد أن يرى الأوضاع العالمية للدول على حقيقتها حتى لو كان ممن يتمنى لأميركا أن تنفرد في حكم العالم، وإلا أصبح تقدير الموقف أيديولوجيا وليس قراءة دقيقة ترى الأشياء كما هي.

والسؤال: أين العالم الآن وإلى أين؟ وأين بلادنا العربية والإسلامية وإلى أين؟

الجواب ببساطة، لقد دخل العالم مرحلة انتقالية جديدة وإن لم تختتم المرحلة السابقة قبل أن يتقرر مسألة الحرب أو اللاحرب على إيران، لأن اندلاع الحرب أو عدم اندلاعها يقرران نهاية المرحلة والكيفية التي ستبدأ فيها المرحلة الجديدة.

بالتأكيد فشلت محاولة إقامة نظام عالمي أحادي القطبية وتغلبت حالة القطبية المتعددة في ظل السنتين الماضيتين منذ بداية العهد الثاني لإدارة بوش.

ولكن هذه الغلبة هي مؤقتة ومرهونة بسبب ما حدده المحافظون الجدد من أولوية إستراتيجية لأميركا اقتضت مهادنة الدول الكبرى الأخرى ومساومتهم مادامت مركزة على منطقتنا، خاصة فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان.

ولعل من ينظر إلى ميزان القوى العالمي سياسيا واقتصاديا وعسكريا لا يصعب عليه أن يرى خللا في الإستراتيجية الأميركية حين لا تجعل أولويتها احتواء الدول الكبرى التي تشكل منافسا حقيقيا لهيمنتها العالمية، فيما الأولوية التي حددت ليس لها من تفسير غير خدمة الإستراتيجية الإسرائيلية.

وإلا كيف يعتبر العراق بكل تلك الخطورة على الهيمنة العالمية لأميركا حتى تشن حربا عدوانية عليه ويصار إلى احتلاله وتهديم دولته، ومن ثم الغرق في فوضى وصراعات دموية لا نهاية لها غير هزيمة الاحتلال.

ونحن الآن ما زلنا أمام الأولوية نفسها حين تركز إدارة بوش على شن حرب عدوانية أخرى على إيران، ومن قبل على لبنان وفلسطين، فضلا عن سياسات عدائية ابتزازية لأغلب الدول العربية بهدف انتزاع تنازلات منها في مصلحة الدولة العبرية.

"
الوضع العالمي الذي غلب عليه تعدد القطبية بسبب ما وضعته إدارة بوش من أولويات لإستراتيجيتها وسياستها سوف يستمر على الصورة نفسها إلى أن تتقرر الحرب أو اللاحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران
"
فالوضع العالمي الذي غلب عليه تعدد القطبية بسبب ما وضعته إدارة بوش من أولويات لإستراتيجيتها وسياستها سوف يستمر على الصورة نفسها إلى أن تتقرر الحرب أو اللاحرب الأميركية-الإسرائيلية ضد إيران.

وقد أصبح الاحتمالان فرسي رهان، فإذا كانت الحرب فستعمق الفشل الأميركي ومن ثم ستوسع من إخفاق نظرية القطب الواحد، وإذا انتقلت أميركا إلى المساومة مع إيران وتم تجنب الحرب، وبغض النظر عن الشكل والمحتوى اللذين قد يأخذهما هذا التجنب، فستبدأ المعادلة الراهنة بالتغير في انتظار مراجعة أولويات الإستراتيجية الأميركية، سواء أحدث هذا قبل انتهاء إدارة بوش أم مع الإدارة الجديدة.

هذه المراجعة ستولد نمطا من الاستقطاب العالمي المحوري أو شبه المحوري قد يبدأ بالتشكل بين الدول الكبرى.

والأرجح أن يتطور إلى نمط من الحرب الباردة أو حروب الاحتواء وليس نظاما عالميا متعدد القطبية باتفاق الأقطاب، وليس نظاما أحادي القطبية كما سعت الإستراتيجية الأميركية منذ نهاية الحرب الباردة بين المعسكرين إلى تحقيقه.
ـــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة