ميدان تقسيم واليسار   
الخميس 1434/8/5 هـ - الموافق 13/6/2013 م (آخر تحديث) الساعة 21:40 (مكة المكرمة)، 18:40 (غرينتش)
كمال درويش

إن الحديقة الصغيرة في ساحة تقسيم في مدينة إسطنبول المترامية الأطراف تُعدّ واحدة من المساحات الخضراء القليلة المتبقية في وسط المدينة. في 28 مايو/أيار 2013، بدأت مجموعة صغيرة من دعاة حماية البيئة الأتراك احتجاجاً سلمياً ضد خطة إعادة تطوير الحديقة بإزالة الخضرة وبناء نسخة طبق الأصل من ثكنات الجيش في العصر العثماني، ومركز للتسوق، وشقق سكنية على نفس المساحة. ولكن قمع الشرطة الأخرق الغليظ لأفراد هذه المجموعة كان سبباً في إطلاق حركة مدنية ضخمة امتدت إلى مختلف أنحاء البلاد.

لقد أطلقت خطة إعادة التطوير احتجاجاً ضخماً ضد ما تعتبره شريحة كبيرة من عامة الناس في تركيا، وخاصة الشباب، زعامة سياسية أبوية وسلطوية. وقد تغذى النمو السريع الذي اتسمت به هذه الحركة على معارضة واسعة النطاق لما يعتبره كثيرون جهوداً رسمية ترمي إلى توحيد أنماط الحياة في المجتمع التركي، فضلاً عن الإحباط إزاء المظالم الاقتصادية الواضحة.

ورغم أن دعاة حماية البيئة والشباب العلماني قادوا حركة الاحتجاج، فإنها أصبحت متنوعة وشاملة بشكل ملحوظ بين عشية وضحاها تقريبا. بل إن المسلمين المتدينين -وبخاصة أولئك الذين يعتقدون أن التنمية الحضرية في تركيا كانت سبباً في خلق فرص هائلة لإساءة استغلال الموارد الاقتصادية وجمع الثروات السهلة- انضموا إلى المتظاهرين أيضا، كما فعلت بعض جماعات أقصى اليسار.

من بين الملامح اللافتة للنظر في هذه الاحتجاجات تلك المسافة التي وضعها المتظاهرون بينهم وبين الأحزاب السياسية القائمة، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري الذي يمثل القوة الأكبر على الإطلاق بين قوى المعارضة العلمانية

وقد تحولت بعض الاحتجاجات إلى العنف. ولكن في الإجمال ظلت الحركة سلمية، بل مبتهجة وبشوشة. وعلاوة على ذلك، أعربت بعض الشخصيات المهمة من داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم أو من المقربين منه عن استعدادها لإجراء حوار مع المحتجين. كما لعب الرئيس عبد الله غل بشكل خاص دور رجل الدولة في محاولة تهدئة الأمور.

من بين الملامح اللافتة للنظر في هذه الاحتجاجات تلك المسافة التي وضعها المتظاهرون بينهم وبين الأحزاب السياسية القائمة، بما في ذلك حزب الشعب الجمهوري، الذي يمثل القوة الأكبر على الإطلاق بين قوى المعارضة العلمانية المنتمية إلى يسار الوسط. وبهذا المفهوم فإن "اعتصام" ساحة تقسيم يشبه الاحتجاجات في أماكن أخرى، وخاصة في الديمقراطيات المتقدمة، من حركة "احتلوا وول ستريت" إلى الاحتجاجات في إسبانيا وإيطاليا.

لا شك أن مثل هذه الاحتجاجات تحمل سمات معينة خاصة بكل بلد بعينه -بما في ذلك حالة تركيا- تعبر عن ردة الفعل ضد أبوية أسلوب الحياة. ولكن الديمقراطيين الاجتماعيين لابد أن يفهموا لماذا تطورت الاحتجاجات بشكل مستقل تماماً عن سياسات يسار الوسط القائمة المنظمة.

ففي غياب مثل هذا الفهم، يصبح يسار الوسط في أوروبا والعالم الناشئ عاجزاً عن استعادة الزخم السياسي.

إن نظم الإنتاج الحديثة، حيث تلعب تكنولوجيا المعلومات دوراً متزايد الأهمية، تختلف تمام الاختلاف عن أرضيات المصانع الضخمة التي ميزت مولد النقابات العمالية والديمقراطية الاجتماعية. فالطريقة التي يتم بها توليد الناتج المحلي الإجمالي زادت إلى حد كبير من الصعوبة التي يواجهها اليسار في التنظيم بالطرق التقليدية. وكان هذا سبباً في إضعاف أحزاب يسار الوسط.

ورغم هذا فإن تكنولوجيا المعلومات ووسائل الإعلام الاجتماعية العالمية مكنت الناس من التغلب على التفتت الاجتماعي على طول خطوط مهنية وسكنية ووطنية. وفي بعض الأيام الأخيرة، احتلت المشاركات حول ساحة تقسيم جزءاً ضخماً من "فضاء تويتر" على مستوى العالم أجمع.

في هذا الركن من الفضاء الإلكتروني، تستطيع بطبيعة الحال أن تجد كل شيء تحت الشمس، بما في ذلك الدعوة إلى أسوأ أشكال الطائفية. ورغم هذا فإن النزعة المهيمنة تتلخص في الرغبة في الحصول على الحرية الفردية، وقبول التنوع، والمزيد من الاهتمام بالبيئة، ورفض "التنظيم" من أعلى.

وقد أدرك الزعيم الإصلاحي لحزب الشعب الجمهوري كمال كيليكدار أوغلو هذه الديناميكيات بسرعة: "إن المتظاهرين لا يريدوننا في الصفوف الأولى، وهناك الكثير الذي ينبغي لنا أن نتعلمه من هذه الأحداث".

الشعور بعدم الارتياح والرغبة في التغيير ينشأ في المجتمعات التي أصبحت تتسم بقدر متزايد من التفاوت وعدم المساواة بين الناس، وحيث تختلط السياسة بالمال بطرق تفتقر إلى الشفافية

ولكن رغم هذا، وفي حين قد يكون المجتمع المدني بمثابة الشرارة الأولى، فإن السياسة الديمقراطية لابد أن تتولى تحريك عملية التغيير إن آجلاً أو عاجلا. وسواء كنا في نيويورك أو باريس أو مدريد أو روما أو إسطنبول أو نيودلهي فإن الشعور بعدم الارتياح والرغبة في التغيير ينشأ في المجتمعات التي أصبحت تتسم بقدر متزايد من التفاوت وعدم المساواة بين الناس، وحيث تختلط السياسة بالمال بطرق تفتقر إلى الشفافية.

ويأتي ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وخفض معاشات التقاعد والإنفاق الاجتماعي في وقت بات في وسع الكثير من الشركات الضخمة المتعددة الجنسيات أن تتهرب من الضرائب قانوناً من خلال تحويل أرباحها إلى دول محابية. وفي منطقة اليورو، ترتفع أسعار الأسهم إلى عنان السماء، في حين بلغت البطالة مستويات قياسية (12.2%).

وتعجز المعارضة الديمقراطية عن معالجة عيوب النظام القائم إذا لم تدرك الحاجة إلى تبني أشكال مختلفة تماماً عن أساليب الماضي في حشد الناس وتعبئتهم. ويتعين عليها أن تدرك الرغبة الشعبية القوية في الاستقلال الفردي، وحصول النساء والشباب على المزيد من المناصب القيادية، وتوفير المزيد من الدعم للمشاريع الفردية، إلى جانب إصلاحات التأمين الاجتماعي الكفيلة بجعله فعّالاً من حيث التكاليف وشاملاً حقا.

وأخيرا، سوف تكون موضوعات مثل البيئة وتغير المناخ والتضامن العالمي أساسية في تحديد هيئة القرن الحادي والعشرين. ولن تنجح الدول القومية بالعمل بشكل مستقل عن العالم في معالجة التهرب الضريبي أو الانبعاثات الكربونية. ومن الأهمية بمكان أن نسعى إلى التوفيق بين النزعة الوطنية المتجددة التي باتت مرئية في العديد من الأماكن -رداً على ما تولده العولمة من ظلم- وبين التضامن الإنساني، واحترام التنوع، والقدرة على العمل عبر الحدود الوطنية. ويعكس نجاح حزب الخضر الألماني الاهتمام الشديد الذي أولاه للكثير من هذه القضايا.

إن الأحدث التي بدأت في ساحة تقسيم تخص تركيا، ولكنها تعكس تطلعات عالمية. وبوسعنا أن نقول نفس الشيء عن التحدي الذي يواجه اليسار الديمقراطي الآن.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة