المشهد السياسي المقبل في أفغانستان   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: إبراهيم غرايبة*

- المشهد السياسي الأفغاني مابين 1992 و2001
-
خلافات التحالف الشمالي مع أميركا
-
التركيب السكاني والسياسي لأفغانستان
-
الجغرافيا السياسية لأفغانستان
- الخريطة السياسية والحزبية
- مستقبل أفغانستان وطالبان وأسامة بن لادن

عاد المشهد السياسي في أفغانستان للتشكل وفق معادلة القوى السياسية التي تكونت في أثناء مقاومة الشيوعية والتوازن السكاني والعرقي والتنافس الإقليمي وكأن الجهود والمحاولات الأميركية والمتحالفة معها وبخاصة باكستان كانت تسير في الاتجاه المعاكس لطموحاتها ورغباتها.

فبعد شهر من التردد قررت الولايات المتحدة أن تلجأ إلى خصومها الشماليين لإسقاط نظام حكم طالبان في أفغانستان، وهم الذين دعمت حركة طالبان عام 1994 من أجل إخراجهم من الحكم في كابل.

المشهد السياسي الأفغاني مابين 1992 و2001

برهان الدين رباني
هكذا تكرر مشهد عام 1992 عندما عجز حلفاء باكستان من القادة البشتون مثل قلب الدين حكمتيار، ودخل أحمد شاه مسعود القائد الطاجيكي كابل بالتحالف مع رشيد دوستم القائد الأوزبكي، ولم تقبل باكستان بهزيمتها فأوقدت الحرب وراء حليفها حكمتيار لإسقاط حكومة رباني وأحمد شاه مسعود وحلفائهما الذين فشلوا هم أيضا في توسعة حكومتهم لتشمل البشتون، وعندما عجز حكمتيار عن إسقاط رباني واستنزفته الحرب تخلت عنه باكستان لصالح طالبان الذين ظهروا فجأة (واختفوا فجأة) واستولوا بعد سنة واحدة من إعلان حركتهم على كابل ثم معظم مناطق الشمال.

قلب الدين حكمتيار
فالمشهد الذي عاد للتشكل في أفغانستان هو نفسه الذي بذلت باكستان وبالطبع الولايات المتحدة جهدا كبيرا للقضاء عليه، وكما قضى على الشماليين تفردهم بالسلطة وتجاهل الخريطة السياسية والسكانية والجغرافية السياسية فقد وقعت طالبان في الخطأ نفسه.

وأخطأت الولايات المتحدة عندما ظنت أنها بعد سقوط الاتحاد السوفياتي قادرة على التفرد بالعالم وتجاهل القوى الإقليمية المنافسة الأخرى، وهي هنا روسيا والصين وإيران والهند، بل وتحركت على نحو يبدو غزوا لهذه الدول في عقر دارها.

الكاسب الأكبر فيما آلت إليه الأمور هو روسيا وحليفتها طاجيكستان ثم إيران ثم الهند والصين والدول الثلاث الأول تربطها بالشماليين علاقات لغوية وقومية وثقافية وتاريخية وجغرافية واقتصادية فهم امتداد جغرافي وبشري لهذه الدول، فمقتل 13 دبلوماسيا إيرانيا في مزار شريف عام 1998 يؤشر على حجم الحضور الإيراني، فهذا العدد من الدبلوماسيين كان موجودا في قنصلية إيران مما يعني أن أضعاف هذا العدد يعمل في السفارة في كابل، واستقبال الرئيس بوتين لرباني قبل أسابيع بطريقة احتفالية ومعهما الرئيس الطاجيكي وتصريحاته المؤيدة لرباني كان رسالة تؤشر على التأييد الروسي وحجم العلاقات الكبير بين الطرفين، والجيب الأميركي الوحيد في التحالف هو رشيد دوستم القائد الأوزبكي الذي تربطه كما الأوزبك علاقات قوية بتركيا، ولكنه الشريك الأصغر في هذا التحالف.

خلافات التحالف الشمالي مع أميركا

أسامة بن لادن

لقد أعطى التحالف الشمالي أكثر من رسالة على رفضه الانصياع للولايات المتحدة، مثل دخول كابل دون استجابة لطلب الولايات المتحدة بالتريث، وتصريح الناطق باسم الشمال بأن بن لادن والملا محمد عمر سيحاكمان كمجرمي حرب مما يعني إعلانا استباقيا برفض تسليمهما للولايات المتحدة وكانت التهمة التي أعلنها هي قتل مدنيين أفغان وتجاهل دورهما في أحداث 11 أيلول، وكان رباني في أوج علاقته مع الولايات المتحدة أيام مقاومة الشيوعية تربطه بإيران علاقة قوية.

وبالطبع فإن الشماليين ليسوا أعداء للولايات المتحدة، وهم يملكون من الدوافع لمحاربة طالبان أكثر بكثير من الأميركان، ولكنهم لن يكونوا تابعين للولايات المتحدة وباكستان، ولن يفرطوا بعلاقاتهم مع روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى، مما يعني أن الخريطة القادمة ستكون في أحسن الأحوال بالنسبة للولايات المتحدة هي توازن إقليمي يساوي بينها وبين القوى الإقليمية الأخرى في العلاقات والمصالح، وكأن الولايات بذلت كل ما في جهدها لإعادة وضع كانت ترفضه وبذلت الكثير للتخلص منه.

تستطيع باكستان أن تثير المتاعب للحكومة الجديدة ولا تجعلها تستقر، ولكن إسلام أباد ستبقى خاسرة ومهزومة إن لم تبحث لنفسها عن دور في مستقبل أفغانستان بوسيلة غير العبث بأفغانستان ومحاولة الإخلال بأمنها وتركيبتها وحيادها وتقبل بالمشاركة وتتخلى عن أوهام التفرد.

ستقوم في أفغانستان حكومة صديقة للولايات المتحدة، ولكنها صداقة غير مريحة، ومشكلة الشماليين أنهم على مستوى متقدم من الاعتدال والدهاء، ولا يورطون أنفسهم بسهولة، مما يجعل معاداتهم والاستعداء عليهم أمرا صعبا على الولايات المتحدة.

التركيب السكاني والسياسي لأفغانستان

أهم المجموعات الأفغانية

-البشتون: هم أكبر وأقوى تجمع عرقي في أفغانستان ويحكمون أفغانستان منذ قيامها عام 1747 .
-الطاجيك: ويشكلون ربع السكان ويعيشون في الشمال الشرقي.
-الأوزبك: ويشكلون حوالي 7% من السكان ويعيشون في الشمال الغربي.
-الفرس: ويشكلون 5% من السكان ويعيشون في المناطق المحاذية لإيران وهم شيعة.
- الهزارة: يشكلون 5% من السكان، ويعيشون في الوسط (باميان) وهم شيعة -القزلباشي: وهم شيعة يشكلون 1% من السكان ولكنهم أكثر الشعوب الأفغانية تعليماً وثقافة.
-مجموعات عرقية صغيرة مثل الإيماق والمغول والتركمان والقرغيز والبلوش والنورستان والهنود والسيخ واليهود والعرب والكوهستان والجات والبراهيون والبامير.

ثمة حقائق أساسية لايمكن تجاهلها عند التفكير بمستقبل أفغانستان فهذا البلد الذي يبلغ عدد سكانه حوالي 26 مليون نسمة يتوزعون على أكثر من 20 شعباً وقومية لكل شعب منهم لغته وثقافته وتاريخه وإقليمه، وأهم هذه الشعوب البشتون أو الباتان، ويشكلون نصف سكان أفغانستان، وكانت كلمة الأفغان تعني البشتون، ويوجد أيضاً حوالي عشرين مليون من قبائل البشتون في باكستان (إقليم سرحد أو بيشاور) وهم مسلمون سنة أحناف عدا قبيلة "توري" الشيعية، وتشكل هذه القبيلة العمود الفقري لحزب الحركة الإسلامية الشيعية بقيادة آيت الله محسني، وكان مقره بيشاور بخلاف الأحزاب الشيعية الأفغانية ذات الخلفية الفارسية والتي اتخذت من طهران مقراً لها.كما توجد قوميات وشعوب أخرى متفاوتة الحجم والحضور وأبرزها الطاجيك والأوزبك والفرس والهزارا والقزلباشي وبعض العناصر القليلة من العرب والهنود والسيخ.

وكان يدير شؤون الدولة مجلس من القبائل والقوميات يسمى "لويا جركا" تتمثل فيه جميع الفئات حسب حجمها السكاني وأحيانا الثقافي مثل القزلباش بهيمنة بشتونية، ولم يكن المجلس موضع إجماع لدى الأفغان لكنه كان ضمانا للاستقرار وتوزيع السلطة وتمثيلها، وبعد سيطرة الشيوعيين على الحكم عام 1978 ثم مجيء المجاهدين وجد الأفغان أن هذه المؤسسة يمكن أن تكون أفضل الممكن، وتصلح مرجعية للحكم وفض النزاعات والمنافسات.

ولكن باكستان التي كانت تعاني تاريخيا من تمرد البشتون ورفضهم لسلطتها بما في ذلك البشتون الذين يعيشون في باكستان استطاعت في أثناء تفاعلات القضية الأفغانية أن تطور علاقتها بالبشتون وتكسب ولاءهم وتتخلص من القيادات البشتونية التاريخية المناوئة للسلطة مثل عبد الغفار خان فأرادت أن ترتب الأوضاع في أفغانستان على نحو جديد ينهي العداوة والقطيعة التاريخية مع أفغانستان بل ويدمجها في التبعية والمنظومة الباكستانية بمعونة الولايات المتحدة، وتجاهلت تماما الأطراف الأفغانية الأخرى المرتبطة تاريخيا وثقافيا بإيران وآسيا الوسطى، وظنت أن بمقدورها أن تحقق ذلك، ولعلها تيقنت بعد تجربتها مع طالبان أن الحقائق الجغرافية والتاريخية أقدر على البقاء من الهيمنة العسكرية والسياسية.

الجغرافيا السياسية لأفغانستان

والحقيقة الأخرى أن أفغانستان استقرت بحدودها القائمة لتكون دولة توازن بين قوى كبرى تحيط بها وتحجز بينها، وكان إخلال أي طرف بهذا الاتفاق يؤدي إلى حروب وأزمات.

وقد اصطدمت روسيا في توسعها جنوباً على حساب الدولتين العثمانية والفارسية على مدى ثلاثة قرون ببريطانيا والصين في منتصف القرن التاسع عشر. واستقرت حدود روسيا مع نهر أموداريا "جيحون" مقابل انسحاب بريطانيا من أفغانستان وأعطيت هذه الدولة الصغيرة هضبة البامير وممر واخان الإستراتيجي كمخرج للصراع البريطاني والصيني الروسي وهو ما يبدو الآن في خريطة أفغانستان مثل عنق أوزه ممتد حتى الصين ويفصل باكستان (الهند البريطانية سابقاً) عن روسيا (الاتحاد السوفياتي ثم طاجيكستان فيما بعد) ورسمت الحدود النهائية لأفغانستان عام 1907.

وكان على أفغانستان أن تبقى كما شبهها أحد حكامها في موقعها الإستراتيجي بـ "شاة" تقع بين الدب الروسي والأسد البريطاني. ولكن هذا الوضع الجغرافي صنع إشكالات وتعقيدات كثيرة حرمت أفغانستان والمنطقة من الاستقرار، فأفغانستان في وضعها الحالي ليست وحدة جغرافية طبيعية وسكانية ولكنها تضم امتدادات جغرافية وبشرية للدول المجاورة، باكستان، وإيران، وطاجكستان، وأوزبكستان، وتركمنستان، وظلت بؤرة توتر وقلق تؤثر وتتأثر بكل ما يجري ويدور في آسيا الوسطى وجنوب آسيا والشرق الأوسط والخليج.

فالأفغان أو البشتون الذين يشكلون الجزء الرئيسي والغالب قسموا جغرافياً وسكانياً بين أفغانستان وباكستان، وكان هذا التقسيم مصدر أزمة وصراع بين باكستان وأفغانستان التي ترى أن حدودها وسيادتها يجب أن تمتد لتشمل جميع مناطق البشتون أي إلى حدود البنجاب (مسار نهر كابل) ورفضت أفغانستان الاعتراف بباكستان في الأمم المتحدة عام 1947، وينظر الأفغان بمن فيهم البشتون الذين يعيشون في باكستان (إقليم بيشاور) أن باكستان دولة طارئة مفتعلة، ويفضلون أن يكونوا جزءاً من الهند الكبرى أو أن تجمعهم دولة واحدة ومستقلة عن باكستان.

الخريطة السياسية والحزبية

تشكلت معظم الأحزاب السياسية القائمة والنشطة حالياً بعد قيام المقاومة الشعبية المسلحة للتدخل السوفياتي في أفغانستان ونظام الحكم الشيوعي المؤيد له في أواخر السبعينات وتجاوز عددها المائة حزب وهي في مجملها تعبير عن القوى السياسية والمجموعات السكانية في أفغانستان وعلاقاتها وامتداداتها الإقليمية والدولية.

  • الحركة الإسلامية:
    ظهرت الحركة الإسلامية في أواخر الستينات وكان يرأسها د. محمد غلام نيازي عميد كلية الشريعة بجامعة كابل، ويلاحظ تأثرها بجماعة (الإخوان المسلمون) في مصر والدول العربية أكثر من تأثرها بالجماعة الإسلامية في باكستان المجاورة، وربما يعود ذلك إلى دراسة نيازي في مصر ثم ابتعاث جامعة كابل لعدد كبير من الطلاب للدراسة في مصر والدول العربية مثل لبنان، وربما أيضاً لتراجع العلاقات وشبه انقطاعها بين باكستان وأفغانستان. وربما للتشابه الثقافي والاجتماعي بين العرب والأفغان.
    وبعد وصول محمد داود إلى السلطة عام 1973 تعرضت الحركة الإسلامية للملاحقة، وأعدم رئيسها د. محمد غلام نيازي، واعتقل كل من استطاعت السلطة الوصول إليه من قادتها وأعضائها.
    وانقسمت الحركة الإسلامية عام 1974 بين مجموعتين "الجمعية الإسلامية" على خلفية طاجيكية بقيادة رباني والحزب الإسلامي على خلفية بشتونية بقيادة قلب الدين حكمتيار، وكان رباني يعمل أستاذاً بكلية الشريعة بجامعة كابل، وأما حكمتيار فكان طالبا في كلية الهندسة ورئيسا لاتحاد الطلبة، ولكنه ترك الجامعة واختفى عن الأنظار منذ عام 1972 لأنه تعرض لملاحقة أمنية.
    وبدأ الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار ومجموعات أفغانية أخرى تخوض عمليات عسكرية ضد الحكومة الأفغانية، وتلقى شباب الحزب تدريباً في معسكرات للجيش الباكستاني، وأما رباني فقد بدأ يعمل في تحرك سياسي، واتصالات مع الدول المناوئة للشيوعية في ذلك الوقت وأهمها بالطبع باكستان والسعودية، وقد التقى عام 1974 بالملك فيصل.
    وجدت باكستان في حكمتيار فرصة لاستثمار تبحث عنه منذ مدة طويلة، وهو إنشاء قوة سياسية وعسكرية بين البشتون مؤيدة لها ومتعاونة معها لمنافسة القوى اليسارية والبشتونية المعارضة للسلطة الباكستانية والتي كانت تبدو في نظر الأفغان طارئة مفتعلة ولا تصلح بديلاً مناسبا بعد الانسحاب البريطاني من الهند.
    وتلقى الحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار وبخاصة بعد مجيء ضياء الحق إلى السلطة تأييداً وتسهيلات بلا حدود، وتحول الحزب بعد الانقلاب الشيوعي عام 1978 ثم الاحتلال السوفياتي عام 1979 إلى القوة الأفغانية الرئيسية في مواجهة الشيوعية، كما استطاع أيضاً أن يتغلغل بين القبائل البشتونية في باكستان.
    ولكن الحزب بعد تناميه وتضخمه لم يستطع استيعاب جميع الفئات والقبائل فاستقل عنه مولوي يونس خالص ومولوي محمد نبي ومجموعات أخرى صغيرة، واستطاع عبد رب الرسول سياف أيضاً بعد خروجه من السجن عام 1980 أن يؤسس حزباً كبيراً ونشطاً من كوادر الحركة الإسلامية وقواعد الحزب.
    ووقع كل من الحزب الإسلامي (حكمتيار) والجمعية الإسلامية (برهان الدين رباني وأحمد شاه مسعود) في خلافات سياسية حادة ونزاعات عسكرية، وحرب اغتيالات وتصفيات ولم تنجح كل محاولات الإصلاح بين الطرفين، ثم دار قتال عنيف بين الطرفين عام 1992 بعد دخول المجاهدين إلى كابل استمر حتى مجيء حركة طالبان وسيطرتها على معظم مناطق نفوذ حكمتيار وذلك عام 1995.
  • الأحزاب الشيوعية:
    عبد الرشيد دوستم
    نشأت الحركة الشيوعية في أفغانستان في الأربعينات، وقد جرى توحيدها عام 1965 برئاسة نور تراقي، ثم انقسم الحزب عام 1967 إلى جناحين رئيسيين هما: "خلق" بزعامة تراقي، و "برشام" بزعامة ببرك كارمل، وأعيد توحيدها عام 1977 بجهود سوفييتية وللتمهيد للانقلاب العسكري، ولكن الحركة الشيوعية ظلت عملياً منقسمة على نفسها بين جناحين رئيسيين أو قوميتين رئيسيتين هما البشتون والطاجيك، وبعد استلامهم الحكم عام 1978 جرت تصفيات وإعدامات عسكرية بين الرفاق، بدأت بقائد الجيش عبد القادر ثم الرئيس تراقي ثم خلفه حفيظ الله أمين. وفي عام 1990 أعيد تنظيم الحزب الشيوعي مرة أخرى لمواجهة التطورات في أفغانستان والكتلة الشيوعية وشكل حزب جديد سُمي "الوطن" واستمر الحزب يحكم أفغانستان بعد الانسحاب السوفياتي منها ثم انهياره حتى عام 1992 وأعدم الرئيس الأفغاني نجيب الله عام 1996 على يد قوات طالبان.
    وأنشئ حزب شيوعي صيني (ماوي) باسم "شعلة جاويد" أي الشعلة الأبدية وكان يتركز في ولاية بدخشان المحاذية للصين، وانضمت معظم كوادر الحزب الشيوعي من الضباط والفنيين إلى حكومة طالبان، وهاجر جزء كبير منهم إلى باكستان.
  • الحركات والأحزاب الوطنية:
    ويعبر عنها حركتان رئيسيتان هما:
    - جبهة الإنقاذ برئاسة صبغة الله مجددي أحد أهم علماء أفغانستان وشيخ الطريقة النقشبندية وابن الشيخ فضل عمر المجددي والذي كان يتمتع بنفوذ وتأثير كبير جداً في أفغانستان.
    - الجبهة القومية برئاسة سيد أحمد الجيلاني، وهو من القيادات الصوفية المؤثرة وكان قريباً من الملك ظاهر شاه.
  • الأحزاب والحركات الشيعية:
    وتضم ائتلافاً من ثماني مجموعات عرقية من أصول فارسية واتخذت من طهران مقراً لها وكان حزب الحركة الإسلامية الشيعي بقيادة محسني يعمل مستقلاً عنها ويتخذ من بيشاور مقراً له لأنه قائم على مجموعات بشتونية شيعية.
  • طالبان:

    تعد قندهار في جنوبي أفغانستان أهم معقل لحركة طالبان ربما بسبب الطبيعة المحافظة للمدينة، وربما لأسباب سياسية ذلك أنها كانت مركز القيادات البشتونية على مدار تاريخ أفغانستان
    كلمة طالبان هي جمع طالب (حسب اللغة البشتونية)، ويُقصد بها طلاب المدارس الدينية المنتشرة في أفغانستان، وهي امتداد للمدارس الدينية في باكستان والهند ويُطلق عليها المدارس الديوبندية نسبة إلى أول مدرسة أنشئت في ديوبند شمالي دلهي في الهند عام 1867 على يد مجموعة من العلماء والمشايخ في ذلك الوقت مثل محمد قاسم النانوتوي وفضل الرحمن، ثم تبعها مدارس أخرى تجاوزت العشرة آلاف مدرسة، وبعضها تمنح أعلى الدرجات العلمية (جامعات)، وما زالت تدرس حتى اليوم مناهج قديمة جداً في النحو والصرف والفقه والمنطق والفلك والرياضيات، وبالوسائل القديمة دون تغيير ومن أشهرها وأهمها اليوم "ندوة العلماء" في الهند والتي كان يرأسها حتى وفاته الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله و"دار العلوم حقانية" نسبة إلى مؤسسها "عبد الحق" في بيشاور، و"دار العلوم"، و"الجامعة الإسلامية"، و"الجامعة الفاروقية" في كراتشي، و"منبع العلوم" في ميران شاه في إقليم بيشاور و"مطلع العلوم" في كويتا ( إقليم بلوشستان) و"الجامعة الأشرفية" في لاهور، وكان للأفغان مدارسهم أيضاً، ولكنها أقل أهمية من المدارس الباكستانية، ومن أشهر علماء أفغانستان القائمين على مثل هذه المدارس، محمد نبي، ويونس خالص، وجلال الدين حقاني.
    ويسمى خريج المدرسة ملاَّ وفي مرتبة أعلى "مولوي" وللمولوية (العلماء) تأثير كبير ونفوذ على الأفغان والمسلمين عموماً في شبه القارة الهندية، وانتخب كثير منهم في مجلس النواب، مثل فضل الرحمن رئيس جمعية العلماء في باكستان، والذي شغل منصب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الباكستاني فترة بي نظير بوتو، وهو المؤسس الحقيقي والراعي لحركة طالبان والذي أقنع الحكومة الباكستانية بدعمها وتأييدها والتخلي عن الحركة الإسلامية، ومنهم أيضاً سميع الحق ابن عبد الحق مؤسس دار العلوم حقانية وكان أيضاً عضواً في مجلس النواب.
    وتعد قندهار في جنوبي أفغانستان أهم معقل لحركة طالبان ربما بسبب الطبيعة المحافظة للمدينة، وربما لأسباب سياسية ذلك أن قندهار هي مركز القيادات البشتونية على مدار تاريخ أفغانستان وقد تكون هذه القوى القبلية قد اتخذت قراراً بدعم وتأييد علماء الدين لتكوين حركة جديدة بديلة للحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار بتأثير من الحكومة الباكستانية وبسبب النزاع الطاحن بين الحزب (حكمتيار) والجمعية (رباني) والذي يقدر عدد ضحاياه بخمسة وعشرين ألف أفغاني معظمهم من المدنيين.
    وكان ينسق الدعم والتأييد الباكستاني لحركة طالبان مولوي فضل الرحمن المشار إليه سابقا رئيس جمعية علماء الإسلام في باكستان وعضو مجلس

    اختير الملا محمد عمر أميرا لطالبان وهو شاب لا يتجاوز الأربعين سنة ولم يتدرج في المراتب العلمية للمدارس التقليدية، وشكل مجلس وزراء من الملالي الشباب، وانضم إليهم معظم قادة المجاهدين من البشتون مثل جلال الدين حقاني، ويونس خالص
    النواب ورئيس لجنة الشؤون الخارجية في المجلس، وهو أحد أهم قادة المدارس الدينية والتي تخرج منها عدد كبير من علماء وقادة أفغانستان.
    ظهرت حركة طالبان لأول مرة قوة سياسية منظمة في أواخر عام 1994 بعد جولة لوزير الداخلية الباكستاني الجنرال نصير الله بابل في جنوبي وغربي أفغانستان (مناطق البشتون)، ولقيت الحركة في البداية تأييد رباني وسياف من قادة المجاهدين الأفغان لأنهما وجدا فيها بديلاً لحكمتيار المتمسك بالسيطرة العسكرية على كابل والرافض للتعاون والتنسيق مع رفاقه من قادة المجاهدين والأحزاب الأفغانية.
    واختير الملا محمد عمر رئيساً للحركة وهو شاب لا يتجاوز الأربعين سنة من قندهار ولم يتدرج في المراتب العلمية للمدارس والمؤسسات العلمية التقليدية، ويعاونه مجلس من العلماء، مثل محمد رباني (رئيس الوزراء وهو بالطبع غير برهان الدين رباني) ومحمد حسن، ومحمد غوث، وملا عبد الرزاق، ومعظمهم إن لم يكن جميعهم من قندهار، وشكل مجلس وزراء من الملالي الشباب، وانضم إليهم معظم قادة المجاهدين من البشتون مثل جلال الدين حقاني، ويونس خالص.
    تتبنى حركة طالبان "المذهب الحنفي" وتتمسك به ويفترض أنها وفق ذلك تنتمي إلى مدرسة فكرية تعلي من شأن الرأي والاجتهاد وتخالف مدرسة النص السلفية، ولكن سلوك الحركة السياسي والفكري يبدو أقرب إلى الحرفية والسلفية بخلاف ما يقتضيه المذهب الحنفي، ولا بد أن الظروف السياسية والثقافية لأفغانستان وباكستان وحالة الانغلاق والفقر التي سيطرت على المنطقة قد انعكست على الحياة الفكرية والثقافية.

مستقبل أفغانستان وطالبان وأسامة بن لادن


قطعت حكومة طالبان شوطاً في المشاركة في صفقة لنقل الغاز من آسيا الوسطى عبر أفغانستان، مع شركتي "يونا كال" الأميركية و"دلتا" السعودية، ولكن تفجير سفارتي الولايات المتحدة عام 1998 أوقف العمل بالاتفاق الذي وقع في عشق أباد عاصمة تركمنستان عام 1997
قطعت حكومة طالبان شوطاً في المشاركة في صفقة لنقل الغاز من آسيا الوسطى عبر أفغانستان، مع شركتي "يونا كال" الأميركية و"دلتا" السعودية، ولكن تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998 أوقف العمل بالاتفاق الذي وقع في عشق أباد عاصمة تركمنستان عام 1997.

لقد كانت حكومة طالبان تبدو حتى عام 1998 على علاقة طيبة وودية مع الولايات المتحدة وباكستان، والسعودية والإمارات، وذلك برغم إقامة أسامة بن لادن في أفغانستان، والسؤال هل شكل وجود أسامة بن لادن ومؤيديه العرب في أفغانستان الخلاف الحقيقي الوحيد بين أفغانستان طالبان والولايات المتحدة وحلفائها. ولو لم يكن أسامة مقيماً فيها فهل ستواصل الولايات المتحدة محاولاتها للسيطرة على المنطقة لأسباب أخرى أو حتى بدون أسباب؟.

ويبقى سؤال عن مستقبل حركة طالبان وأسامة بن لادن، والواقع أنهما ليسا مرتبطين مصيريا وإن كانا يبدوان كذلك، وربما لو لم تقصف الولايات المتحدة أفغانستان عام 1998 لكان تسليم بن لادن للسعودية ورادا جدا كما قال الأمير تركي الفيصل الرئيس السابق للمخابرات السعودية، وحركة طالبان ليست تنطيما أو فكرة يلتف حولها قطاع من الشعب ولكنها تستمد قوتها وتأثيرها من النفوذ والتأثير التاريخي القوي للعلماء، ويمكن أن يتقدم علماء جدد للشعب الأفغاني ويطرحون أنفسهم قادة للشعب البشتوني بديلا لطالبان.

وكان العلماء تاريخيا على صلة قوية بملوك أفغانستان والحركة الوطنية، وبرغم الحراك الكبير الذي أحدث تغيرا كبيرا في الشعب الأفغاني فمازال العلماء (المولوية) يتمتعون بالقدرة على تجميع الشعب الأفغاني، ولكن المشكلة في هذا السيناريو أن الولايات المتحدة ترفضه كما يبدو وتصر على دعم الملك ظاهر شاه والقادة الوطنيين والعلمانيين الأفغان ممن هاجروا إلى أوروبا بعد الانقلاب الشيوعي، وقد تحول هؤلاء إلى نخب معزولة لا يعرفهم الأفغان، ونشأت قيادات وحركات جديدة وفاعلة تجاوزت بمراحل بعيدة القيادات الوطنية التقليدية التي لم يعد يتذكرها أحد.

وباكستان أيضا تقبل بظاهر شاه على مضض وتفضل عليه القيادات البشتونية الجديدة والتي تكونت في أثناء مقاومة الشيوعية وبخاصة أن ذكرياتها مع ظاهر شاه مريرة فقد رفضت أفغانستان في عهده الاعتراف بباكستان في الأمم المتحدة وكانت تؤوي الحركات الانفصالية واليسارية المناوئة لباكستان، وأغلقت الحدود نهائيا بين البلدين وتوقفت العلاقات التجارية والثقافية.


باكستان تواجه مشكلة إذا كسبت التأييد الأميركي في إيجاد بديل بشتوني يناسبها ويناسب الشماليين أيضا.. ولكن مشكلة الولايات المتحدة أنها غير قادرة على تصور إمكانية التعاون مع قيادات سياسية غير علمانية، فهذا ما يفسر عداوتها مع إيران والسودان وجفوتها مع حزب الرفاه في تركيا وعلي عزت بيغوفيتش في البوسنة
وعلى أية حال فإن باكستان لن تواجه مشكلة إذا كسبت التأييد الأميركي في إيجاد بديل بشتوني يناسبها ويناسب الشماليين أيضا والذين صارت لهم مع بعض القادة البشتون مثل حكمتيار ثارات لا يمكن نسيانها، ولكن مشكلة الولايات المتحدة أنها غير قادرة على تصور إمكانية التعاون مع قيادات سياسية غير علمانية، وهذا ما يفسر عداوتها مع إيران والسودان وجفوتها مع حزب الرفاه في تركيا وعلي عزت بيغوفيتش في البوسنة، وأنها تحاول أن تفرض توجهاتها وأفكارها دون اعتبار لعمق التقاليد والثقافة وطبيعة الشعوب والدول وفلسفتها بل لا تكاد تبصر الخريطة أوتعترف بها، وتعتقد أن بإمكانها مضاهاة التراتيب الإستراتيجية والسياسية بتصورات معدة في غرف بعيدة أخرجتها تقنيات متقدمة، ولكن في المنطق لا تؤدي المقدمات الصحيحة بالضرورة إلى نتائج صحيحة فلا يكفي مثلا أن يجتمع الأوكسيجين والهيدروجين ليتكون الماء.

وإذا كان صحيحا القول إن الولايات المتحدة ليست معنية بأفغانستان ولا يهمها سوى اعتقال بن لادن أو مقتله على الأقل فإن ذلك ممكن الحدوث ولو بعد حين إذا لم ينجح في الخروج من أفغانستان أو إذا لم يقتل بالفعل، فقد أصبحت ملاحقته في أفغانستان ورصده أينما كان موضع رغبة الحكام الأفغان الجدد أيضا وهم ذوو مراس وبأس ولا تنقصهم الخبرة ولا العناد لتحقيق ذلك، وإن كان يعتقد أن اعتقال بن لادن مستبعد بسبب ما يبدو من صلابته وإصراره على المقاومة واستهانته بالموت، فمستقبله بين هارب مختبئ أو مقتول.
_______________

*كاتب وباحث أردني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة