أفغانستان ومأزق الجميع   
الأربعاء 1427/8/13 هـ - الموافق 6/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 16:49 (مكة المكرمة)، 13:49 (غرينتش)


سامر علاوي

تبديل القبعات لم يحل المشكلة في الجنوب
التوتر سمة جميع الأطراف
فراغ السلطة
اهتزاز الحكومة
عقبات دستورية وعجز برلماني

لم يعد السؤال في العاصمة الأفغانية يتمحور حول إمكانية حدوث تغييرات سياسية جذرية قد تطال الرئيس حامد كرزاي وحكومته وحتى البرلمان المنتخب، وإنما متى ستحدث هذه التغييرات وكيف؟

وذلك في ظل الضعف الواضح في مؤسسات الدولة، واستشراء الفساد المالي والإداري والضغط العسكري المتزايد من قبل حركة طالبان في الجنوب والشرق والضغط السياسي من قبل أجنحة التحالف الشمالي التي تشعر بالتهميش في التركيبة الحكومية الحالية رغم هيمنتها على البرلمان، زاد على ذلك عودة زعماء الحرب في الشمال لعادتهم القديمة في القتال في إطار تصفية حسابات قديمة.

تبديل القبعات لم يحل المشكلة في الجنوب
"
الشعور الذي حرصت قوات "إيساف" على بعثه في الجنوب انقلب نقمة عليها بتحولها من قوات حفظ أمن وحماية للمؤسسات الحكومية إلى قوات مقاتلة مكلفة بتعقب مقاتلي طالبان بعد أن تفاقم الوضع سوءا هناك
"
لقد شكل استبدال قوات التحالف في جنوب البلاد بالقوات الدولية للمساعدة الأمنية "إيساف" إخراجا لمأزق قوات التحالف المتهمة باستهدافها للمدنيين، بسبب تكرار ما توصف بالأخطاء العسكرية,
وتدخل هذه القوات السافر في الشؤون الإدارية المحلية، وفشل عملية إعادة الإعمار التي تديرها القوات الأميركية في إطار "فرق إعادة إعمار الولايات" التي تحولت إلى مراكز إدارة الفساد الإداري من خلال توظيف إعادة الإعمار في شراء ولاء الوجهاء والمسؤولين على حساب المشاريع التنموية التي أعدت الأموال لها.

وصاحب انتشار قوات "إيساف" حملة إعلامية موسعة تهدف لإقناع المواطن الأفغاني بأن هذه القوات صديقة للمدنيين وتختلف عن سابقاتها قوات التحالف التي أفرطت في استخدام القوة وعرّضت حياة المدنيين للخطر ما أدى إلى سخط واسع في الأوساط الشعبية في الجنوب والشرق.

غير أن الشعور الذي حرصت قوات "إيساف" على بعثه في الجنوب انقلب نقمة عليها بتحولها من قوات حفظ أمن وحماية للمؤسسات الحكومية إلى قوات مقاتلة مكلفة بتعقب مقاتلي طالبان بعد أن تفاقم الوضع سوءا في الجنوب.

وقد تم تحويل عشرة آلاف جندي من القوات الأميركية في قوات التحالف إلى قوات "إيساف" لكي يصل تعدادها 25 ألفا، عدا عن أن المسلحين الأفغان لا يفرقون في العادة بين قوات أجنبية وأخرى، وتنجر نظرة العداء على المنظمات غير الحكومية الأجنبية كذلك.

التوتر سمة جميع الأطراف
وخلافا لما كانت تعلنه قوات "إيساف" من أن انتشارها في الجنوب سوف يسهم بالاستقرار والمصالحة تبين بعد أقل من شهر أن التوتر زادت حدته بشكل غير مسبوق وليس أدل على ذلك من التسرع في الضغط على الزناد من قبل جميع الأطراف المتحاربة.

وأصبح استهداف المدنيين على أيدي قوات "إيساف" أكثر من قوات التحالف أو يساويه، وقد يكون مرد ذلك إلى استخفاف مقاتلي طالبان بقوات "إيساف" وارتفاع الروح المعنوية لديهم من خلال شعورهم بفشل عملية اقتحام الجبل التي يشارك فيها أكثر من 11 ألف جندي من قوات التحالف.

كما أن القوات الحكومية تشعر بانكشافها بعد تراجع قوات التحالف لحساب "إيساف"، إضافة إلى أنها تعاني هي الأخرى من مشكلة الفساد الإداري حيث تصل إلى درجة سلب القادة رواتب الجنود في الميدان، ومن أجل تعزيز الجيش وقوات الأمن الأفغانيين أعلنت الولايات المتحدة في يوليو/ تموز الماضي عن رصد ملياري دولار.

وقد كشف مؤخرا تقرير لصحيفة ديلي تلغراف البريطانية عن أن القوات البريطانية العاملة جنوب أفغانستان تلجأ إلى استخدام إطلاق النار بشكل مفرط، وأن الذخيرة التي بحوزتها التي من المقرر أن تنتهي في أبريل/ نيسان 2007 من المتوقع أن تستهلك قبل نهاية العام الجاري.

كما أن الطائرات العمودية الثماني من طراز أباتشي التي بحوزة هذه القوات في ولاية هلمند تعمل جميعها بشكل يومي خلافا لما هو مقرر بألا تحلق أكثر من ست طائرات في اليوم الواحد، وأن المليار جنيه إسترليني التي رصدت للقوات البريطانية في أفغانستان أوشكت على النفاد.

"
القوات الحكومية تشعر بانكشافها بعد تراجع قوات التحالف لحساب "إيساف"، إضافة إلى أنها تعاني هي الأخرى من مشكلة الفساد الإداري حيث تصل إلى درجة سلب القادة رواتب الجنود في الميدان
"
ولا شك أن التوتر الذي يفضى إلى التسرع في إطلاق النار واضح لدى المواطن الأفغاني، منها مقتل المزارعين في حقول العنب وإطلاق النار على أي سيارة تقترب من رتل عسكري تحسبا لهجمات انتحارية، وقتل أي مشتبه به مهما كانت صفته ففي الأسبوع الماضي قتل ثمانية أشخاص بينهم طفل في ولاية كونر على أيدي قوات التحالف قائلة إنهم ممولون للقاعدة، في حين قالت السلطات المحلية إن القتلى يعودون لأسرتين لا علاقة لهما بالقاعدة أو طالبان.

وكما نجا فريق الجزيرة بأعجوبة من كمين في ولاية زابل في الطريق من كابل إلى قندهار بتاريخ 20/8/2006م ويعتقد أن عناصر من طالبان اشتبهوا بالسيارة تعرض الفريق أيضا لحادث مماثل لدى عودته يوم 25/ 8/ 2006م حيث أطلقت قوات التحالف النار على سيارة تاكسي كانت أمام سيارة الجزيرة لإيقافها وأعطبتها بعد أن اقتربت من الرتل العسكري عند بوابة مدينة قندهار باتجاه كابل، ومثل ذلك شواهد كثيرة على مدى التوتر الذي يعيشه حملة السلاح والضغط على الزناد أصبح يسبق التفكير بمن هو الهدف.

فراغ السلطة
وإذا كانت مظاهر التوتر جلية داخل المدن الرئيسية في مناطق الجنوب والشرق وعلى الطرق الخارجية فيها، فإن المديريات والمناطق الريفية تعيش فراغا سلطويا رهيبا، حيث يتكرر استيلاء مقاتلي طالبان على مقرات المديريات.

وتكرر خروج حكام المديريات المعينين من قبل الحكومة من مناطقهم هربا من تهديدات تصلهم تباعا، كما حدث في مديرية سنجين بولاية هلمند، وتعذر تعيين حاكم جديد لعدة أسابيع بسبب عدم رضا السكان المحليين وتدخل قوات التحالف، واستيلاء طالبان على ثلاث مديريات في الإقليم في غضون أسبوع واحد ثم انسحبت منها تجنبا للقصف الجوي.

ولدى زيارتنا لمديرية بانجواي بولاية قندهار بدا حاكم المديرية وحيدا في مقر المديرية بحراسة الجيش الأفغاني الذي يعاني من الهجمات المتكررة من قبل مقاتلي طالبان، وينطبق هذا الأمر على الكثير من المديريات.

اهتزاز الحكومة
معظم المراقبين في العاصمة الأفغانية يتوقعون أن يحصل التغيير قبل نهاية العام الجاري بعد أن كانت التوقعات قبل أشهر تشير إلى ارتباط كرزاي بولاية الرئيس الأميركي جورج بوش حيث يعتبر الأخير كرزاي مشروعه الشخصي في أفغانستان الذي راهن على نجاحه.

وعزز هذه التكهنات الانتقادات التي نشرتها صحيفة نيويورك تايمز الأميركية مؤخرا لأداء الرئيس حامد كرزاي وحكومته، ووصفه بالضعيف وحكومته بالفاسدة وعدم قدرته على مواجهة تعاظم قوة طالبان وهي الصحيفة الأميركية الرئيسية الثانية بعد "واشنطن بوست" التي تنتقد كرزاي بشكل صريح في غضون أسابيع.

وقد ظهر انزعاج الرئيس كرزاي جليا في المؤتمر الصحفي المشترك مع رئيس الوزراء الهولندي أثناء زيارته لكابل السبت 26/8/2006، وعزا الحملة الإعلامية الغربية عليه إلى مخالفته الطريقة التي تسير فيها الحرب على الإرهاب في أفغانستان، موضحا أن هناك تباينا في وجهات النظر في هذا الشأن بين حكومته والولايات المتحدة وأوروبا.

"
مقربون من القصر الجمهوري في كابل نبهوا إحدى سفارات الدول المحيطة بأفغانستان والقريبة من النظام الحالي لضرورة الاستعداد للمرحلة المقبلة حتى لا تفاجئها التغييرات المرتقبة التي لن تكون بعيدة
"
بل إن مقربين من القصر الجمهوري في كابل نبهوا إحدى سفارات الدول المحيطة بأفغانستان والقريبة من النظام الحالي بضرورة الاستعداد للمرحلة المقبلة حتى لا تفاجئها التغييرات المرتقبة مؤكدين أنها لن تكون بعيدة.

مع الإشارة إلى أن اتصالات تجري بين مختلف الأطراف الأفغانية لصياغة شكل المرحلة المقبلة وتشمل التحالف الشمالي وحركة طالبان والحزب الإسلامي، وترتيبات تشرف عليها قوات التحالف وقوات الناتو لتشكيل حكومة أشبه ما تكون بحكومة وحدة وطنية.

وقد كان لافتا بيان حركة طالبان الأخير دون أي استفزاز ودون أية مقدمات الذي أعلنت فيه نفيها إقامة اتصال أو محادثات مع القوات الأجنبية خاصة قوات الناتو (التي تشكل العمود الفقري لقوات إيساف) والتي انتشرت في الجنوب قبل قرابة شهر، وإصرار حركة طالبان على ضرورة انسحاب القوات الأجنبية تمهيدا لمحادثات بين القوى الأفغانية.

عقبات دستورية وعجز برلماني
لكن المراقبين الذين يختلفون في حجم التغيير وهل سيطال الرئيس كرزاي وحكومته وحدهما باستقالة الرئيس وهو الخيار الأسهل أو يطال التركيبة السياسية برمتها وقد يأت بشكل صاخب أو على شكل انقلاب يضع أسسا جديدة للعبة السياسية.

ويرى مراقبون أن التغيير الهادئ يواجه صعوبات دستورية كبيرة، حيث إن استقالة الرئيس لا تغير من الواقع شيئا وسيأتي نائبه الأضعف منه أحمد ضياء مسعود لحين إجراء انتخابات جديدة، علما بأن البرلمان لا دور عمليا له في هذا المجال.

"
ليس أدل على عجز البرلمان من أن الحكومة لا تمثل أطيافه أو تمثله بالأساس حيث إن تركيبة الحكومة يغلب عليها المستغربون أو المدعومون من دول الغرب
"
ومن أجل إيجاد نظام مختلف وشكل سياسي جديد يتعين التخلص من البرلمان الحالي الذي يشكل قادة أحزاب المجاهدين الغالبية فيه مع اختلاف أطيافهم وتكتلاتهم المتغيرة دائما.

وليس أدل على عجز البرلمان من أن الحكومة لا تمثل أطيافه أو تمثله بالأساس حيث إن تركيبة الحكومة يغلب عليها المستغربون أو المدعومون من دول الغرب وكان لمصروف الجيب دور حاسم في الحصول على ثقة أعضاء البرلمان.

ويشكو البرلمان حاليا من التهميش وعدم إطلاعه على ما يجري في البلاد أو الاستجابة لمقترحاته في إصلاح الوضع المتردي في البلاد، إلى جانب الشكوى من عدم تنسيق القوات الأجنبية خاصة قوات التحالف مع السلطات المحلية في عملياتها التي تشنها في مختلف أنحاء البلاد الذي يعود إلى أزمة ثقة بين الطرفين لا بد أن تنتهي بإعادة النظر في الوضع السياسي الراهن لتفادي إعلان فشل المشروع الأميركي في أفغانستان.
ـــــــــــــــ
مراسل الجزيرة في كابل

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة