حكومات المراوحة بالمكان أو الانسحاب السريع   
الاثنين 1434/8/23 هـ - الموافق 1/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 14:36 (مكة المكرمة)، 11:36 (غرينتش)
علي بدوان

لم يكد الدكتور رامي الحمد الله ليعلن عن تشكيلة حكومته في رام الله، فإذا به بعد أيام قليلة يعلن عن تقديم استقالته، وليتراجع عنها بعد جلسة إقناع قصيرة مع الرئيس محمود عباس، لكنه ما لبث أن عاد لتقديم تلك الاستقالة ليصبح الآن مسيرا لأعمال الحكومة، ولتمسي حكومته حكومة تصريف أعمال.

فثمانية عشر يوما مرت بين كتاب التكليف وكتاب الاستقالة، لحكومة فلسطينية في رام الله حَمِلت الرقم (15) أي بمعدل حكومة كل (16) شهرا، فكانت الحكومة الأقصر عمرا بين مثيلاتها منذ قيام السلطة الفلسطينية صيف العام 1994.

فلماذا هذا الانعطاف السريع الذي رافق تشكيل تلك الحكومة وصولا لتقديم رئيسها استقالته بعد أيام قليلة من أداء الوزارة للقسم أمام رئيس السلطة محمود عباس، ولماذا نجد أنفسنا في فلسطين أمام حكومات المراوحة بالمكان أو الانسحاب السريع؟

إعلان الدوحة وحكومة الوحدة
في حقيقة الأمر، إن التطور الدراماتيكي السريع الذي رافق مصير الحكومة الفلسطينية الأخيرة التي شكلها الدكتور رامي الحمد الله، لا يمس فقط حكومته التي شكلها مؤخرا، بل هو حال تكرر بشكل عام مع عموم التشكيلات الوزارية الفلسطينية التي قامت منذ العام 1994 ويعود لعدة أسباب مباشرة وغير مباشرة (أسباب بعيدة) يمكن أن نحددها بالتالي:

تكليف الدكتور رامي الحمد الله بتشكيل وزارته جاءت أصلا دون تنسيق وتشاور بين العديد من الأطراف الفلسطينية ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي

أولها: أن تشكيل حكومة الحمد الله جاء مترافقا مع مناخ فلسطيني عام يعتقد بضرورة بناء حكومة وحدة وطنية حقيقية (انتقالية ومهنية من تكنوقراط دون أو مع مشاركة عموم القوى والفصائل) تعيد توحيد عموم الهياكل والمؤسسات الوزارية بين الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، وتعمل على التحضير للانتخابات التشريعية والرئاسية.

فحال معظم القوى إن لم نقل جميعها، كان وما زال يقول بأنه كان من الأنضج والأفضل والأكمل السير باتجاه حكومة وحدة وطنية تعيد لملمة الصف الفلسطيني وتلغي الازدواجية القائمة على الأرض طبقا للتفاهمات الوطنية الفلسطينية التي تمت في الفترات الماضية بالقاهرة، وطبقا لإعلان الدوحة الموقع بين الرئيس محمود عباس ورئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) خالد مشعل في فبراير/شباط 2011 والداعي لتشكيل حكومة تكنوقراط برئاسة الرئيس محمود عباس لفترة انتقالية، وقد وضع الإعلان ذاك حدا لعنوان استعصائي طالما بقي مثار خلاف واختلاف في مسار المصالحة الوطنية الفلسطينية، ليس بين حركتي فتح وحماس فقط، إنما بين مجموع القوى الفلسطينية المختلفة بما فيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وداخل حركة فتح نفسها.

فخطوة تكليف الدكتور رامي الحمد الله بتشكيل وزارته جاءت أصلا دون تنسيق وتشاور بين الجميع كما تشير مختلف المعطيات والتصريحات الصادرة من قبل العديد من الأطراف الفلسطينية ومنها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.

فقد غاب التنسيق بين الطرفين الرئيسيين في المعادلة الفلسطينية الداخلية (حركتي حماس وفتح)، إضافة لتحفظ القطب الثالث المؤلف من القوى اليسارية والقومية كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وعموم فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، والتي كانت وما زالت تسعى من أجل حكومة وحدة وطنية فلسطينية تقود الأمور في الداخل الفلسطيني باتجاه الإعداد للانتخابات التشريعية والرئاسية بمشاركة كل القوى الموجودة في ساحة العمل الوطني الفلسطيني.

تضارب الصلاحيات وغياب المأسسة
وثانيها: تضارب الصلاحيات بين مواقع السلطة، بين الرئاسة والوزارة، وبين رئيس الوزراء ونائبيه، وهو (أمر ليس بالجديد في الحالة الفلسطينية على كل حال) حيث تشير بعض المعلومات المتوفرة والمؤكدة إلى أن الدكتور رامي الحمد الله وجد نفسه موظفا إداريا عاديا وليس رئيسا للوزراء مع قيام نائبه الدكتور محمد مصطفى ودون الرجوع إليه بالتوقيع على الاتفاقات الاقتصادية مع البنك الدولي، لتصبح تلك الاتفاقات بمثابة الصاعق الذي فجر الجانب الأساسي من الأزمة وأخرجها للعلن بين الدكتور رامي الحمد الله ونائبه الاقتصادي الأكاديمي الدكتور محمد مصطفى.

وبالطبع فإن تلك الحالة من وجود "التضارب في الصلاحيات" تلخص في جانب هام (غياب أو ضعف) المأسسة في الحياة الداخلية الفلسطينية، السياسية، والتنظيمية، والإدارية، وسيادة منطق الدور الفردي في صناعة القرار على مستوياته جميعها بما فيها المستويان السياسي والاقتصادي، ومعهما المستوى الإداري الوزاري.

فالحكومة الجديدة ذات العمر القصير، اصطدمت منذ لحظاتها الأولى بأشكال البيروقراطية الزاحفة وكابوسها المهيمن على عمل المؤسسات في الداخل الفلسطيني، في ظل شعب وجيل يعاني من القمع والفساد والتهميش والبطالة، ومن تكلس وتآكل أشكال البنى التنظيمية، والسياسية، وسطوة الفرد أو المجموعة الضيقة الواحدة أو حتى الحزب والتنظيم الواحد على حساب التشاركية المطلوبة بين الجميع قولا وعملا.

عمق الأزمات الاقتصادية والسياسية في فلسطين وأساليب مواجهتها ممتدة إلى قضايا جوهرية حملها مسار سياسي يتداعى كل يوم، وبالتالي لا يعدو وجود سلطة وحكومات "مسحوبة الصلاحيات" سوى أحد تجلياتها

شبح الأزمات الاقتصادية
وثالثها، أن شبح الأزمات الكبرى الاقتصادية وغيرها في عموم المناطق المحتلة عام 1967 كان ماثلا أمام كل عينٍ مراقبة ومتابعة، وهي أزمات (قديمة وجديدة) ولا يستطيع تحمل أعبائها وزارة انتقالية مفترضة تسير باتجاه الإعداد لانتخابات تشريعية ورئاسية في فلسطين، بل ستجعل تلك الأزمات من تلك الحكومة (كبش فداء ومحرقة) في وضع فلسطيني مأزوم أصلاً تحت عوامل الضغط المختلفة: ضغط الاحتلال، وضغط الإدارة الأميركية، وضغوط الدول المانحة، وهزالة الوضع العربي الرسمي.

فعمق الأزمات الاقتصادية والسياسية في فلسطين وأساليب مواجهتها ممتدة إلى قضايا جوهرية حملها مسار سياسي يتداعى كل يوم، وبالتالي لا يعدو وجود سلطة وحكومات "مسحوبة الصلاحيات" سوى أحد تجلياتها.

والأزمات الكبرى التي نعنيها ليست سياسية بالدرجة الأولى فقط كما يعتقد البعض، وليس لها علاقة أحادية مباشرة بانسداد أفق عملية التسوية رغم الجولات الخمس الأخيرة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري للمنطقة، بل لها علاقة بالحالة الاقتصادية العامة للناس وتراجع مستويات المعيشة والحياة في ظل أزمات لم تتوقف، حيث كانت تقارير الأمم المتحدة الصادرة عن وكالة الأونروا والنتائج الأولية للمسح المشترك الأخير بين برنامج الأغذية العالمي، ووكالة الأونروا، ومنظمة الأغذية والزراعة (الفاو) قد حذرت من ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي في عموم الأراضي الفلسطينية للعام 1967 والتي مست نحو (1.6) مليون مواطن فلسطيني مباشرة إلى نحو (34%) العام الماضي 2012 مقارنة بنحو (27%) للعام 2011، وهي نسب مرشحة للازدياد والارتفاع.

فضلا عن اتساع وارتفاع نسب البطالة وتراجع المداخيل وارتهان السلطة الفلسطينية لصندوق الدعم المالي من الدول المانحة، وهو صندوق واقع تحت مفاعيل الحالة السياسية ومتأثرا بها. وبالتالي فإن المصاعب الكبرى التي اعترضت عمل الوزارة الجديدة من اللحظات الأولى دفعت كل ذي بصيرة للتعقل والتفكير مجددا بمدى النجاح من الفشل، وهو ما ساهم بدفع الدكتور رامي الحمد الله لتقديم استقالته.

فالأزمات الاقتصادية لشعب تحت الاحتلال كانت العنوان الأبرز الذي اصطدمت به عموم التشكيلات الوزارية الفلسطينية منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994 وفقا لاتفاق أوسلو الأول الموقع في سبتمبر/أيلول 1993. 

فلسطينيون من أجل الكرامة
ورابعها، أن الوزارة الجديدة، كما غيرها من الوزارات التي سبقتها، ورِثَت مجموعة من السياسات الاقتصادية الخاطئة، أو بالأحرى حالة غياب التخطيط الاقتصادي، والارتجال في العمل بهذا المجال في ظل مديونيات متزايدة، وكوارث اتفاق باريس الاقتصادي الجائر والموقع عام 1996 والذي ربط الاقتصاد الفلسطيني المحلي لعموم المناطق المحتلة عام 1967 باقتصاد دولة الاحتلال، وجعل من المناطق إياها أسواقا لترويج المنتجات "الإسرائيلية".

خطوة تشكيل حكومة رامي الحمد الله كانت خطوة مسلوقة ومستعجلة، استوجبها على ما يبدو الرهان المتواصل على دور أميركي جديد في المنطقة

إن تلك الحالة ترافقت مع القوانين الأخيرة التي أصدرتها الحكومة الماضية بقيادة الدكتور سلام فياض وتبنتها الحكومة الجديدة (حكومة تصريف الأعمال الحالية) ومنها إقرار رفع نسبة ضريبة القيمة المضافة، الذي سيؤدي حكما لارتفاع جديد في تكاليف الحياة اليومية، في المحروقات وأجور النقل والكهرباء والمواد التموينية والعلاج الصحي والأدوية، وهو ما عبرت عنه بعض الفعاليات وتظاهرات الاحتجاج التي شهدتها مدن نابلس ورام الله والخليل في الأسبوع الأول من إعلان تشكيلة حكومة الحمد الله، وقد اتخذت تلك الفعاليات أشكالا جديدة وهادفة من الحراك تحت عنوان  "فلسطينيون من أجل الكرامة" و"يا فلسطيني تمرّد".

وبالطبع فإن تلك الفعاليات (وبغض النظر عن حجمها) تركت بصماتها المباشرة على الوزارة الجديدة ورئيسها الذي وجد نفسه أمام تحديات جسيمة قد لا يستطيع مواجهتها في وضع فلسطيني مُتخم بالتداخلات والتداخلات المضادة. 

وفي الأخيرة، يمكن القول إن خطوة تشكيل حكومة رامي الحمد الله كانت خطوة مسلوقة ومستعجلة، استوجبها على ما يبدو الرهان المتواصل على دور أميركي جديد في المنطقة مع اقتراب الجولة السادسة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري، فيما كان من الأنجع والأفضل فلسطينيا السير باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية تفتح الطريق لانتخابات تشريعية ورئاسية، وتؤسس لاستكمال عناصر وبنود المصالحة الفلسطينية وفقا لكل التفاهمات الفلسطينية التي تم التوصل إليها خلال الفترات الماضية وبإجماع كل القوى الفلسطينية.  

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة