حان وقت انطلاقة الهند   
الأربعاء 1437/9/3 هـ - الموافق 8/6/2016 م (آخر تحديث) الساعة 17:05 (مكة المكرمة)، 14:05 (غرينتش)
موجوبو مويو


تخيل أنك رب بيت ولديك عدد كبير من الأطفال ومواردك محدودة، وأن ابنك البكر ناضج بما يكفي للخروج من منزلك والاعتماد على نفسه، لكنه لا يريد، فهو يفضل البقاء، كما أنه يستهلك الموارد التي يحتاج لها إخوته. هل من الصواب ترك أطفالك الآخرين يعانون بسبب أخيهم الكبير لأنه متردد بشأن الاعتماد على نفسه؟

نجد حاليا دينامية مماثلة بين البنك الدولي والمستفيدين من برنامج المؤسسة الدولية للتنمية، وتدعم المؤسسة الدولية للتنمية النمو بشكل عادل في الدول الفقيرة من خلال منح قروض منخفضة الفائدة وطويلة الأجل للحكومات الوطنية. ويدعم البرنامج 77 دولة من أفقر البلدان في العالم، نصفها من أفريقيا. كما يوفر المساعدة للبلد الذي لم يعد يستحق ذلك؛ إنه الهند.

في نهاية السنة المالية 2014، خرجت الهند رسميا من برنامج المؤسسة الدولية للتنمية، لأنها لم تعد دولة فقيرة بما فيه الكفاية للتأهل، وقام البنك الدولي بتحديد العتبة لتلقي المساعدة، على أساس نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي (الناتج القومي الإجمالي). في السنة المالية 2016، ستصل تلك العتبة إلى 1215 دولار. وتجاوز نصيب الفرد من الدخل القومي الإجمالي في الهند الحد المسموح به لدى البنك الدولي سنويا من أجل الاستفادة من برنامج المؤسسة الدولية للتنمية، وذلك منذ عام 2010، وفي عام 2014، بلغ 1570 دولار.

ارتفع مستوى الدخل الفردي في الهند في السنوات الأخيرة ووصل في عام 2014 إلى 1570 دولار (وكالة الأنباء الأوروبية)

كما أن الهند تستحق الائتمان، وبذلك يمكنها الوصول إلى أسواق رأس المال الدولية. ورغم هذا تواصل الهند تلقي 3.2 بليون دولار على مدى ثلاث سنوات لدعم المرحلة الانتقالية من برنامج المؤسسة الدولية للتنمية، مثلها مثل البلدان الفقيرة الأخرى التي تطلب مزيدا من الأموال.

في السنة المالية 2015، تم تخصيص 11.5 في المائة من 14.6بليون دولار المقدمة من برنامج المؤسسة الدولية للتنمية للهند، وقام سبعة وسبعون من المستفيدين الآخرين بتقسيم ما تبقى، وليس هناك من سبب لتحصل الهند على هذه المعاملة الاستثنائية.. فمن الأفضل إنفاق تمويل المؤسسة الدولية للتنمية الذي تتلقاه الهند في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حيث نجد احتياجات أكبر وخيارات تمويلية أقل.

وإذا تم تقسيم حصة الهند بالتساوي بين دول المؤسسة الدولية للتنمية المتبقية، فإن كل بلد سيتمتع بمتوسط أكثر من 0.5٪ كزيادة تمويل. إن تمويل البلدان الخمس الأوائل المقترضين من المؤسسة الدولية للتنمية في أفريقيا جنوب الصحراء (إثيوبيا ونيجيريا وكينيا وتنزانيا وغانا) من شأنه أن يزيد بنحو بليون دولار. وهذا يكفي لتمويل 2166 كيلومتر من الطرق المعبدة خلال سنة واحدة فقط، وهي المسافة من جنوب أفريقيا إلى زامبيا. ويمكن للمرء أن يتخيل التأثير التراكمي لمثل هذه الزيادة في التمويل على مدى 5 أو 10 سنوات المقبلة.

وتنص مراجعة سياسة مغادرة البنك الدولي في 2016 على أن الهدف من تلك الأموال التي تعطى للهند هو ضمان سلاسة انتقالها من بلد يستفيد من المؤسسة الدولية للتنمية تفاديا لمنع انخفاض مفاجئ في التمويل. ويمكن للهند التعامل مع هذا الانخفاض المتوقع، فهي بالفعل تعد أكثر ثراء بكثير من بلدان جنوب الصحراء، كما تبلغ احتياطاتها الدولية ما يقرب من 400 مليار دولار.

ويرى البعض أن نسبة كبيرة من فقراء العالم يعيشون في البلدان المتوسطة الدخل، ولهذا ينبغي للمجتمع المانح أن يفكر مليا في كيفية توجيه هذا التمويل، وقد دعا رافي كانبور، أستاذ في جامعة كورنيل وكبير الاقتصاديين في البنك الدولي المختصين في أفريقيا سابقا، لإعادة سياسة مغادرة المؤسسة الدولية للتنمية. ويشير إلى أنه في عالم يتزايد فيه التفاوت داخل الدول، فإن استخدام الثروة الإجمالية للبلد كمقياس للفقر سيهمل الملايين من الفقراء.

أنا أتفق معه تماما. وحتى الآن، وفقا لمؤشرات التنمية العالمية التابعة للبنك الدولي، تبلغ نسبة الفقر في الهند 21.9٪، أي أقل من نصف المعدل بأفريقيا جنوب الصحراء والذي يبلغ 44.4٪، وهذا يعني أن إنفاق المال بشكل أفضل سيساعد البلدان الأكثر فقرا في المنطقة. إن الحل لدول مثل الهند هو إيجاد سبل أفضل لإعادة توزيع الثروة، حتى يتمكن أغلب مواطنيها من الاستفادة منها.

 رغم ارتفاع مستويات المعيشة ما زال الفقر ينتشر على نطاق واسع في الهند (وكالة الأنباء الأوروبية)

فالدول الغنية لديها المزيد من الخيارات لمساعدة فقرائها. الهند -على وجه الخصوص- لديها حق الوصول إلى مصادر أخرى لتمويل التنمية، بما في ذلك البنك الدولي للإنشاء والتعمير، والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية الذي أطلق حديثا، وبنك التنمية الجديد للبريكس. ويجب أن تخصص المؤسسة الدولية للتنمية للبلدان الفقيرة التي يتم منعها من الوصول إلى الأسواق العادية. لا يتعلق هذا الأمر بالهند وحدها؛ إذ من المتوقع أن تغادر الدول الأفريقية مثل زامبيا ونيجيريا وكينيا وغانا قريبا.. كما يجب أن تكون على استعداد للالتزام بنفس القواعد.

وقد حث رئيس البنك الدولي جيم يونغ كيم الدول المانحة على تكثيف دعمها للمؤسسة الدولية للتنمية خلال تجديد الجولة الثلاثية لهذا العام، بحجة أن التمويل الإضافي "سيكون ضروريا بالنسبة لتحقيق أهدافنا والقضاء على الفقر المدقع وتعزيز الرخاء المشترك"، وقد ذكر دول أفريقيا وجنوب آسيا باعتبارها مناطق مهمة ينبغي التركيز عليها.

ويتعين على قادة أفريقيا جنوب الصحراء ضمان تنفيذ وعود البنك الدولي، كما يجب الحرص على المغادرة الفورية لدول مثل الهند، والتأكد من أن البنك يؤدي مهمته خدمة للبلدان الفقيرة. فالسماح للدول بالتشبث بالمؤسسة الدولية للتنمية لسنوات -كما فعلت الهند- يعني عدم وجود ملاذ لبلدان ذات احتياجات أكبر.

وإذا لم يرسل البنك الدولي 12 سنتا من كل دولار من تمويل المؤسسة الدولية للتنمية إلى الهند، فسيوفر موارد مهمة للاستثمار في أفريقيا، حتى لو ظلت التبرعات مستقرة. ومن المقرر أن ينتهي دعم المؤسسة الدولية للتنمية الانتقالي للهند بحلول عام 2017.. لقد حان الوقت ليغادر الأخ الأكبر المنزل من أجل مصلحة الآخرين.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة