ترنح السلام التركي الكردي   
الأربعاء 1436/2/4 هـ - الموافق 26/11/2014 م (آخر تحديث) الساعة 18:27 (مكة المكرمة)، 15:27 (غرينتش)
خورشيد دلي


مخاوف وتحديات
شروط جديدة للحوار
لا بديل عن السلام

تبدو عملية السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني بحاجة ماسة إلى خريطة سياسية تنقذ هذه العملية من التحديات التي تواجهها، فالتأخير في الحل يزيد من التعقيد والتشابك بحكم العوامل الطارئة والتغيرات اليومية التي تحصل على وقع التطورات الجارية في الشرق الأوسط ولاسيما الأزمة السورية.

فقد كادت المظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت احتجاجا على ما يجري في عين العرب (كوباني) أن تضع نهاية لهذه العملية لولا دعوة عبد الله أوجلان الكرد إلى التهدئة، واكتشاف تركيا أهمية أوجلان كقيمة لضمان استقرار البلاد، وهذا ما اتضح من زيارة رئيس الاستخبارات التركية حقي فيدان لأوجلان في معتقله من جديد، والبحث عن صيغة تنقذ العملية السلمية لقناعة الطرفين بأن أي خيار آخر لن تكون نتيجته سوى جولة جديدة من العنف والدمار.

مخاوف وتحديات

ثمة قناعة لدى الكرد بأن حرب التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) جعل من القضية الكردية موضع تداول إقليمي ودولي، وأن هذا التداول زاد من دور الكرد وأهميتهم في المعادلات الإقليمية والدولية بالمنطقة

ثمة قناعة لدى الكرد بأن حرب التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) جعل من القضية الكردية موضع تداول إقليمي ودولي، وأن هذا التداول زاد من دور الكرد وأهميتهم في المعادلات الإقليمية والدولية في الشرق الأوسط، وتأسيسا عليه بدأ حزب العمال الكردستاني يضغط في كل الاتجاهات على الحكومة التركية للقيام بخطوات عملية لدفع عملية السلام إلى الأمام.

وقد وصل به إلى الأمر إلى حد التهديد بنسف العملية ما لم تقم أنقرة بمثل هذه الخطوات خلال فترة محددة، في حين أن الحكومة التركية التي لها حساباتها الخاصة لا تريد العمل وكأنها تحت الضغط أو معالجة القضية من زاوية التداول الخارجي، وإنما تريد حصر عملية الحل في الداخل حيث ثمة تعقيدات دستورية وسياسية وثقافية لها علاقة بالبنيان السياسي للدولة التركية الذي قام في الأساس على إنكار الهوية القومية للكرد منذ تأسيس الجمهورية التركية.

الموقف التركي هذا يزيد من قناعة الكرد بأن أنقرة غير جادة وتماطل في تأخير الحل إلى حين الانتخابات البرلمانية المقررة في صيف العام المقبل لمنع الحزب عبر جناحه السياسي حزب الشعوب الديمقراطية من الاستفادة من العملية السلمية كإنجاز، بما يعني أوسع مشاركة له في الحياة السياسية.

في حين يقابل القناعة الكردية هذه اعتقادٌ تركي بأن الحزب الكردستاني غير جاد في العملية السياسية ويريد استغلال تحالفاته الإقليمية والتطورات الدراماتيكية الحاصلة في المنطقة لرفع سقف مطالبه وصولا إلى طرح شكل من أشكال الانفصال مجددا، بما يعني كل ذلك غياب الثقة بين الجانبين.

ولعل هذا ما دفع بالجانب التركي إلى التهديد بإلغاء عملية السلام، وقد دفع هذا الأمر بمجموعة الأزمات الدولية إلى التأكيد في تقرير لها (صدر التقرير في السادس من نوفمبر/تشرين الثاني) إلى القول "إن عملية السلام التركية الكردية تمر بمنعطف حقيقي، فإما أن تنهار وبذلك تنتهي سنوات العمل وإما يلتزم الطرفان سريعا بالعمل للتقارب" مطالبا الطرفين بوقف التصعيد.

ولعل ما سبق يكشف أهمية توصل الطرفين إلى خريطة سياسية للحل على شكل التزامات متبادلة، أساسها اتخاذ خطوات عملية لبناء الثقة وتعزيز العملية السلمية وتحقيق الاستقرار وصولا إلى الحل المنشود.

شروط جديدة للحوار

من يتابع تصريحات أردوغان وأوجلان سيرى أنها تأخذ شكل رسائل متبادلة تؤكد التمسك بعملية السلام والمضي بها حتى تحقيقها. فأردوغان يؤكد أمام كل منعطف تمسكه بالسلام، أما لسان حال أوجلان فيقول إن العملية اقتربت من الوصول إلى نهايتها

التعقيدات والتحديات التي تواجه عملية السلام دفعت بالطرفين إلى محاولة البحث عن آليات جديدة لدعم العملية وتوسيعها، ومحاولة إيجاد ضمانات لها، فأوجلان طلب رسميا من الحكومة التركية إشراك قيادات من حزبه بقنديل في الحوار، في حين طالبت قيادة قنديل متمثلة برئيس الحزب جميل بايق بإشراك الولايات المتحدة في المفاوضات على شكل راع لها، في سيناريو شبيه بما جرى بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل مع اختلاف الحدث والظروف.

وأمام المطالبة الكردية هذه بدأت أنقرة تقول إن الحزب الكردستاني ينبغي أن لا يكون المحاور الوحيد في مفاوضات السلام حيث أعلن رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو أن الحكومة لن تحصر الحوار مع جهة واحدة، في إشارة إلى حزب العمال الكردستاني.

وبالتوازي مع هذه الشروط أو الطلبات الجديدة للحوار، ثمة توجه لدى الطرفين لتحديد مواضيع خريطة الحل وفق مصلحته، وعليه أبلغ فيدان خلال زيارته أوجلان في السجن أن مسودة خريطة الطريق التي طرحها الأخير في وقت سابق لم تعد صالحة بعد التطورات التي شهدتها تركيا عقب أحداث كوباني، في حين يرى أوجلان نفسه أن ما جرى في كوباني دعّم موقفه التفاوضي وأضعف موقف الحكومة التركية، معتمدا في ذلك على زيادة الدور الكردي في المنطقة، حيث تعاظم دور إقليم كردستان العراق على الساحة الكردية بعد إرسال قوات البشمركة إلى كوباني، وكذلك دور كرد سوريا مع أحداث كوباني بعدما أصبحوا حليفا للتحالف الدولي في الحرب ضد داعش، حيث للمرة الأولى تمد واشنطن المقاتلين الكرد السوريين بالسلاح وترفض وصف حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي الحليف لحزب العمال الكردستاني بالإرهاب كما تصر أنقرة.

في الواقع، هذه الشروط الجديدة للحوار تأتي تعبيرا عن وصول عملية السلام إلى منعطف خطر، وتشير أيضا إلى غياب الثقة بين الطرفين، وإلى أن الآليات التي اتبعت حتى الآن غير ناجعة في التوصل إلى صيغة عملية تضع قطار عملية السلام على سكة الحل.

وكل ما سبق، يزيد من التحديات أمام الجانبين من جهة، ومن جهة ثانية يفرض ضرورة التوصل إلى صياغة نموذج للحل يقوم على أساس توزيع الصلاحيات في المناطق الكردية بين الحكومة المركزية والسلطات الكردية المحلية، حيث يسعى الحزب الكردستاني ليكون الممثل الشرعي المعترف به لهذه السلطات في المناطق الكردية.

ولعل هذا يشكل أكبر تحد للحكومة التركية التي ترفض إلى الآن الاعتراف بالحزب المذكور وتصفه بالإرهابي، ليبقى السؤال كيف يمكن الدخول معه في عملية السلام وفي الوقت نفسه الإصرار على وصفه بالإرهابي.

لا بديل عن السلام
ما سبق من تحديات وعقبات، لا يقلل من أهمية السلام وضرورته للجانبين، ولعل من يتابع تصريحات أردوغان وأوجلان بشأن السلام سيرى أنها تأخذ شكل رسائل متبادلة تؤكد التمسك بعملية السلام والمضي بها حتى تحقيقها. أردوغان وأمام كل منعطف يشدد على تمسكه بالسلام، في المقابل لسان حال أوجلان يقول إن العملية اقتربت من التوصل إلى نهايتها، وهي تصريحات ورسائل تعكس في حقيقة الأمر المحادثات الجارية تحت الطاولة بين أوجلان وفيدان الذي يواظب على زيارة أوجلان في السجن بغية التوصل إلى خريطة طريق للحل.

يمكن القول إن هناك تطلعات متبادلة لدى أردوغان وأوجلان، تدعمها قناعة راسخة مفادها عدم جدوى النهج العسكري، الذي لن يقود إلا إلى فتح الطريق أمام المؤسسة العسكرية التركية للعودة إلى المشهد مما يشكل انتكاسة للسلام والديمقراطية معا

تدرك أنقرة أن الرجل القابع في معتقل إمرالي منذ خمسة عشر عاما يشكل العقدة والحل معا، فهو ما زال صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في تحديد مصير القضية الكردية في تركيا، وفي تحديد سياسة حزب العمال الكردستاني، ولا أحد غيره يستطيع إعادة آلاف المقاتلين من الجبال ليندمجوا في الحياة العامة من جديد، كل ذلك وسط وعي تركي متعاظم بالقضية الكردية وبالموقع الجغرافي للأكراد في المنطقة، وما يترتب على كل ذلك من مصالح وأدوار في زحمة التطورات الجارية والصراعات الإقليمية حيث تحول الأكراد إلى لاعب إقليمي مهم في مجمل هذه التطورات.

في المقابل يدرك أوجلان وحزبه أن الرجل الوحيد القادر على دفع هذه القضية إلى الأبواب هو أردوغان ومن خلفه حزب العدالة والتنمية، فرغم كل شيء لا يمكن تجاهل حجم الانفتاح التركي على القضية الكردية في عهد حزب العدالة والتنمية، ووعيه بأهمية الحل السياسي الممكن للقضية الكردية، إذ ثمة قناعة راسخة بأنه لا يمكن تحقيق الأمن والاستقرار والسلام الداخلي في البلاد من دون حل هذه القضية من خلال ترتيب البيت التركي الداخلي من جديد.

فأردوغان يطمح إلى الانتقال من النظام البرلماني إلى الرئاسي، ويدرك أن تحالفاته الإسلامية تعرضت للشرخ، بعد أن تحول حليفه القديم، فتح الله غولن، إلى خصم شرس، وأن المعارضة العلمانية، المتمثلة بحزب الشعب الجمهوري، تعمل بكل الوسائل لإسقاطه، كما أن الحركة القومية المتطرفة تجاوزها الزمن.. وعليه، فإن طريق أردوغان للوصول إلى صوت النائب الكردي لتمرير القرارات والقوانين في البرلمان المقبل والانتقال إلى النظام الرئاسي أصبح يمر عبر الساكن في معتقل إمرالي، أي أوجلان.

في المقابل، يدرك الأخير أن الطريق إلى أن يكون مانديلا الأكراد، ويدخل التاريخ، ويستعيد حريته، لا يمكن أن يكون إلا من خلال السلام، وأن العودة إلى الكفاح كخيار ليس سوى نوع من الانتحار السياسي، وهدر مزيد من الدماء والأرواح.

وعليه، يمكن القول إن ثمة تطلعات متبادلة لدى أردوغان وأوجلان، تدعمها قناعة راسخة مفادها عدم جدوى النهج العسكري، فمثل هذا النهج لن يقود إلا إلى فتح الطريق أمام المؤسسة العسكرية التركية للعودة إلى المشهد السياسي والتحكم بالبلاد من جديد، وبما يشكل انتكاسة للسلام والاستقرار والديمقراطية معا.

وعليه فإن السلام التركي الكردي لم يعد ضرورة لوقف العنف والدم فقط، بل ضرورة للانتقال إلى تركيا الجديدة التي ينشدها الجميع.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة