المصالحة الفلسطينية.. الآمال والتحديات   
الأحد 1433/7/20 هـ - الموافق 10/6/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:41 (مكة المكرمة)، 7:41 (غرينتش)
نبيل السهلي

التحديات المحدقة بالقضية الفلسطينية
المصالحة وأهمية تغليب المصلحة الوطنية
المصالحة والربيع العربي

عانى الشعب الفلسطيني منذ خمسة أعوام من تداعيات الانقسام الحاد بين القوى والفصائل الفلسطينية المختلفة. وعلى الرغم من الحديث المتكرر عن قرب المصالحة الفلسطينية فإن المتابع بات على يقين من وجود معوقات أساسية تحول دون المصالحة المنشودة.

وقد يكون من بين تلك المعوقات محاولة بعض أصحاب المصالح والامتيازات التي تولدت بفعل تداعيات الانقسام الإبقاء على الجغرافيا السياسية المستحدثة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، ناهيك عن الضغوط الخارجية على القوى الفلسطينية.

ويرى محللون أنه لو تم تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية بصيغة معينة ومتفق عليها فسيفسر ذلك بكونه عملية تكيف أو إدارة أزمة لحالة الانقسام في حال لم تتم صياغة برنامج سياسي وكفاحي متفق عليه يتم التأكيد في مضامينه على ثوابت الشعب الفلسطيني الرئيسية وفي المقدمة منها حق العودة واعتبار القدس عاصمة دولة فلسطين المستقلة ناهيك عن تفكيك المستوطنات الإسرائيلية باعتبارها معالم احتلالية للأرض الفلسطينية. ومن ثم وضع آليات عمل حقيقية من شأنها تمكين الشعب الفلسطيني وقواه الحية من مواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية والمشروع الوطني الفلسطيني بشكل عام.

المؤسسة الإسرائيلية استطاعت السيطرة على 93% من مساحة القدس الشرقية ناهيك عن بناء طوقين من المستوطنات يحيطان بالمدينة من الجهات الأربع ويتركز فيهما نحو 185 ألف مستوطن إسرائيلي

التحديات المحدقة بالقضية الفلسطينية
لقد أصدرت إسرائيل خلال السنوات القليلة الماضية حزمة من القرارات التي من شأنها الإطباق على مدينة القدس. وفي هذا السياق تشير تقارير إلى أن المؤسسة الإسرائيلية استطاعت السيطرة على 93% من مساحة القدس الشرقية ناهيك عن بناء طوقين من المستوطنات يحيطان بالمدينة من الجهات الأربع ويتركز فيهما نحو 185 ألف مستوطن إسرائيلي.

وقد تم طرد آلاف المقدسيين بعد قرار تهويد قطاع التعليم في المدينة قبل عامين. واستغلت إسرائيل حالة الانقسام لتجعل من النشاط الاستيطاني العنوان الأبرز في سياساتها اليومية، الأمر الذي أدى إلى سيطرة كبيرة على أراضي الضفة الغربية لصالح المستوطنات الإسرائيلية الذي وصل عددها إلى 151 مستوطنة يتركز فيها أكثر من 300 ألف مستوطن إسرائيلي.

كذلك لم تتوقف عملية الاستمرار في بناء الجدار العازل العنصري الذي يعتبر أكبر نشاط استيطاني صهيوني في الأرض الفلسطينية منذ عام 1967. حيث سيلتهم في نهاية المطاف أكثر من 40% من مساحة الضفة الغربية البالغة 5800 كيلومتر مربع وسيبقي 85% من مصادر المياه الفلسطينية في الجهة الغربية لصالح الاستخدامات الصهيونية المختلفة.

ونتيجة مباشرة لحالة الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني أصبحت مؤشرات البؤس هي السائدة بين الفلسطينيين في الضفة وقطاع غزة وهذا بدوره يعتبر من التحديات الجدية التي تواجه الشعب الفلسطيني أيضا.

وتشير دراسات متعددة إلى أن معدلات البطالة وصلت إلى نحو 60% في قطاع غزة في مقابل 30% في الضفة الغربية. ونتيجة لذلك باتت الخيارات التعليمة والصحية ضعيفة. ومن أصل 1.6 مليون فلسطيني في قطاع غزة ثمة 60% منهم تحت خط الفقر. ونتيجة الحصار الجائر ارتفعت معدلات الوفيات بين المرضى بسبب النقص الحاد في الأدوية المطلوبة.

وقد زاد من بؤس المؤشرات في الضفة والقطاع وقوع الاقتصاد الفلسطيني بين كماشة التبعية لإسرائيل وأزمة المساعدات الدولية المشروطة للسلطة الوطنية الفلسطينية حيث لم يستفد المواطن الفلسطيني في كلا المنطقتين من تلك المساعدات لأنها تستثمر في مشاريع تخص الدول المانحة في أغلب الأحيان، حيث تتم إقامة مشاريع بتمويل غربي تحت مسميات مختلفة في المقدمة منها نشر الديمقراطية ودمج المرأة في المجتمع.

وبدورها كانت قضية الأسرى من القضايا الضاغطة على المجتمع الفلسطيني أيضا حيث تم اعتقال نحو 750 ألف فلسطيني خلال الفترة الممتدة بين السنوات 1967 و 2012 جلهم من جيل الشباب النشيطين اقتصاديا الأمر الذي أفقد سوق العمل الفلسطيني مزيدا من قوتها الأساسية.

المصالحة وأهمية تغليب المصلحة الوطنية
على الرغم من التصريحات المختلفة حول أهمية عقد المصالحة الفلسطينية والإسراع بالخطوات اللاحقة لها، فإنها تعثرت طويلاً خلال السنوات القليلة الماضية بسبب الخوض في التفصيلات الدقيقة والضغوط الخارجية التي وصلت إلى حد التلويح بقطع المساعدات الدولية للسلطة الفلسطينية.

بات من الضرورة بمكان على القوى الفلسطينية تحقيق عقد الوحدة الوطنية الفلسطينية وتوحيد كافة الجهود لمواجهة التحديات المختلفة

وثمة ملفات جامعة يمكن أن تكون أساسًا محوريًّا للوحدة الوطنية الحقيقية. وقد توضح ذلك إبان معركة الأمعاء الخاوية التي خاضتها الحركة الأسيرة ضد السجان الإسرائيلي. حيث كان الخطاب موحدًا لدى كافة فصائل العمل الوطني والإسلامي في الساحة السياسية الفلسطينية لدعم قضية الأسرى وبالتالي تحقيق مطالب الأسرى المحقة.

واستطاعت الحركة الأسيرة تحقيق مطالبها بفعل تضافر الجهود الفلسطينية والتضامن الإنساني الدولي مع تلك القضية العادلة في مواجهة العنصرية الإسرائيلية المتفاقمة. وفي غالب الظن لو تجاوزت الحركتان فتح وحماس عقدة تشكيل حكومة الوحدة فإنه من شبه المؤكد أن بعض الأطراف وفي المقدمة منها الولايات المتحدة وإسرائيل ستحاول إسقاط المصالحة من خلال ضغوط مدروسة سياسية واقتصادية لاختلاق أزمات ومعوقات.

وهذا يستدعي في طبيعة الحال تغليب المصالح العليا للشعب الفلسطيني والإسراع في التحضير لإنجاز الانتخابات سواء في المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية أو المجلس الوطني لمنظمة التحرير الفلسطيني.

بات من الضرورة بمكان على القوى الفلسطينية تحقيق عقد الوحدة الوطنية الفلسطينية وتوحيد كافة الجهود لمواجهة التحديات المختلفة. وقد تسهم تلك العملية في تعزيز وتوسيع دائرة الاعتراف بدولة فلسطين من قبل عدد كبير من المؤسسات الدولية إذا استطاع الفلسطينيون التوجه بخطاب سياسي دبلوماسي موحد وجامع بعد وضع برنامج وإستراتيجية مشتركة.

المصالحة والربيع العربي
لا يمكن أن تكتمل دائرة المصالحة وتفعيل دور منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية دون مشاركة واسعة من الأغلبية الصامتة من الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني والشتات فيها -ونقصد بالقوة الصامتة الفعاليات السياسية والاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني- لحماية المشروع الوطني ورسم مستقبل الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه الثابتة.

وقد يكون ذلك بمثابة جدار متين في مواجهة مخططات وسياسات المؤسسة الإسرائيلية التي تسعى إلى جعل السلطة الوطنية الفلسطينية مجرد شرطي لحماية المحتل الإسرائيلي وإنجازاته على الأرض الفلسطينية. وقد يؤسس ذلك لترسيخ السلطة الفلسطينية باعتبارها ذراعًا قويًّا لمنظمة التحرير الفلسطينية وليس العكس.

عملية الصراع مع الكيان الصهيوني تأخذ بعدا عربيًّا وإسلاميا بعد الثورات, وهو ما يعني أن ربيعًا فلسطينيًّا قادم وسيزهر بعد الربيع العربي

التحديات الجمّة التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني تتطلب من كافة فصائل العمل الوطني والإسلامي في الساحة السياسية الفلسطينية تجميع الجهد الفلسطيني والاتفاق على برنامج سياسي مشترك وخيارات سياسية وكفاحية مستقبلية من شأنها الحد من مخاطر السياسات الإسرائيلية الجارفة وفي مقدمتها النشاط الاستيطاني الذي يقضم الأرض الفلسطينية ويحقق عملية الإحلال الديموغرافي والتهويد.

بات من شبه المؤكد أنه مع غياب صورة الديكتاتوريات بشكل تدريجي في المنطقة العربية بفعل الربيع العربي الذي بدأ في ساحات وميادين التحرير والتغيير العربية ستكون التداعيات إيجابية على القضية الفلسطينية لأنها ستكون حاضرة بقوة في ضمير ووجدان كل عربي.

ويعتبر ذلك في حد ذاته رصيدًا إستراتيجيا للقدرات والطاقات الفلسطينية الساعية إلى تحرير فلسطين وكنس الاحتلال. والأهم من ذلك أن عملية الصراع مع الكيان الصهيوني بدأت تأخذ بعدًا عربيًّا وإسلاميًّا. ولهذا يمكن القول إن ربيعًا فلسطينيًّا قادم وسيزهر بعد الربيع العربي. 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة