الخطاب السياسي الإسلامي ومعضلة الدولة الحديثة   
الثلاثاء 8/12/1425 هـ - الموافق 18/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 16:14 (مكة المكرمة)، 13:14 (غرينتش)










 

 

 

رفيق عبد السلام

ولد الخطاب الإسلامي الحديث مسكونا بهاجس إعادة بناء الدولة الإسلامية منذ بواكيره، وذلك بسبب الصدمة العنيفة التي ولدها الاجتياح الاستعماري الغربي، وما تبع ذلك من تفكيك متتال لأسس الإجماع الأهلي ومباني الشرعية التقليدية.

وقد جاءت صدمة إلغاء الخلافة العثمانية في تركيا سنة 1924 مشفوعة بإعلان علمانية الدولة ليدفع بالمشغل السياسي، وعلى رأس ذلك مطلب الدولة الإسلامية إلى صدارة أجندة تيار الإسلام المعاصر، وذلك خلافا للحركة الإحيائية الإسلامية للقرن التاسع عشر التي تركز مجهودها الأعظم على إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عرى الشرعية السياسية الإسلامية ممثلة في الكيان العثماني المنهك وقتها ومواجهة التهديد الغربي المتفاقم، كما هو شأن السيد جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وبقية تلاميذهما في الشرق والغرب الإسلاميين.

"
في مواجهة الموجة المتجهة إلى عزل الإسلام عن الشأن السياسي ومشاغل العصر نزع الخطاب الإسلامي الحديث إلى رفع شعار الدولة الإسلامية وإكسائها الفضائل الأخلاقية والسياسية بصورة غير مسبوقة
"
لم يكن غريبا أن تكون نشأة الحركة الإسلامية الحديثة في العالم العربي ممثلة في الإخوان المسلمين في مصر بقيادة الشهيد حسن البنا عام 1928 متزامنة مع إلغاء الكيان السياسي العثماني بعد تسلم كمال أتاتورك شؤون الحكم في العاصمة العثمانية، مضافا إلى ذلك تبلور رؤية نافية لصلة الدين بالسياسة ولوجود دولة في الإسلام أصلا كان قد انبعث بعضها من داخل المؤسسة التعليمية التقليدية أصلا.

فالكل يذكر الزوبعة الصاخبة التي أثارها كتاب علي عبد الرازق المعنون بالإسلام وأصول الحكم سواء داخل الأزهر الشريف أم في الأوساط الفكرية الإسلامية الواسعة، وما لحق ذلك من ردود واسعة هدف أغلبها إلى نقض قراءة علي عبد الرازق وتأكيد صلة الإسلام بالسياسة وشؤون الحكم.

ففي مواجهة هذه الموجة المتجهة إلى عزل الإسلام عن الشأن السياسي ومشاغل العصر نزع الخطاب الإسلامي الحديث إلى رفع شعار الدولة الإسلامية وإكسائها الفضائل الأخلاقية والسياسية بصورة غير مسبوقة، ولا ننسى هنا أن التيار السياسي الإسلامي الحديث ولد متأثرا بالثقافة السياسية السائدة في المنطقة وفي الساحة العالمية عامة، وهي ثقافة كانت في مجملها تتمركز حول التحديث السياسي والاقتصادي والاجتماعي عبر أدوات الدولة.

ولذلك لم يكن غريبا أن يتمركز خطاب النخبة الاستقلالية في العالم العربي بعد رحيل الجيوش الاستعمارية الغربية وقيام "الكيانات الوطنية" حول الدولة باعتبارها ضامنة التقدم الاقتصادي والتحرر السياسي وقاطرة الالتحاق بركب "التمدن" الذي عد الغرب الحديث نموذجه الأكمل.

وقد مثل النموذج الشيوعي في روسيا والفاشي في إيطاليا وقبل ذلك نموذج الثورة الفرنسية نوعا من الإغراء والجاذبية الخاصة للنخب الاستقلالية التحديثية في العالم العربي، بل لنخب العالم الثالث عامة، وتقدم التجربة الناصرية في مصر والبومدينية في الجزائر والبعثية في العراق وسوريا والبورقيبية في تونس مثالا بارزا على هذا التوجه.

ورغم أن علاقة التيار الإسلامي لم تكن ودية في الغالب مع تيارات العلمنة السياسية والحركة الاستقلالية (مع تفاوت في نوعية هذه العلاقة من قطر عربي إلى آخر طبعا) فإنه مع ذلك لم يكن بمنأى عن ألأجواء السياسية والثقافية التي نشأ ضمنها واشتغل في أجوائها، بما في ذلك الثقافة السياسية للنخب العربية بجناحيها الليبرالي العروبي واليساري المتماهية في مقولة الدولة الحديثة.

وما يزيد في تعميق المشكلة أن الخطاب الإسلامي الحديث يميل في صورته الغالبة إلى أسلمة دولة الانقسام والتجزئة التي ورثت الكثير من الأزمات والأعطاب الهائلة منذ الحقبة الاستعمارية الثقيلة، عبر أسلمه التشريعات القانونية والمظاهر العامة لهذه الدولة ثم نعتها بالدولة الإسلامية، فحينما يتحدث الإسلاميون عن الدولة الإسلامية فهم يقصدون غالبا أسلمة الأوعية السياسية القطرية التي يتحركون داخلها مكتفين بإسقاط مقولات السياسة الشرعية ونموذج الخلافة على نحو ما تحدث عنها الفقهاء والأصوليون القدامى على دولة التجزئة الحديثة.

أما أولئك الذين يطالبون بدولة الخلافة الجامعة كما هو حال حزب التحرير فهم في الغالب يتغلقون بصفاء المثال والنموذج بمنأى عن الواقع السياسي العيني ومشكلاته الراهنة.

لا ننسى هنا أن أهم الشعارات التي حركت شباب الجبهة الإسلامية في الجزائر مثلا وألهبت حماستهم الجياشة هو شعار الدولة الإسلامية، مراهنين في ذلك على "أسلمة" دولة الاستقلال التي ورثتها جبهة التحرير الوطني عن الاستعمار الفرنسي، بعد أن رأوا فيها خروجا عن أسس الثورة و"خيانة" لتضحيات مجاهديها.

وحينما يتحدث الإسلاميون السودانيون عن دولة الإسلام فهم لا يقصدون بذلك شيئا سوى حدود الدولة المهدية على نحو ما ورثتها عن نظام الانتداب البريطاني، ولا نتحدث هنا عن الإسلاميين الإيرانيين الذين ورثوا دولة ذات تقاليد قومية ثقيلة الوطأة عملوا على صبها في قالب من الأممية الشيعية، وفعلا لو قدر لإسلاميي الجزائر والمغرب مثلا أن يتسلموا مقاليد الحكم في بلديهما لما كان ثمة ما يضمن غياب الاحتكاك والمنازعات حول مسألة السيادة على الصحراء الغربية وقس على ذلك في أقطار عربية كثيرة.

"
تأسست الدولة الحديثة على ادعاءات شمولية واسعة النطاق، من ذلك مقولات السيادة العلوية والمطلقة لهذه الدولة، ومبدأ الطاعة والخضوع الكاملين، إلى جانب احتكار ومركزة أدوات العنف بيدها
"
لم يكن الخطاب الإسلامي واعيا بما فيه الكفاية بالخطورة الهائلة التي تختزنها الدولة الحديثة بأجهزتها الأمنية والعسكرية الضاربة، وتنظيمها الإداري الضخم، وما تتمتع به اليوم من قدرة هائلة على الرقابة والضبط، كما أن هذا الخطاب لا يمتلك الوعي الكافي بحجم القطيعة التاريخية الحاصلة بين النموذج التاريخي للدولة السلطانية القديمة ونظام الدولة القطرية الناشئ بعد تجربة الاجتياح الاستعماري الغربي، أو بين مقولة الإمامة أو السلطنة التي تحدثت عنها أدبيات السياسة الشرعية ومرايا الملوك ودولة التجزئة المستحدثة في العالم الإسلامي الفسيح، ولعل هذا ما يجعل الخطاب الإسلامي يبدو خليطا غير منسجم من ترسبات "الآداب السلطانية" القديمة ومن تكييفات حداثية سياسية في قالب "الدولة الإسلامية".

تأسست الدولة الحديثة على ادعاءات شمولية واسعة النطاق، من ذلك مقولات السيادة العلوية والمطلقة لهذه الدولة، ومبدأ الطاعة والخضوع الكاملين، إلى جانب احتكار ومركزة أدوات العنف بيدها، والانفراد بمشروعية استخدام هذا العنف ضمن ما أسماه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر بالاستخدام المشروع للعنف.

لا يجب النظر هنا إلى الدولة الحديثة في نسختها الغربية الديمقراطية، أو من زاوية وجهها الليبرالي والرفاهي، فهذه مظاهر مستجدة بعد الحرب العالمية الثانية, ولا تعطي صورة كاشفة عن المسار التاريخي المركب، وحتى الدموي المخيف الذي لازم نشأة الدولة القومية الحديثة.

الدولة الحديثة هي أشبه ما يكون بالآلة الصماء التي لها معقوليتها الإكراهية الخاصة التي لا تعبأ كثيرا بنوعية الايديولوجيا أو المطالب الأخلاقية والدينية أو نوعية الأشخاص القائمين عليها.

ما يهم هذه الدولة بدرجة أولى هو تحقيق مبدأ النجاعة العملية وضمان الانضباط والسيطرة على أجساد وأرواح رعاياها بالإكراه الخفي والمعلن إن لزم الأمر، ولذلك تعمل هذه الدولة على تجيير الدين واستخدام ما هو "مقدس" و"مدنس"، وتوظيف كل شيء لصالح الانفراد بالسيطرة والخضوع، ودع عنك هنا التصورات المثالية التي تصور الدولة الإسلامية وكأنها المسيح المخلص من شرور العالم وخطاياه وطريقا إلى جنة الله الموعودة في هذا العالم.

اقترن الخطاب الإسلامي الحديث بقدر غير قليل من المثالية في تصور السياسي عامة وموضوعة الدولة خاصة، إذ يخيل للكثير من النشطاء الإسلاميين أن الدولة الإسلامية كفيلة بالسيطرة على مجمل الصعوبات التي يعانيها الجسم الإسلامي العليل وتجسيد التطلعات والأحلام الكبرى، ويزداد الأمر خطورة حين يتم اعتبار هذه الدولة المؤتمن على الدين والصوت العميق "للأمة"، فيتم تبعا لذلك مطابقة الدين في الدولة ومصالح المجتمع في مصالح الدولة.

ولا ننسى هنا أن هذا الاهتمام المركزي بالسياسي عامة وبالدولة خاصة يعد من ملازمات العلمنة السياسية الحداثية، التي قامت على إعلاء دور السياسي في إعادة تشكيل شروط الوجود الإنساني وإعادة هندسة البنية الاجتماعية عن طريق الفعل السياسي المبرمج، هذا الاهتمام الذي عملت الاتجاهات الشمولية على دفعه إلى حدوده القصوى.

ولكن المشكلة ما أن يتحرك الإسلاميون باتجاه هذه الدولة حتى يكتشفوا اتساع الهوة التي تفصل بين المثال والواقع، بين فكرة الدولة الإسلامية المخلصة التي يحلمون بها، وواقع الأزمات والحصار الذي يطبقه عليهم نظام دولي ثقيل الوطأة يمسك بنسيج الاقتصاد والسياسة، ويتحكم في حركة الأساطيل والجيوش، فتتحول أحلامهم الوردية إلى كوابيس مخيفة.

"
الدولة الإسلامية التي أريد لها أن تكون الأداة السحرية لأسلمة المجتمع وتجاوز حالة العطالة التاريخية التي ألمت بالوجود الإسلامي تحولت إلى عبء ثقيل على المشروع الإسلامي نفسه
"
فالدولة الإسلامية التي أريد لها أن تكون الأداة السحرية لأسلمة المجتمع وتجاوز حالة العطالة التاريخية التي ألمت بالوجود الإسلامي على امتداد القرون الثلاثة الأخيرة إذا بها تتحول إلى عبء
 ثقيل على مشروع الإسلامي نفسه.

وهكذا تغدو الهدف الأسمى والأعظم الذي يهون دونه كل شيء، أما الطليعة الإسلامية التي دخلت عالم السياسة مفعمة بطهورية روحية وأخلاقية نبيلة فإذا بعناصرها يتحولون إلى ممتهنين سياسيين يفوقون في ذرائعيتهم السياسية ذرائعية مكيافيلي، وتجربة الإسلاميين السودانيين ونزاعاتهم الساخنة والباردة تغني عن مزيد التفصيل.

إن الدولة القومية الحديثة ومهما كانت هويتها الفكرية والعقائدية ليست مجال تجسيد الفضائل الأخلاقية والسياسية بقدر ما هي موضع المصالح والقوة، علما بأن أي دولة لها ميولات طبيعية نحو التمدد والسيطرة بغض النظر عن نوعية القائمين عليها ومدى التزامهم الأخلاقي والديني.

ولعله لهذا السبب بالذات وجب النظر إلى الدولة بأنها الشر الأعظم، وإن كان شرا لا بد منه، ومن ثم العمل على الحد من غلوائها وكف يدها عن التمدد والسيطرة على المجتمع والاستيلاء على الدين، أي العمل على التخفيف من وطأة الدولة وتجريدها من ادعاءاتها الشمولية في تمثيل الدين والجماعة السياسية بدل إكسائها هالة قدسية، مع العمل على تحويل ما أمكن من صلاحياتها إلى الجماعات الأهلية المستقلة، بحيث لا يبقى منها إلا ما كان ضروريا لإدارة الاجتماع السياسي وليس أكثر

وتبقى جملة من الأسئلة الكبرى مطروحة بقوة على هذا الجيل، وربما الأجيال القادمة من المفكرين والقادة الإسلاميين وعلى رأسها: إلى أي مدى يمكن "أسلمة" وتطويع هذه الآلة الضخمة والعمياء المسماة بالدولة القومية الحديثة؟ إلى أي حد يمكن التعايش بين هذا النمط من الدولة الهائلة التي فرضت نفسها خلال القرون الخمسة الأخيرة بحروبها الدنيوية وحدودها الدموية والمطالب الأخلاقية والدينية التي ينادي بها الإسلاميون؟
ــــــــــــــــــ
كاتب تونسي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة