ملامح التسوية والمفاوضات في عهد محمود عباس   
الاثنين 29/11/1425 هـ - الموافق 10/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 0:02 (مكة المكرمة)، 21:02 (غرينتش)


ياسر الزعاترة

 

- المحطة الأولى في برنامج أبي مازن

- مسيرة التفاوض الطويلة

- مطالب أبو مازن والرد الإسرائيلي

- قضايا الوضع النهائي في ظل رسالة بوش

  

لم يكن ثمة أدنى شك في أن محمود عباس سيكون رئيسا للسلطة الفلسطينية بعد أن أوصلته التوافقات الفتحاوية الداخلية المحكومة بدورها للمعطيات العربية والدولية إلى سدة رئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ثم منحته ورقة التأهل لرئاسة السلطة كمرشح للحركة.

 

وحتى عندما ترشح مروان البرغوثي الذي كان انسحابه مؤكدا أيضا، تبعا لمعرفته ببواطن الأمور في حركته، لم يكن ثمة شك في قدرة فتح على تأمين الفوز لمرشحها، ولو بالوسائل غير التقليدية!

 

هكذا أصبح محمود عباس رئيساً لمنظمة التحرير ورئيسا للسلطة، في الوقت نفسه الذي يرجح فيه أن يضع يده خلال أشهر قليلة على حركة فتح، رغم أن الحركة ستبقى من الزاوية النظرية تحت زعامة فاروق القدومي.

 

نقول ذلك لأن حركة فتح ستتحول مع الوقت، إن لم تكن قد تحولت، إلى حزب سلطة، وحين تكون كذلك فإن المتحكم بها هو قائد السلطة نفسه، سيما أن العصب الأساسي للحركة كان ولا يزال مكونا من عشرات الآلاف من المتفرغين في أجهزة الأمن والمؤسسات التنفيذية المدنية.

 

ولا شك أن وجود القدومي خارج الأراضي المحتلة سيسهل العملية، فضلا عن الظروف الموضوعية الداعمة لمحمود عباس، الأمر الذي لا يتوفر للقدومي المؤيد لخط عرفات القائم على التفاوض مع عدم استبعاد المقاومة المسلحة، خلافا لصاحبه الرافض لأي شكل من أشكال "العسكرة" كما يحلو له أن يسميها.

 

إذن أصبح محمود عباس رئيسا لمنظمة التحرير وللسلطة، بل وزعيما عمليا لحركة فتح، وبدعم غير مسبوق من مختلف الأطراف العربية والدولية، ومن الأميركان والإسرائيليين أيضا، في حين تبقى الأسئلة التالية المتعلقة بما سيترتب على ذلك في شأن المسار السياسي ونتائجه الواقعية على الأرض.

 

والحال أننا إزاء معادلة تكاد تكون غير مسبوقة، فمحمود عباس يحظى اليوم بدعم الأطراف الفاعلة في اللعبة، أما الآخرون ممن يعارضون نهجه فيترددون في إظهار معارضتهم، بل إنهم يلجؤون إلى مغازلته رغبا ورهبا.

 

ولعل سوريا هي المثال الأبرز في هذا السياق، فحين تضطر سوريا إلى التراجع فإن القوى الفلسطينية المعارضة لن تملك هي الأخرى سوى الانحناء للعاصفة وانتظار ظروف أفضل للتحرك، دون أن يعني ذلك بالضرورة تغيير البرنامج.

 

"
المحطة الأولى بالنسبة لأبي مازن هي الحصول على ضوء أخضر من حركة فتح بكامل فعالياتها الأساسية ومن ضمنها كتائب شهداء الأقصى للمضي في لعبته السياسية
"

المحطة الأولى في برنامج أبي مازن

ليس من العسير القول إن محمود عباس يتميز عن ياسر عرفات بوضوح المواقف، الأمر الذي ينسحب على موقفه مما يسميه "العسكرة"، وهو الموقف الذي جهر به منذ أربع سنوات، وإن بشكل متردد خلال المرحلة الأولى في ظل الاندفاعة الشعبية خلف خيار المقاومة.

 

لكنه ما لبث أن جاهر بموقفه بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول في الولايات المتحدة، ثم عاد وكرره على نحو لافت بعد عملية السور الواقي الإسرائيلية واجتياح الضفة الغربية وفرض الحصار على الرئيس الفلسطيني في المقاطعة، وهو الحصار الذي لم يتوقف رغم الثمن الباهظ الذي دفعه عرفات فيما بات يعرف بصفقة المقر وكنيسة المهد.

 

من هنا يمكن القول إن المحطة الأولى بالنسبة لأبي مازن هي الحصول على ضوء أخضر من حركة فتح بكامل فعالياتها الأساسية، ومن ضمنها كتائب شهداء الأقصى للمضي في لعبته السياسية، الأمر الذي سينسحب على قوى المقاومة الرئيسية، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية حماس، وإلى جانبها الجهاد الإسلامي، وكذلك الجبهة الشعبية.

 

ولا يعرف هنا ما طبيعة الموقف الذي ستتخذه تلك القوى، لكن المؤكد هو أن تهدئة ما ستسود على الأرض، سواء أكان ذلك بموقف معلن، أو بهدنة عملية تتضمن بعض الشروط التي يشك في تطبيقها من قبل سلطات الاحتلال، وعلى رأسها الإفراج عن الأسرى.

 

مع أن شيئا من ذلك قد يحدث بالنسبة لبعض ذوي الأحكام البسيطة، وممن لا تنطبق عليهم مقولة "الدم على الأيدي".

 

ثمة شرط آخر لا بد أن يكون حاضرا بقوة، وهو المتعلق باستمرار الاجتياحات والاعتقالات والاغتيالات، وقد وعد الرجل أعضاء كتائب شهداء الأقصى في جنين بمطالبة تل أبيب باعتبارهم مناضلين في حرب أو ما شابه ذلك، وليس مطاردين برسم القتل أو الاعتقال.

 

وفي حين يشك في تطبيق الإسرائيليين للشروط المذكورة، فإن إجراءات أخرى على الأرض ستبدو بدورها نوعا من الاستجابة السياسية له، وبالطبع بدفع من الولايات المتحدة التي لا بد أن تمنح الرجل ما يمكن أن يقدمه لشعبه، لا سيما أن دعوات مشابهة ما زالت تصدر من الدوائر الإسرائيلية تؤكد عدم تكرار الغلطة السابقة مع الرجل عندما أصبح رئيسا للوزراء تحت ظل الرئيس الراحل.

 

في هذا السياق قد يعيد الجيش الإسرائيلي انتشاره خارج المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان، مع تخفيف الإجراءات على الحواجز، لا سيما حين تتأكد السلطات الإسرائيلية من توقف احتمالات تنفيذ هجمات في الأراضي المحتلة عام 1948.

 

قد تأخذ هذه المماحكات الكثير من الوقت، فما بين فوز الرئيس الفلسطيني وحصوله على الشرعية الانتخابية وانسحاب الجيش الإسرائيلي إلى المواقع التي كان يتمركز فيها عشية اندلاع الانتفاضة في أيلول من العام 2000، سيمضي وقت طويل لا يعرف مداه من دون أن يكون هناك توقف للاتصالات بين الطرفين، وبالطبع في ظل تهدئة مرجحة في عمليات المقاومة اللهم إلا في سياق الردود على الهجمات الإسرائيلية.

 

"
الدولة المؤقتة هي عنوان التسوية الجيدة في
عهد شارون وعلى محمود عباس أن يقبل بها بأي شكل من الأشكال
"

مسيرة التفاوض الطويلة

ما إن تبدأ لعبة المفاوضات حتى يبدأ الحديث عن الانسحاب الإسرائيلي من مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، لكن التركيز الأولي سيكون بالضرورة على مشروع الانسحاب من قطاع غزة الذي سيحتل الأولوية بالنسبة لشارون، وهو بالطبع الوحيد القادر على فرض أجندة المفاوضات.

 

قد تستغرق هذه العملية عاما أو بعض عام، لأن ترتيبات أمنية وسياسية كثيرة ستتخللها، وسيكون للمصريين دورهم فيها، ولا شك أن إشكالات كثيرة قد تطرأ بشأن ملفات مختلفة تتعلق بتفاصيل الانسحاب، من بينها أراضي المستوطنات وكيفية التعامل معها وتوزيعها على الفلسطينيين.

 

وقد يتخلل ذلك كله سجالات حامية مع قوى المقاومة حيال هذا الملف، لكن السلطة التي ستكون قد رممت أجهزة أمنها بشكل معقول بالتعاون مع محمد دحلان، ستظل الأقوى، لاسيما في ظل موقف حماس الحريص على عدم الانجرار نحو أي صدام مع السلطة.

 

في هذا الوقت سيبدأ الإسرائيليون بطرح الكثير من الاشتراطات بشأن قوى المقاومة، لاسيما عندما يتحدث محمود عباس عن خريطة الطريق، والسبب هو أن البنود الأولى في الخريطة إنما تتحدث عن تفكيك البنية التحتية للإرهاب، ومن ثم وقف التحريض أكثر من حديثها عن استحقاقات على الإسرائيليين أن يدفعوها.

 

ستكون ثمة إشكالات كثيرة تواجه لعبة الانسحاب من القطاع، وهي اللعبة التي ستتجاوز مسألة الانسحاب من المعبر الحدودي في رفح على الحدود المصرية، كما ستتجاوز مسألة السيادة على القطاع، سواء كان من البر أم من البحر أم من الجو.

 

"
محمود عباس لا يملك الكثير من جلد ياسر عرفات وقد يسأم اللعبة سريعا إذا تمكن من دفع الاستحقاقات المطلوبة دون أن يحصل على شيء
"
مطالب أبو مازن والرد الإسرائيلي

من المؤكد أن عيون الشعب الفلسطيني المصوبة على الرئيس الفلسطيني الجديد ستدفعه إلى عدم التهاون في مسائل التفاوض الأخرى، ومن هنا فمن المتوقع أن يشرع سريعا في الحديث عن الاستحقاقات الخاصة بالضفة، ومعها قضايا الحل النهائي، لكنه سيفاجأ بتعنت إسرائيلي واضح، لاسيما عندما يكرر مقولات حركة فتح التقليدية حول الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على الأرضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس الشرقية مع عودة اللاجئين، وبالطبع مع تفكيك المستوطنات.

 

هنا سيجد أبو مازن أن دولة فلسطينية ستكون معروضة عليه، يوافق عليها شارون ويدعمها جورج بوش شخصيا فيما لا يملك الوضع الدولي رفضها بدعوى أنها ستكون مجرد محطة باتجاه الحل النهائي.

 

"الدولة المؤقتة" هي عنوان التسوية الجيدة في عهد شارون، وعلى محمود عباس أن يقبل بها بأي شكل من الأشكال، والدولة المؤقتة هي نفسها التي تحدث عنها شارون مرارا في سياق شرح برنامجه السياسي المسمى الحل الانتقالي بعيد المدى وتفاصيله دولة فلسطينية من دون سيادة على قطاع غزة وحوالي نصف الضفة الغربية، أي بتثبيت حقائق الجدار الإسرائيلي على الأرض.

 

إنها إذن الدولة المؤقتة التي سماها الرئيس الأميركي جورج بوش، "الدولة الديمقراطية الفلسطينية" التي يجب أن تقوم كمقدمة للتسوية، وبالطبع في تأييد صريح لبرنامج شارون الذي كان مدير ديوانه دوف فايسغلاس قد فضحه قبل شهور.

 

ما يراه شارون هو أن هذه الدولة ستبقى قائمة لسنوات قد تكون بين 10 و15 عاما، وفي أحسن تقدير بين 5 و10 سنوات، تثبت خلالها أهليتها لمجاورة أهم ديمقراطية في الشرق الأوسط، في زمن  يتم خلاله تشجيع عملية تطبيع ساخنة بين الدول العربية والدولة العبرية، وبعد ذلك يمكن فتح ملفات الوضع النهائي.

 

قضايا الوضع النهائي في ظل رسالة بوش

هنا سيكون على محمود عباس أن يوافق على الدولة المؤقتة، في الوقت نفسه الذي يدرك فيه بكل وضوح أن برنامج شارون هو تحويل الحل الانتقالي إلى حل نهائي، لأن موقفه من قضايا الحل النهائي قد بات محسوما، ليس بإرادته هو وحسب وإنما برسالة الضمانات التي حصل عليها من جورج بوش وصادق عليها الكونغرس بغالبية ساحقة.

 

خلاصة تلك الرسالة هي وضع سقف لمفاوضات الوضع النهائي يقوم على رفض قاطع لحق العودة للاجئين ورفض قاطع للعودة إلى حدود 1967، أي بقاء الكتل الاستيطانية الرئيسة داخل الضفة الغربية، ومن ثم بقاء القدس موحدة تحت السيادة الإسرائيلية، حتى لو وافق شارون على بعض الترتيبات الخاصة بالمسجد الأقصى.

 

وقد أكد شارون على هذا البرنامج بكل وضوح أثناء مؤتمر هرتسيليا للسياسات الإستراتيجية الذي عقد نهاية العام الماضي، مذكرا بالطبع برسالة الضمانات التي أشرنا إليها.

 

هنا ينهض سؤال عن موقف محمود عباس من هذا العرض الإسرائيلي، وما إذا كان بوسعه الموافقة عليه، وهو سؤال تصعب الإجابة القاطعة عليه، إذ إن الموقف سيعتمد بدوره على جملة التطورات العربية والإقليمية والدولية، لكن ذلك لن يحول بين الرجل والتعبير عن رفضه للمشروع الإسرائيلي، لاسيما أنه من الصعب القبول بأي حل ينتقص من الثوابت المعروفة، اللهم إلا إمكانية التنازل عن مسألة عودة اللاجئين إلى الأراضي المحتلة عام 1948، وهو المبدأ الذي كان عرفات موافقا عليه حسب تصريحات كثيرة آخرها حوار منشور مع صحيفة إسرائيلية قبل وفاته بثلاثة أشهر.

 

"
المعادلة ستتغير بالضرورة وقد يتكرر سيناريو انتفاضة الأقصى بعد أن يقتنع الجميع بأن ما تحمله المفاوضات للفلسطينيين لا يمكن أن يصل حدود ما عرض عليهم في قمة كامب ديفد عام 2000
"
في هذا السياق قد يبدو من المفيد الإشارة إلى أن محمود عباس لا يملك الكثير من جلد ياسر عرفات، فهو قد يسأم اللعبة سريعا في حال إذا تمكن من دفع الاستحقاقات المطلوبة دون أن يحصل على شيء،
الأمر الذي قد يدفعه إلى أحد موقفين، إما أن يمارس الحرد، وفق المصطلح الفلسطيني الشائع، أي يعتكف في منزله رافضا العرض الإسرائيلي، وإما أن يواصل المماحكة في الوقت نفسه الذي يسكت فيه على بعض أعمال المقاومة، وهو المسار نفسه الذي كان عليه ياسر عرفات.

 

في ضوء ذلك كله يمكن القول إن الموقف برمته سيعتمد بالضرورة على ميزان القوى الذي أنتج المسار الجديد، ويتمثل في حالة التراجع العربي والدولي غير المسبوقة أمام الولايات المتحدة في العهد الثاني للمحافظين الجدد، أما في حال حدوث تغير إيجابي لصالح الوضع الفلسطيني والعربي والدولي بسبب تعمق الورطة الأميركية في العراق، فإن المعادلة ستتغير بالضرورة، وقد يتكرر سيناريو انتفاضة الأقصى من جديد بعد أن يقتنع الجميع بأن ما تحمله المفاوضات للفلسطينيين لا يمكن أن يصل حدود ما عرض عليهم في قمة كامب ديفد عام 2000.
 ________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة