هل الدولة السورية قابلة للتقسيم؟   
الأربعاء 24/6/1435 هـ - الموافق 23/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 16:40 (مكة المكرمة)، 13:40 (غرينتش)
غياث بلال


ولادة سوريا
حدود وشعوب
صراع الهويات
مستقبل سوريا

قبل ثلاث سنوات لم يكن يخطر في بال أكثر المتابعين للشأن السوري تشاؤما, أن الحديث عن تقسيم سوريا إلى دويلات وممالك على أسس طائفية وعرقية قد يصبح أحد السيناريوهات المتداولة للنقاش والتحليل في الحديث عن مستقبل سوريا.

لكن حالة الاستعصاء السياسي في ظل انخفاض فرص الحسم العسكري حاليا, أدخلت الدولة السورية في حالة تقسيم فعلي، أدت إلى ظهور عدة مناطق تخضع لسيطرة جهات مختلفة تتنافس أو تتصارع في ما بينها. ولكن، هل يمكن لهذه الوقائع الحالية أن تتطور حتى يأتي اليوم الذي نشاهد فيه سوريا مقسمة؟

للإجابة عن هذا السؤال، لا بد من العودة إلى الوراء قليلا كي نقف على الظروف التي رافقت ولادة الدولة السورية, ونحاول بعد ذلك فهم العلاقة التي تربط مكونات هذه الدولة بالسلطة المركزية فيها, وتحليل رؤيتها وفهمها لمعنى الوطن الواحد.

ولادة سوريا
بعد أن تقاسمت الدول الأوروبية العظمى تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) في مطلع القرن الماضي, كانت سوريا الحالية من نصيب الإمبراطورية الفرنسية في حينها.

حالة الاستعصاء السياسي في ظل انخفاض فرص الحسم العسكري حاليا, أدخلت سوريا في حالة تقسيم فعلي أدت إلى ظهور عدة مناطق تخضع لسيطرة جهات مختلفة تتنافس أو تتصارع في ما بينها

فكان أول أعمالها عام ١٩٢٠ بعد إسقاط "المملكة السورية" مباشرة، وهروب الملك فيصل، هو استنساخ نموذج الدولة القومية الأوروبية الحديثة في صيغة أربع دول تقوم على أساس أن سيادة واستقلال الدولة تنبع من مفهوم تجانس شعب قومي قائم على التجانس الديني أو الإثني ضمن حدودها. هذه الدول هي دولة دمشق ودولة حلب ودولة الدروز ودولة العلويين في الساحل.

ضمت هذه الدول تجمعات سكانية ادعت فرنسا أنها متجانسة قوميا حسب التعريف أعلاه، لكنها في الواقع لم تكن كذلك، فدولة العلويين -مثلا- كانت تضم أقليات سنية ومسيحية، ودولة دمشق كانت تضم أقليات مسيحية ويهودية، والأمر نفسه بالنسبة لبقية الدول.

في عام ١٩٢٢ قامت فرنسا بالإعلان عن الاتحاد السوري المؤلف من دولتي دمشق وحلب تحت اسم سوريا، وفي عام ١٩٢٤ ضمت إليه دولة العلويين, بينما ظلت دولة الدروز مستقلة خارج هذا الإطار حتى عام ١٩٣٦.

في ذلك العام قرر الفرنسيون دمج الدول الأربع في دولة واحدة تحت ضغط المشاعر الوطنية التي عمت المدن الكبرى ذات الأغلبية السنية, مع الحفاظ على سلطات موسعة لكل إقليم، حيث يتمتع "إقليم الدروز" و"إقليم العلويين" باستقلال إداري ومالي عن الدولة المركزية، الأمر الذي استمر حتى الاستقلال عام ١٩٤٦،  حيث تم دمج هذه الأقاليم في الحدود الحالية المعروفة بحدود سايكس بيكو.

قبل هذا التاريخ لم تكن هناك دولة موحدة مستقلة على هذه الرقعة من الأرض, حيث كانت عبر آلاف السنين دائما جزءا من الدول العظمى القائمة في عصرها, تعيش على أرضها مجموعات عرقية ودينية مختلفة تتمتع بحرية عالية في تدبير شؤونها وطريقة معيشتها مقابل الولاء للخليفة أو الملك أو الإمبراطور أيا كان. فلم تعرف هذه البقعة من الأرض الدولة القومية المركزية قبل تاريخ الاستقلال في ١٩٤٦.

حدود وشعوب
الحدود الحالية للدولة السورية التي تم التأسيس لها في الحقبة الاستعمارية لم تكن تستند إلى أي من الحقائق الجغرافية أو الاجتماعية أو التاريخية في المنطقة.

فالنظرة البسيطة لخريطة العالم ستوضح أن الحدود الدولية في الدول العربية هي خطوط مستقيمة، تم رسمها -غالبا- بالمسطرة كنتيجة لاتفاقيات تقاسم النفوذ في مرحلة ما, بينما هي في الدول الغربية خطوط متعرجة معقدة ومتداخلة ترسمها الجبال والأنهار، وتحددها الجغرافيا الطبيعية والتوزع السكاني للمجتمعات, حيث إنها في أوروبا كانت نتيجة التطور الطبيعي للمجتمعات، وتشكل الدول القومية من خلال الحروب والهجرات والاتفاقيات.

ولذلك السبب، فإن الحدود الحالية للدولة السورية ضمت عدة جماعات بشرية غير متجانسة دينيا أو عرقيا، ويتمتع كل منها بنموذج ثقافي وتاريخي يميزه عن محيطه, حيث يمكن التمييز بين الأكراد والعرب والتركمان من ناحية التقسيم العرقي, وكذلك التمييز بين السنة والعلويين والدروز، وكذلك المسيحيون من ناحية التصنيف الديني.

الانتماء الديني والطائفي والمناطقي كان له دور كبير في تشكيل الوعي الجمعي لمكونات هذه المجموعات وفي صياغة علاقاتها مع الدولة الناشئة منذ البدايات الأولى عام ١٩٢٠, حيث كان التقسيم الطائفي هو أساس الدويلات التي أنشأتها فرنسا.

كانت هذه الدولة المولودة حديثا وحتى نهاية عهد أديب الشيشكلي عام ١٩٥٤ محكومة من النخب الدينية التي تشكلت خلال الحقبة العثمانية في المدن الكبرى، والتي كانت في أغلبيتها من ملاكي الأراضي وموظفي الدولة العثمانية وليس من الصناعيين البرجوازيين كما يزعم البعض، وبالتالي فإن خبرتها الإدارية كانت محدودة بالمناصب التي شغلها بعض أفرادها أثناء الحكم العثماني.

وإن كان المكون العربي السني في طليعة هذه النخبة، فإنه لم تغب عنها شخصيات متعددة من باقي المكونات ذات الانتماء الطبقي والتعليمي المتشابه.

ابتداء من عام ١٩٥٤ ظهر جيل جديد من السياسيين السوريين ينتمي إلى طبقات وسطى، تلقت تعليمها في المدارس العمومية التي أنشاها الانتداب الفرنسي، وبدأ الصراع على الحكم واضحا بين الجيلين القديم والجديد من خلال التنافس بين الأحزاب التي نشأت منذ أوائل الأربعينيات.

جميع الحكومات المتعاقبة لم تتمكن من صهر المجتمعات السورية المتمايزة في بوتقة وطنية، ولم تستطع تحقيق انتصارات وطنية ضخمة لبناء الشعور الوطني

فمثل حزب الشعب والحزب الوطني الجيل القديم، ومثل حزب البعث والحزب القومي السوري والحزب الشيوعي وجماعة الإخوان المسلمين الجيل الجديد. هذا الجيل الجديد اشتمل على تمثيل أكبر للأقليات الدينية والطائفية والإثنية في سوريا، واشتمل أيضا على أفراد من المؤسسة العسكرية الناشئة التي تضخمت بسرعة مع السماح للسوريين بالدخول إلى الكلية الحربية في حمص أوائل الأربعينيات.

إلا أن جميع الحكومات المتعاقبة منذ الاستقلال حتى اليوم لم تتمكن من صهر المجتمعات السورية المتمايزة في بوتقة وطنية واحدة من خلال برامج التنمية وبناء الوعي الوطني, كما أنها لم تستطع تحقيق انتصارات وطنية ضخمة قادرة على بناء الشعور الوطني بمعنى بناء ضمير "نحن الوطني" في مواجهة ضمير "الأنا" في المجتمعات المحلية المختلفة.

وكذلك فإنه لا يمكن الحديث عن تبلور عقد اجتماعي بين المكونات المختلفة للمجتمع السوري, وهو إن وجد فلم يكن مدعوما بمؤسسات قادرة على تفعيل الحقوق والواجبات التي ينص عليها عقد كهذا.

صراع الهويات
أضف إلى أن القومية العربية التي اعتمدها حزب البعث كرسالة أيديولوجية وبرنامج للسياسات الداخلية والخارجية لا تحمل مشروعا عمليا واقعيا ولا أبعادا قيمية متماسكة بالقدر الكافي لجمع العنصر العربي حولها.

هذا فضلا عن القوميات الأخرى غير العربية، والتي وضعتها هذه السياسات على هامش الوطن، وجردتها في بعض الحالات من أبسط حقوقها الإنسانية فضلا عن حقوق المواطنة. فما كان ينظر إليه كعنوان جامع وراية توحيد وحشد, تحول إلى عامل صراع وتناحر، انتهى بتفتيت الأسس التي يفترض أن تقوم عليها بنى ومؤسسات الدولة السورية.

بل على العكس من ذلك، سعت الدولة منذ تسلم البعث السلطة عام 1963 إلى وضع نفسها في مواجهة المجتمع سواء في صيغة المجتمعات المحلية التقليدية المتماسكة أو في صيغة مؤسسات المجتمع المدني, من خلال تفتيت البنى التي قامت عليها والسعي للانتقاص من ثقافتها, وكذلك من خلال تغيير التوازنات الديموغرافية في مناطقها.

بل إن السلطة سعت إلى خلق الخصومات بين هذه المجتمعات وتغذيتها, كي يتسنى لها إحكام قبضتها وممارسة تسلطها من خلال اللعب على تناقضات واختلافات هذه المجتمعات وخلافاتها الطبيعية، مما أدى بالضرورة إلى تعميق الشرخ وتكريس الانفصال الوجداني بين الدولة المركزية وبين هذه المجتمعات المحلية, الأمر الذي أسهم في تبلور هوياتها الخاصة بها, وتطور مطالبها وطموحاتها بالشكل الذي يتناقض مع مفهوم المواطنة والوطن المشترك.

مستقبل سوريا
رغم مرور حوالي قرن على انفصال سوريا عن جسم الدولة العثمانية, فإن الدولة السورية لم تتمكن من تطوير مقاربات لنماذج حكم قادرة على استيعاب التنوع والتعددية الموجودة ضمن نطاق جغرافيتها، كما أنها أخفقت أيضا في خلق هوية سورية جامعة تشكل حضنا دافئا للمجتمعات المحلية المختلفة.

لا يمكن إرجاع هذا الفشل إلى النخب السياسية التي حكمت سوريا فحسب, بل يتوجب أيضا دراسة تجربة استنساخ النموذج الأوروبي للدولة القومية الحديثة ومدى ملاءمته لبلادنا بحدودها الحالية التي لا تضم قومية واحدة وإنما شعوبا متعددة, وجدت نفسها مقسمة بين دولتين أو أكثر، مما اضطرها للخضوع لقوانين هذه الدول والخضوع لسياساتها التي كانت في أغلب الأحيان متضاربة أو حتى متصارعة.

أضف إلى ذلك أن نموذج الدولة القومية المركزية الحديثة هو نموذج أوروبي تطور في سياق تاريخي وفكري يختلف عن ذلك الموجود في البيئات العربية التي نسعى لتطبيقه فيها, حيث يحمل مضمونا حضاريا وتاريخيا وثقافيا مختلفا.

هذا الأمر أنتج تناقضات اجتماعية عميقة خلقت حالات استقطاب شديدة داخل هذه المجتمعات، وأعاقت نموها وتطورها الطبيعي، وأسهمت بشكل كبير في خلق الدكتاتوريات.

استمرار سوريا اليوم بحدودها المعروفة مرهون بقدرة النظام السياسي القادم والنخبة السياسية على تقديم حلول عملية تؤدي إلى تحقيق الشعور العام بالعدالة لدى كافة المكونات السورية

لا بد لأي نظام سياسي قادم في سوريا أن يراعي التعددية الثقافية والتنوع الديني والعرقي فيها, ويأخذ مصالح ومخاوف كافة المكونات السورية بجدية في الحسبان. وليس ذلك من خلال نظام المحاصصة الطائفية والعرقية في توزيع المناصب كما يحصل الآن في التجمعات المعارضة، وكما حصل في اتفاق الطائف في لبنان, وإنما من خلال اعتماد نظام مؤسساتي يوفر هوامش واسعة للإدارة الذاتية والاستقلال النسبي للمجتمعات المحلية كنظام اللامركزية الإدارية، حيث يسمح هذا النظام للمجتمعات المحلية بإدارة عملية التنمية والتطوير لمناطقها بنفسها.

كما أن اللامركزية الإدارية هي أحد العوامل المهمة التي تعمل على تفكيك الدكتاتورية, أو تساعد في المنع من تشكلها عبر توسيع قاعدة ممارسة السلطة.

التحدي القائم هنا هو إيجاد منظومة حكم محلي تستند إلى ثقافة المجتمع وتنسجم مع تقاليده, في الوقت الذي تسهم في توزيع السلطات بما يحول دون احتكار الدولة المركزية كامل السلطات, ودون أن يؤدي ذلك إلى تفكك الدولة السورية وتحولها إلى "كانتونات" متناحرة ومتنافسة.

على صعيد آخر، فسيتوجب على الحكومة السورية القادمة العمل مع نظرائها في دول الجوار على تحرير اتفاقيات وتفاهمات تقضي بتسهيل عبور الأفراد والأموال والبضائع, بما يخفف من آثار الحدود الرسمية المعتمدة، ويسمح للتجمعات الدينية والعرقية الموزعة بين الدول أن تتمتع بالتواصل الاجتماعي والاقتصادي الطبيعي دون معوقات حقيقية, بما يساعد على تطوير وتنمية المناطق الحدودية بشكل سليم.

إن استمرار سوريا كوحدة سياسية بحدودها المعروفة اليوم مرهون بقدرة النظام السياسي القادم والنخبة السياسية على تقديم حلول عملية تؤدي إلى تحقيق الشعور العام بالعدالة لدى كافة مكونات الدولة السورية من خلال معالجة مشكلاتها المستعصية والتي تحولت إلى أزمات خطيرة بفعل التراكم والتجاهل.

ومرهون كذلك بقدرته على رفع الظلم الواقع على هذه المجتمعات بما يدفعها للخروج من دائرة الشعور بالغبن إلى دائرة التشاركية الإيجابية في بناء الوطن وصناعة المستقبل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة