السيستاني ومواقفه السياسية.. هل سيطالب برحيل الاحتلال؟   
الثلاثاء 7/1/1426 هـ - الموافق 15/2/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:35 (مكة المكرمة)، 7:35 (غرينتش)


ياسر الزعاترة

 

- دوره في تحجيم الظاهرة الصدرية

- تناقض التصريحات المنقولة عنه

- سؤال الموقف من وجود الاحتلال

 

طوال ما يقرب من عامين هما عمر الاحتلال الأميركي للعراق كان السيد علي السيستاني -المرجع الأعلى لشيعة العراق- هو الرجل الأكثر حضوراً إلى جانب الاحتلال ومقاومته الباسلة. وقد كان الأمر مثيراً إلى حد كبير، فنحن هنا إزاء رجل لم يشتغل طوال حياته بالشأن السياسي، وهو الأمر الذي منحه صك الأمان من قبل صدام حسين، رغم أصوله بل وجنسيته الإيرانية.

 

خلال الأشهر الأولى من عمر الاحتلال ظل السيستاني في مكان إقامته بمدينة النجف من دون أن يتدخل على نحو واضح فيما يجري، اللهم إلا من بعض تصريحات أو فتاوى نقلت عنه بشأن التعامل مع قوات الاحتلال، وهي التصريحات التي كان يجري نفيها أو تعديلها بعد ذلك، وبالطبع من خلال وكلاء أو متحدثين باسمه في هذا الموقع أو ذاك.

 

لكن ما يذكر للرجل هو دعوته إلى عدم معاقبة البعثيين على نحو فردي، الأمر الذي جنب البلاد شكلاً من أشكال الفوضى أو الحرب الأهلية، مع أن كثيرين لم يلتزموا بفتواه بدليل مئات عمليات الاغتيال التي نفذت بيد قوى مجهولة، وإن أشار البعض إلى قوات بدر الذراع العسكرية للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية.

 

استمر هذا الحال حتى نهاية العام 2003، حيث كان الوجه الأبرز في الساحة الشيعية هو السيد مقتدى الصدر الذي كان واسع الحضور بتحركاته الشعبية الاحتجاجية. وفي ذلك الحين كان السيستاني يعرف بالحوزة الصامتة في مقابل الحوزة الناطقة التي يمثلها الصدر.

 

"
أدرك التيار الصدري أن ما جرى كان لعبة سياسية يراد منها تلميع السيستاني ومنحه قيادة الحالة الشيعية، في حين يتحكم قادة المجلس الأعلى والدعوة والجلبي من وراء عباءة الرجل
"
دوره في تحجيم الظاهرة الصدرية

من الواضح أن صعود التيار الصدري دفع رموز الحالة الشيعية القادمة من الخارج إلى التوافق على ضرورة لجم الظاهرة الصدرية، لاسيما حين عمدت هذه الأخيرة إلى لغة الصدام مع قوات الاحتلال خلافاً لمنهجهم في المراهنة عليه طمعاً في التأكيد على أغلبيتهم وبالتالي حقهم في حكم العراق.

 

للقضية بعدها الحزبي ولا شك، فالقوى الشيعية الكبيرة القادمة من الخارج ما كان لها أن تقبل بزعامة شاب لم يصل الثلاثين، وهي التي تعتبر نفسها رائد التصدي للحكم الدكتاتوري، ويأتي على رأس تلك القوى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بقيادة محمد باقر الحكيم الذي اغتيل وخلفه عبد العزيز الحكيم، ثم حزب الدعوة بقيادة إبراهيم الجعفري، فضلاً عن آخرين لبسوا عباءة البيت الشيعي كما هو حال حزب المؤتمر الوطني بقيادة أحمد الجلبي.

 

بعد شهور من تسيّد التيار الصدري للساحة وفي نهاية العام 2003 كانت المجموعة الشيعية القادمة من الخارج تقحم السيستاني بذكاء في اللعبة السياسية، وذلك من خلال طرح مبدأ الانتخابات، فضلاً عن الاحتجاج على بعض فقرات الدستور الانتقالي، وتحديداً تلك الفقرة التي تنص على حق ثلاث محافظات في رفض الدستور إذا صوّتت بنسبة الثلثين، وإن لم ينجح مسعى تغييرها.

 

لكن دعوة الانتخابات التي طرحت باسم الرجل وجدت صدى واسعاً في الأوساط الشيعية وجعلته سيد الموقف، إذ خرجت له عشرات المظاهرات المؤيدة للدعوة.

 

أدرك التيار الصدري أن ما جرى كان لعبة سياسية يراد من خلالها تلميع السيستاني ومنحه قيادة الحالة الشيعية، في حين يتحكم قادة المجلس الأعلى والدعوة والجلبي بها من وراء عباءة الرجل السبعيني الذي يدرك العارفون أنه لا يعرف الكثير في شؤون السياسة وألاعيبها.

 

لعل ذلك هو ما دفع أحد المتحدثين باسم التيار الصدري وهو عباس الربيعي إلى القول في تلك الآونة في تصريح لصحيفة الحياة اللندنية، إن عملية تلميع مقصودة بترتيب إيراني تجري للسيد السيستاني، وهي العملية التي نجحت بامتياز وجعلت الرجل رمزاً لا منافس له في الحالة الشيعية.

 

هكذا أصبح السيستاني سيد الموقف تتلقف وكالات الأنباء تصريحاته، لكن المصيبة هي أن الرجل لا يتحدث للصحفيين ولا يلتقي بالناس، في حين يصرح آخرون باسمه، وهؤلاء كثيراً ما يدلون بآرائهم الشخصية وليس برأيه، أو يستخدمون اسمه في تمرير بعض السياسات كما ذهب إلى ذلك الشيخ جواد الخالصي وهو أحد رموز الشيعة المعروفين.

 

تناقض التصريحات المنقولة عنه

منذ مطلع العام 2004 أخذت جدلية "صرّح السيستاني، لا لم يصرح.. قال، لا لم يقل.. حرفت أقواله، لا لم تحرف".. أخذت تتفاقم، لكن الرجل  الصامت في النجف كان في ذات الوقت كثير الكلام على ألسنة الآخرين، وإن بدا أن دعوته للانتخابات بقيت عدته الأساسية التي منحته القوة.

 

في هذه الأثناء كان التيار الصدري يدخل مواجهاته الأولى مع الأميركان عبر ما يعرف بجيش المهدي، وتحديداً في أبريل/نيسان، الأمر الذي وجدت فيه الكتلة الشيعية القادمة من الخارج خطراً على قوتها وحضورها، ومن ثم على برنامجها القائم على الانتخابات والتعاون مع الاحتلال للحصول على الأغلبية.

 

كان الصدر يتسيّد الساحة، لاسيما بحله لعقدة احتكار العرب السنة للمقاومة وسكوت معظم الشيعة على الاحتلال، لكن خصومه لم ييئسوا، فقد تركوه لمصيره في المواجهة ثم أخذوا يعزلونه سياسياً من خلال تشكيك رموز المجلس الأعلى وبعض المتحدثين باسم السيستاني بسلوكه ومنهجه في التعامل مع الموقف.

 

"
حل أزمة النجف أكد زعامة السيستاني ومن ورائها ما عرف بالبيت الشيعي الذي تكون عملياً من ثلاثي المجلس الأعلى وحزب الدعوة والجلبي مع بعض الشخصيات والقوى الأخرى التي شكلت قائمة الائتلاف العراقي الموحد
"
انتهت الجولة الأولى من المواجهات بين التيار الصدري والأميركان من خلال وساطة شيعية، وقد تزامن ذلك مع معركة الفلوجة الأولى التي انتهت بانتصار معنوي للمقاومة، لكن الموقف بين الصدريين والأميركان عاد إلى التوتر من جديد بعد ذلك بثلاثة أشهر.

 

وفي هذه المرة بدا أن المحتلين عازمون على إنهاء ظاهرة المقاومة الصدرية، وهنا خرج السيستاني للعلاج في لندن، الأمر الذي قرأه كثيرون بوصفه ضوءًا أخضر لإنهاء المواجهات بالقوة وإخراج الصدريين من النجف.

 

وحين اشتدت الأزمة واعتكف الصدر في مراقد الأئمة، وتوالت المطالب الشيعية الداخلية والخارجية بحل الأزمة، عاد السيستاني وحلها بالفعل على نحو أثبت زعامته وساهم في تحجيم التيار الصدري.

 

بحل أزمة النجف تأكدت الزعامة السيستانية، ومن ورائها ما عرف بالبيت الشيعي الذي تكون عملياً من ثلاثي المجلس الأعلى وحزب الدعوة والجلبي مع بعض الشخصيات والقوى الأخرى، وهي المجموعة التي تشكلت منها قائمة الائتلاف العراقي الموحد الذي حصد الأغلبية في الانتخابات.

 

طوال هذه الفترة وحتى الآن، لم تتوقف اللعبة التي أشرنا إليها سابقاً والتي تتمثل في نقل تصريحات على لسان (السيد) يجري نفيها أو تعديلها بعد ذلك. وقد خاض رموز تلك المجموعة معركة الانتخابات باسمه طوال الوقت، سواء كان ذلك في سياق الحيلولة دون تأجيلها كما طالبت قوى عديدة من بينها مجموعة رئيس الوزراء المؤقت إياد علاوي، وقبلها المجموعات العربية السنية وحتى الكردية، أو من أجل تثبيت وقوفه خلف قائمة الائتلاف ومنحها فرصة النجاح الكبير، إلى جانب التأكيد على مسألة المشاركة والخوف على المقاطعين من جهنم، وهو أحد التصريحات التي جرى نفيها وتأكيدها بأشكال متعددة، ومثله قضية الدستور والإسلام.

 

لقد بات السيد السيستاني مثل "صاحب الزمان" الغائب، أي الإمام أبو الحسن العسكري، الإمام الثاني عشر، بحسب عقيدة الشيعة الاثني عشرية، فهو رجل ينقل عنه لكنه لا يتحدث، وإذا نقل ما يفيد كان به، وإلا فإن بالإمكان النفي بعد ذلك، رغم ورود التصريحات على لسان أحد وكلائه، وهكذا يبقى الرجل مسيطراً على كل شيء من دون حضور مباشر.

 

والحال أن من يديرون اللعبة هم الذين يتحدثون باسم الرجل بعد أن يقرروا السياسات التي يريدون، وهو الأمر الذي يشكك البعض في إمكانية استمراره على النحو القائم خلال المرحلة المقبلة في ظل اندلاع الخلافات المتوقعة بين فرقاء الائتلاف المشار إليه، وبالطبع على الغنائم السياسية وتوزيع الكعكة.

 

سؤال الموقف من وجود الاحتلال

خلال الأيام المقبلة وبصرف النظر عن شكل الحكومة ورئيسها سيواجه السيد السيستاني بسؤال مهم وجوهري يتعلق بالحكومة الجديدة وموقفها من الاحتلال، وبتعبير أدق، موقفه هو من مسألة سحب قوات الاحتلال أو جدولتها، وعندها لن يكون هناك مجال للتلاعب بالألفاظ أو التصريحات، فإما أن يكون السيد مع بقاء قوات الاحتلال أو أن يكون مع رحيلها.

 

أما إمساك العصا من الوسط فلن يكون مقبولاً حتى لو وجد له بعض رموز الائتلاف بعد تشكيل الحكومة تبريره المناسب، وبالطبع من خلال الحديث عن عدم قدرة الحكومة على مواجهة الإرهابيين، مع أن موقف هيئة علماء المسلمين قد سحب البساط من تحت أرجل هذا الطرح عبر القول إن الهيئة يمكنها دعوة رجال المقاومة إلى التوقف في حال جدولة انسحاب القوات الأميركية والتوافق على مسألة الدستور.

 

وتبقى بعض المجموعات التي سترفض الانصياع للدعوة وهذه ستجد نفسها معزولة ومحاصرة، وما من مقاومة يمكنها الاستمرار في ظل حالة من العزلة الشعبية.

 

من الواضح أن هذا الموقف من هيئة علماء المسلمين سيضع الكثير من القوم في حالة من الحرج السياسي إذا كان هناك من لا يزالون يحرجون في ضوء ما جرى إلى الآن، وهو موقف يكتسب قوته من ثلاثة أبعاد: يتمثل الأول في تعبيره عن مواقف طائفة تشكل مكوناً أساسياً من مكونات العراق، وهي طائفة العرب السنة الذين تأكد حضورهم بمقاطعة الانتخابات التي جاءت أرقامها لتعكس قوتهم ونسبتهم التي تفوق الرقم المتداول (20%) خلافاً لما كان البعض يعتقدون.

 

"
السيستاني والقوى الشيعية اليوم أمام اختبار حقيقي، فإما أن تنحاز لشعبها وأمتها وتطالب بخروج القوات الأميركية، أو تفضح تبعيتها لقوات الاحتلال، وفي هذه الحالة فإنها لن تستمتع بحكم بلد محتل بنظام العمالة أو الوكالة
"
أما البعد الثاني فيتمثل في شوق العراقيين إلى نيل الاستقلال الحقيقي، ومعهم شوق جماهير الأمة العربية إلى إفشال مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي بدأ بالعراق ويراد له أن يشمل المنطقة بأسرها، بما في ذلك إيران.

 

ويبقى البعد الثالث ممثلاً في عدم اعتراضه على حصول الشيعة على الأغلبية في عراق موحد وغير خاضع لإرادة أحد من خارجه، لاسيما من قبل قوات الاحتلال.

 

ما لا يستطيع أحد أن ينكره هو أن ما جرى حتى الآن من خطوات سياسية ما كان لها أن تمر لولا المقاومة الباسلة التي قادها العرب السنة، ولا قيمة هنا للهراء الذي يرده البعض على الفضائيات من أن المقاومة لا وجود لها، وأن ما يجري هو إرهاب محض لأن أكثر من 1500 قتيل أميركي وحوالي 15 ألف جريح لم يسقطوا بفعل الإنفلونزا أو في حوادث السير.

 

لا يعني ذلك بالطبع أن ما يجري لا ينطوي على إرهاب وجرائم غير مقبولة ومرفوضة ومدانة، ويعرف الجميع أن ذلك هو موقف هيئة علماء المسلمين المعلن. لكن وصم جميع المقاومة بالإرهاب تعسف ينطوي على حسد وحقد وإنكار لجهود الآخرين، لاسيما في ظل إدراك المنصفين لكونها المسار الذي هيأ فرصة إجراء الانتخابات وقبلها تشكيل مجلس الحكم، ولولاها لبقي الحكم العسكري الأميركي الواضح قائماً إلى الآن، مع أنه لم يخرج عملياً، إذ ما زال يسيطر على المرافق والقرارات الأساسية في البلاد.

 

نتذكر على هذا الصعيد تصريحات الرئيس الأميركي قبل الانتخابات حول إمكانية الانسحاب إذا ما طلبت الحكومة المنتخبة ذلك، ثم تصريحاته في خطاب حالة الاتحاد المعاكسة بحجة عدم منح الإرهابيين فرصة القول إن الأميركيين فقدوا صبرهم!!

 

لا شك أن مثل هذه التصريحات إنما تعبر بشكل من الأشكال عن ثقة الرجل بأن الحكومة الجديدة لن تطالب بانسحاب القوات الأميركية، وهو أمر سيشكل إذا صح إدانة للمشاركين فيها، لكنه قد يشير إلى الرفض المبدئي للخروج في حال مطالبة تلك القوى به.

 

وفي كل الأحوال فإننا نتحدث عن موقف السيد السيستاني، ومعه من وفر لهم الدعم وفرص الفوز، فهؤلاء هم المعنيون بهذا الكلام وليس الأكراد الذين تحالفوا ويبدو أنهم باقون على تحالفهم مع المحتلين، في المدى القريب على الأقل وربما المتوسط.

 

السيد السيستاني والقوى الشيعية اليوم أمام اختبار حقيقي، فهي إما أن تنحاز لشعبها وبلدها وأمتها وتطالب بخروج القوات الأميركية أو تفضح تبعيتها لقوات الاحتلال. وفي هذه الحال فإنها لن تستمتع بحكم بلد محتل بنظام العمالة أو الوكالة لسبب بسيط هو أن البلد لم يستسلم، لأن فيه أناسا يقاومون بكل قوة وشراسة واستسلامهم غير وارد أياً كانت الظروف ومهما كانت التضحيات.
_________

 كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة