التشظي العربي وأوهام يوتوبيا التحول الديمقراطي   
الخميس 1427/3/22 هـ - الموافق 20/4/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:48 (مكة المكرمة)، 12:48 (غرينتش)


بشير موسى نافع

الديمقراطية هي أحد محاور الخطاب العربي المعاصر. وفيما عدا حفنة صغيرة من المجموعات الحزبية الإسلامية الصغيرة وبقايا الحركة الشيوعية، أصبحت الديمقراطية المطلب الرئيس للساحة السياسية والفكرية العربية، يميناً ويساراً.

أغلبية الإسلاميين العرب، من العدالة والتنمية في المغرب إلى الإخوان المسلمين في مصر وصولاً إلى أغلب سلفيي الكويت والسعودية، يتبنون النهج الديمقراطي. ولا ينضوي في معسكر الديمقراطية الليبراليون العرب وحسب، بل أيضاً الأغلبية العظمى من قوى اليسار.

ويكاد العرب يتفقون على أن الديمقراطية ليست فقط الطريق الوحيد الممكن للتوصل إلى تداول سلمي على السلطة، بل هي كذلك طريق مواجهة الفساد المتفشي في دوائر الدولة والحكم، وطريق النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وطريق تعزيز القدرات العربية في مواجهة التهديدات الخارجية.

بعد عقود طويلة من سيطرة الخطاب القومي الوحدوي، وشعارات التنمية والتصنيع والتكافل الاجتماعي، تصعد الديمقراطية إلى مصاف اليوتوبيا العربية.

ثمة ثلاثة عوامل رئيسية خلف هذا التحول في السياسة والفكر العربيين. الأول: هو خيبة الأمل المتراكمة في مشاريع وقوى الوحدة والاستقلال والتحرير والتنمية التي شكلت مرجعية الخطاب السياسي العربي في الخمسينيات والستينيات ومطلع السبعينيات.

"
ثمة ثلاثة عوامل رئيسية خلف تحول الديمقراطية إلى مصاف اليوتوبيا العربية: الأول هو خيبة الأمل في مشاريع الوحدة والاستقلال، والثاني التغول غير المسبوق في بنية الدولة العربية، والثالث تبني أميركا أيديولوجيا الإصلاح والتغيير في العالمين العربي والإسلامي
"
الثاني: هو التغول غير المسبوق في بنية الدولة العربية التي باتت تشكل نظاماً استبدادياً غير معروف في تاريخ الدولة الحديثة، حيث لم تعد السلطة ممركزة وفوق القانون وحسب، بل واجتمعت لدى النخب الحاكمة مقاليد القوة والثروة معاً أيضاً.

أما العامل الثالث فيتعلق بالانتصار الليبرالي الديمقراطي في الحرب الباردة، وتبني الولايات المتحدة وعدد من حلفائها الأوروبيين، الديمقراطية باعتبارها أيديولوجيا الإصلاح والتغيير في العالمين العربي والإسلامي.

وليس في الاعتراف بالدور والمناخ الدوليين ما يعيب الخطاب الديمقراطي العربي؛ فمنذ بدأ العالم في شهود ثورة الاتصالات منتصف القرن التاسع عشر والأمم والشعوب تتبادل المؤثرات والأفكار، سلماً وحرباً.

ويعرف الخطاب الديمقراطي العربي اتجاهين رئيسيين: الأول هو ذلك الذي يعتبر أن هناك نموذجاً ديمقراطياً واحداً (ideal type) وأن كون هذا النموذج أوروبيا غربيا في أصوله لا يجب أن يمنع تبنيه من الشعوب كافة، لأن الديمقراطية هي النتيجة الحتمية لحركة التقدم التاريخي الإنساني.

في اعتبار هذا الاتجاه، لا تقتصر الديمقراطية على آليات التعدد والتداول السياسي، بل تشمل أيضاً العلمنة والحريات الفردية والحق المطلق في تشكيل التجمعات المدنية مهما كان الهدف من هذه التجمعات، واعتبار الدولة في جناحها التشريعي مصدر شرعية القانون، واحتكار الدولة للعنف ...إلخ.

وبينما يقر دعاة الاتجاه الثاني بمناخ حضاري عالمي واحد، فإنهم يؤكدون على الخصوصيات الثقافية والمواريث التاريخية للشعوب والأمم. ويقول هؤلاء إن تبني الديمقراطية باعتبارها نظاماً سياسياً لا يعني تبني متعلقاتها الفكرية والثقافية والقانونية الأوروبية الغربية، سواء على صعيد العلمنة والحريات المطلقة أو على صعيد منح التشريع الوضعي شرعية عليا. ولكل أمة من الأمم أن تبدع نظامها الديمقراطي الخاص، آخذة في الاعتبار ميراثها العقدي والثقافي وتقاليدها المستقرة.

بيد أن هذا التنوع في الخطاب الديمقراطي العربي لا يقلل من ثقل هذا الخطاب، وسيطرته شبه الشاملة على البيئة السياسية والفكرية العربية المعاصرة.

كما أن الخلاف بين اتجاهي الخطاب الرئيسيين لم يمنع بروز تحالفات سياسية واسعة، تضم ديمقراطيين إسلاميين وديمقراطيين علمانيين ليبراليين، في عدد ملموس من الدول العربية.

وبالنسبة إلى أغلب النخب العربية المعاصرة، اليوتوبيا الديمقراطية تعلو ولا يعلى عليها. هذا الاطمئنان لوعود الديمقراطية يعكس تبسيطاً فادحاً، ويحمل مخاطر كبرى للمستقبل السياسي العربي. والأدلة على هذا التبسيط والخطر في تزايد.

في العراق، كانت الديمقراطية هي وعد الخلاص الأبرز منذ إطاحة نظام الرئيس صدام حسين واحتلال القوات الأميركية للبلاد. وقد شهد العراقيون مطلع الاحتلال تحولاً شاملاً باتجاه الديمقراطية، من قوى وأحزاب لم يكن لتأسيسها ولا أسسها الفكرية أدنى صلة بالتصور الديمقراطي للحكم.

وقد أصبح دعاة ولاية الفقيه وشيوعيون وقوميون انفصاليون بين ليلة وضحاها ديمقراطيين، ضباط جيش وأمن سابقون أصبحوا ديمقراطيين، شيوخ عشائر وقبائل ورجال دين أصبحوا أيضاً ديمقراطيين.

"
وقف إلى جانب الديمقراطية العراقية الوليدة زهاء مائتي ألف جندي من قوات الاحتلال، ومليارات من المساعدات والدعم المالي والاقتصادي من الدول الصناعية الكبرى, بيد أن العراق الديمقراطي انتهى إلى الانقسام على ذاته
"
وقد وقف إلى جانب الديمقراطية العراقية الوليدة زهاء المائتي ألف جندي من قوات الاحتلال، ومليارات من المساعدات والدعم المالي والاقتصادي من الدول الصناعية الكبرى.

بيد أن العراق الديمقراطي انتهى إلى الانقسام على ذاته. الاغتيالات الفردية في سنة الاحتلال الأولى تحولت إلى حرب أهلية شاملة في السنة الثالثة، والاعتراف بتنوع الشعب العراقي إلى انقسام طائفي وإثني، والعلاقات السلمية والحسنة مع دول الجوار إلى تدخلات إقليمية سافرة في الشأن العراقي، وكراهية مركزية النظام السابق إلى مشروع فدرالي تفكيكي لوحدة البلاد.

انحدرت الحياة الاقتصادية كما لم تنحدر حتى في أشد سنوات الحصار الدولي قسوة، وافتقد الأمن الفردي والاجتماعي حتى لم يعد الأب يأمن على أولاده في مدارسهم، وانفجر العنف الداخلي حتى تعرضت المساجد ودور العبادة للدمار والحرق.

في لبنان، عادت الديمقراطية إلى الحياة بعد خروج القوات السورية كما لم تعد منذ اندلاع الحرب الأهلية منتصف السبعينيات. ولكن السياسة اللبنانية تبدو منقسمة على ذاتها بحيث بات لبنان كله مهدداً بحرب أهلية جديدة.

ولا يعكس هذا الانقسام اصطفافاً طائفياً وحسب، بل وانقسام مصالح ونفوذ وارتباطات داخل الطائفة الواحدة. لبنان الديمقراطي، المتحرر من "القبضة السورية" هو في الحقيقة ساحة لتدافع القوى الإقليمية والدولية، بحيث يصعب أن تجد قوة سياسية لبنانية واحدة تمثل برنامجاً وطنياً لبنانياً خالصاً.

وما يزيد الأوضاع تفاقماً أن الأكثرية البرلمانية هي في الحقيقة أكثرية مصطنعة، ولدت من نسبة تصويت بالغة التدني في الانتخابات الأخيرة ومن تحالفات قصيرة لقوى سياسية طائفية وإقطاعية.

في فلسطين، قدم الفلسطينيون في الانتخابات البرلمانية الأخيرة نموذجاً للحياة السياسية الديمقراطية قل نظيره في الحياة العربية. فقد أشرفت حكومة الرئيس أبي مازن على انتخابات أدت نتائجها إلى إطاحة الحزب الحاكم منذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية والذي هو حزب الرئيس أيضاً.

وبالرغم من الجدل الفلسطيني الداخلي المحدود الذي سبق عملية الاقتراع، فقد تلقت الانتخابات دعماً وتشجيعاً من القوى الكبرى كافة. ولكن خسارة فتح الانتخابات وتشكيل حماس الحكومة الجديدة ليس نهاية هذه الحلقة من العملية الديمقراطية.

فالخلاف بين حماس وفتح لا يتعلق بأولوية الصحة أو التعليم، أو طريقة القضاء على البطالة ومستوى ضريبة الدخل، كما هو الخلاف عادة بين الأحزاب السياسية في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة.

الخلاف بين القوتين الفلسطينيتين الرئيسيتين يطال أسس القضية الفلسطينية ذاتها ومعنى الهوية الوطنية، في وقت لا تزال فتح تسيطر على كافة مؤسسات السلطة والحكم، من مؤسسة الرئاسة إلى الأجهزة الأمنية إلى السفارات الفلسطينية ومكاتب التمثيل في أنحاء العالم.

وبالرغم من حرص الفلسطينيين التقليدي على تجنب الصراع الداخلي، فإن أحداً لا يتوقع ولاية سلسة للحكومة الجديدة. وبدلاً من إضفاء إحساس بالاستقرار والشرعية على الحياة السياسية الفلسطينية، تفاقم الديمقراطية من الانقسام وفقدان الإجماع، وتفضي إلى تعميق الإحساس الجمعي بالقلق والترقب.

في سوريا، ثمة مناخ ديمقراطي متعثر منذ سنوات. هذا التعثر لم يمنع ازدهار الحياة السورية السياسية، داخل سوريا وفي أوساط المهجر السياسي.

لكن أحداً لا يمكن أن يخطيء القلق السوري والعربي الواسع مما يمكن أن تنتهي إليه حركة التحول الديمقراطي في سوريا. فقد شهدت السنوات الأخيرة ولادة عدد لا يحصى من الأحزاب الكردية السورية الانقسامية المغالية، وهناك عدد ملحوظ من النشطين السوريين الذين لا يخفون ارتباطهم بالإدارة الأميركية ومخططاتها تجاه سوريا؛ كما أن الدوائر السورية تشهد همساً طائفياً سياسياً متصاعداً.

سوريا الموحدة والآمنة نسبياً في ظل نظام دكتاتوري (ليس من الواضح بعد كيف سيخرج من الحقبة الدكتاتورية) يمكن أن تتحول في عملية التحول الديمقراطي إلى بلد منقسم على ذاته، يفتقد الأمن والسلام والازدهار ومعنى الدور والموقع الوطني والقومي.

الأمثلة على الفهم التبسيطي المخل لليوتوبيا الديمقراطية ومخاطرها لا تقتصر على هذه البلدان، بل وتشمل حالات أخرى مثل السودان والجزائر والبحرين والكويت، وربما حتى السعودية.

"
بدون أخذ الشروط اللازمة للتحول الديمقراطي في الاعتبار تفتح الديمقراطية الباب لانهيار الجماعات الوطنية وانقسام البلدان والشعوب، وضياع الاستقرار والأمن وأبسط شروط المعاش الإنساني
"
ثمة عدد من الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا الواقع المتأزم لعملية التحول الديمقراطي. الأول: إنه من غير الممكن بناء نظام ديمقراطي وطني بدون استقلال وطني. ف
التدخلات الأجنبية لا تؤدي إلى تزييف ميزان القوى الداخلي وحسب، بل وتعلي المصالح الأجنبية على الأجندة الوطنية أيضاً. الثاني: من غير الممكن بناء نظام ديمقراطي مستقر بدون إجماع وطني على القضايا الكبرى.

فالديمقراطية تنظم العلاقة بين قوى سياسية تختلف على الجزئيات والوسائل وتجعل التداول السياسي السلمي بينها ممكناً؛ أما إن كان الخلاف على المسائل الكبرى، فالنظام الديمقراطي يتحول إلى أرضية لتفاقم الانقسام الداخلي، ولا يستبعد أن يفضي في النهاية إلى انفجار صراع دموي.

الثالث: إن التحول الديمقراطي في بلدان متعددة الطوائف والإثنيات هو عمل شائك وبالغ الخطر ما لم يكن هناك اتفاق مسبق على حدود الدولة الحديثة وسلطاتها.

بدون أخذ هذه الشروط الهامة في الاعتبار تفتح الديمقراطية الباب لانهيار الجماعات الوطنية وانقسام البلدان والشعوب، وضياع الاستقرار والأمن وأبسط شروط المعاش الإنساني.

وتصبح الديمقراطية، بكلمة أخرى، يوتوبيا محفوفة بالضياع والضحايا والدماء. التحول الديمقراطي في النهاية ليس إلا شرطاً واحداً من شروط النهوض العربي المتعددة. وحدها السذاجة السياسية والكسل الفكري ما يجعل من الديمقراطية مرفأ خلاص عربي جديد.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة