حيرة دليل الحيارى   
الخميس 8/9/1433 هـ - الموافق 26/7/2012 م (آخر تحديث) الساعة 16:28 (مكة المكرمة)، 13:28 (غرينتش)
زياد منى

 

في هذه الأزمنة العصيبة والمقلقة لكل من لا يعد أوطاننا مواقع جغرافية فقط يقطنها المرء، وإنما ماضينا وحاضرنا ومستقبلنا، لنا، ولأبنائنا ولأحفادنا، لا بد من النظر والتأمل في كل ما ارتكبناه، طوعا أو مرغمين عليه، طواعية!

علينا أن ننظر بصدق في داخل نفوسنا وعقولنا وتفكيرنا، بعيدًا من حالة الإنكار التي نجد أنفسنا مجبرين على العيش فيها، وفرضها على غيرنا

بالنظر إلى كل ما مر علينا من كوارث وهزائم وانتكاسات، علينا أن نكون صادقين أولا مع أنفسنا ومن بعد ذلك مع محيطنا. علينا أن ننظر بصدق في داخل نفوسنا وعقولنا وتفكيرنا، بعيدا من حالة الإنكار التي نجد أنفسنا مجبرين على العيش فيها، وفرضها على غيرنا، ضمن حالة الإرهاب الفكري والعقدي التي تحاصرنا.

ثمة أمور كثيرة مررنا بها، في بلادنا، بلاد العرب، منذ طفولتنا الأولى، البريئة، تدعونا للاستنكار والاستهجان، لكن ثمة أشياء وتصرفات تستدعي منا غضبا أكبر، وحزنا أعمق، وفي الوقت نفسه حيرة لا حدود لها.
الأمر الذي أرى أنه الأكثر استفزازا لنا، نحن المواطنين، المغلوبين على أمورنا، هو إجبارنا على لوم الضحية، أي لوم أنفسنا.

فبمتابعة وسائل الإعلام/التضليل المسموعة والمرئية والمقروءة، التي تحاول إيهامنا بأنها تحاول كشف مكامن الأخطاء فينا، أفرادا وجماعات، التي ساهمت في إرسالنا إلى الحضيض الذي نحن  فيه، وإلى ما نحن فيه من ضياع، نراها تطلب منا التوقف عن محاسبة المسؤولين عن أمور بلادنا، والمتدخلين في تفاصيل تفاصيل حيواتنا، والالتفات إلى خطايانا.

إنها تدعونا إلى اكتشاف أننا نحن، المواطنين المقهورين المغلوبين على أمرنا، مشاركون فعالون في تفشي الفساد والإفساد!

نسمع ونرى ونقرأ سيلاً لا ينضب من الإدانات لنا لأننا نقبل بدفع الرشى للفاسدين. ولأننا نخضع لابتزاز الموظفين الفاسدين لتمرير أمور حيواتنا اليومية، من الحصول على ختم ورقة قانونية، أو جلب موظف لإصلاح عطب في خط الكهرباء أو في خط الهاتف... إلخ، ونضطر صاغرين لدفع الرشى، نكتشف أننا نحن من ينشر الفساد.

بل إن وسائل الإعلام/التضليل السلطوية لا تتوقف عن لومنا نحن، لوما شديدا، بل وتطالب بمعاقبتنا لأننا نرفض مباشرة يومنا بالانخراط في نقاش، عقيم، مع سائق السيارة العمومية الذي يرفض الالتزام بالتعرفة التي حددتها الحكومة، ولأننا نرفض الدخول في نقاش حار وعراك، يومي، مع صاحب المطعم الذي يرفض تسليمنا فاتورة تفصيلية للمبلغ المضاعف الذي يطالبنا بدفعه، ولأننا نرفض إبلاغ الجهات المسؤولة عن شرطي المرور الذي يتصيدنا عند كل زاوية شارع ويخيرنا بين دفع رشوة تنعش معاشه الشهري ليتغاضى عن مخالفة لم نرتكبها أصلا، ودفع الغرامة كاملة، مع حجز السيارة، ورشي الضابط الجمركي كي لا يجبرنا على بعثرة كل ما في حقائبنا.. و.. و.. والقائمة تطول وتطول وتطول.

فعند الحديث عن حيواتنا، الغارقة في الفساد، الذي يرسم حدود يومنا، والمستشري في كل خلية من خلايا مجتمعاتنا، وفينا نحن المواطنين، أفرادا وجماعات، نرى ميلاً لاتهامنا بأننا نحن الضحايا مسؤولون رئيسيون.

لابسو ملاءة المحامي العام، ومن نصب نفسه المدعي العام على المجتمع، يلومون المواطن على رضوخه لابتزاز ممثلي السلطات الفاسدين وتلبية ما يفرضونه علينا من "خاوات" كي ينجزوا لنا أعمالنا القانونية. هم يلقون باللوم علينا لأننا نقبل بالرضوخ لابتزاز المسؤولين.

هذا يعني أنه مطلوب منا، نحن المواطنين، لبس دور الشرطي والمحامي والمدعي الشخصي والمحامي العام والمخبر والضابطة التموينية... إلخ.

حسنا، أيها السادة، حكامنا العظام، ومتى ننجز أعمالنا الأساس. كيف يمكن لنا أن نعيش والابتسامة تملأ وجوهنا إذا ما كان علينا مبادرة يومنا بالدخول في معارك وعراكات ونقاشات لا نهاية لها.

أنا في حيرة من أمري، ودليل الحيارى الذي أعود إليه لاستشارته عندما أجد نفسي محاصرا بكم من الأسئلة الاستفهامية والاستنكارية، غير قادر على استيعابها

هناك مقولة شهيرة: الناس على دين ملوكهم، أم أن الحقيقة هي: "كما تكونوا يولى عليكم"؟!. لا أدري، فأنا في حيرة من أمري، ودليل الحيارى الذي أعود إليه لاستشارته عندما أجد نفسي محاصرا بكم من الأسئلة الاستفهامية والاستنكارية، غير قادر على استيعابها، ناهيك عن الإجابة عنها.

حسنا، أنا بريء من هذا كله، أنا بريء من كل هذه الاتهامات ومن كل حملات التشهير التي تحاول إقناعي بأني أنا، الضحية، الجاني، وعلى تحمل المسؤولية عما وصلنا إليه من انحطاط معنوي وأخلاقي. في الوقت نفسه، لا أريد تبرئة أنفسنا من ذنوبنا، ولا أقبل مجاراة حكامنا في حالة الإنكار التي يعيشونها.

نحن مسؤولون لأننا نشارك في حملات التطبيل والتزمير للحاكم الظالم الفاسد، وتصوير كل مفاسده على أنها قمة الحكمة!
نحن مسؤولون عن كل كلمة نكتبها في صحف حكامنا، التي تنضح بكل أنواع النفاق للحاكم!
نحن مسؤولون لأننا نوجه كل التهم إلى المنفذ وليس إلى الآمر الناهي!
نحن مسؤولون لأننا نسكت عن ظلم الحاكم بأمره ونلقي باللوم على الحاشية، أو على بعضها.
نحن مسؤولون لأننا نطبل لهذا الكاتب أو ذاك، ممن لا يستحق أن يذكر حتى في حاشية حواشي الأدب، إرضاء لصاحب الصحيفة أو مقدم البرنامج التلفزيوني أو.. أو.. أو..!

نحن مسؤولون لأننا نشارك في هذه المهرجانات والتهريجات السينمائية والخطابية والشعرية ونحن نعلم أننا لسنا أكثر من شهود زور استحضرنا الطغاة للتصفيق لهم والدعاء لهم بطول العمر والبقاء!
نحن مسؤولون لأننا نهلل لكل عمل رعاه طويل العمر هذا أو ذاك، ونصور أن إنجازاته اليومية تفوق كل ما أنتجته البشرية منذ الأبد!

نحن مسؤولون حقًا لأننا لا نملك جرأة استبدال الصمت بالمديح الرخيص والمبتذل لهذا الحاكم أو ذاك، سواء كان أميرا أو ملكا أو رئيسا، وهو أضعف الإيمان!
نحن مسؤولون لأننا نلهث وراء الشهرة المصطنعة وندفع ثمنها كراماتنا الشخصية واستقلالنا الفكري.
نحن مسؤولون لأننا ننخرط في معارك الدفاع القبلية الجاهلية عن هذا "المبدع" فقط لأننا نرتبط به عائليا أو طائفيا أو فكريا، أو لأنه طلب منا ذلك!
نحن مسؤولون لأننا نرفع من مقدار هذه "الأديبة" أو تلك، فقط لأنها تنتمي إلى عشيرتنا، الفكرية أو النسبية!
نحن مسؤولون أيضًا لأننا نرفع من شأن هذه أو تلك من "الكاتبات" لامتلاكها مؤهلات محددة، غير الكتابة!
نحن مسؤولون أيضا لأننا نمتلك "شجاعة" مهاجمة حاكم مستبد، في وسيلة إعلام يمولها مستبد آخر!
نحن مسؤولون لأننا ننشر خطايانا الطائفية والمذهبية والشعبوية والعصبية، ونلبسها لباس النقد الفكري البناء!

نحن مسؤولون لأننا نرتد عما عشنا من أجله عقودا من الزمن، وندعي أن الجاني هو في الحقيقة الضحية!
نحن مسؤولون لأننا نغير جلودنا عند كل منعطف ونوهم الغير بأن الآخر هو من تغير!
نحن مسؤولون لأننا ندعي الدفاع عن قضايانا، مع أننا نلوم الضحية ونرمي به إلى أنياب الجناة!
نحن مسؤولون لأننا نسكت عندما وجب علينا التكلم، ونتكلم، باطلا عندما وجب علينا السكوت!.
نحن مسؤولون لأننا ندعي، باطلا، أن ما نفعله ونقوله هو الحق، ونحن خير من يعلم بأننا نكذب وأننا، مثل كثير من حكامنا، نعيش حالة إنكار!

نحن مسؤولون لأننا نعيش حالة إنكار، وندعي بأننا نعيش الحقيقة المطلقة.
نحن مسؤولون لأننا ننشر الأكاذيب والأباطيل، عمدا، ونكذب على قرائنا ومستمعينا، ثم ندعي البراءة وأننا نؤدي واجباتنا المهنية ليس غير!
نحن مسؤولون لأننا نهلل لهذا الطاغية أو ذاك، ثم ننقلب عليه عندما يبدو أن نجمه قد أفل وحانت ساعة رحيله.

علينا الاعتراف الآن وحتى نصلح أحوالنا، بأننا لسنا ورثة تراث عمر بن عبد العزيز وسيف الدين قطز والظاهر بيبرس وصلاح الدين الأيوبي وغيرهم الكثير

نحن مسؤولون لأننا نتقبل ما يلقنه الطغاة وأتباعهم في رؤوس أبنائنا وبناتنا، في الحضانة وفي كل المحافل التعليمية!
نحن مسؤولون لأننا نقبل لعب دور الببغاء فنكرر الأكاذيب والتلفيقات التي يحشو الطاغية بها عقولنا، ليل نهار!

نعم، نحن، جميعنا، مشاركون في ما وصلنا إليه من سوء حال، ونتحمل بالتالي المسؤولية، الفردية والجماعية. نحن مسؤولون، ومشاركون، لأن الواحد فينا يحمل في الداخل ضده.

علينا الاعتراف الآن وحتى نصلح أحوالنا، بأننا لسنا ورثة تراث عمر بن عبد العزيز وسيف الدين قطز والظاهر بيبرس وصلاح الدين الأيوبي وعمر المختار وابن خلدون والفارابي والرازي وابن سينا و.. و.. و.. و...

نعم، هم جزء من تاريخنا، لكننا، في حالنا الآني، نتاج قرون من التخلف والوعي الزائف الذي زرع في عقولنا وفي نفوسنا منذ الصغر، فاستحلنا مخلوقات مشوهة تحمل في ثناياها كل ما يقود إلى الهزيمة.

نعم، نحن ضحايا، وفي الوقت نفسه، مشاركون في الكذبة الكبرى التي نتخيلها حقيقة ونسوقها كذلك.

لقد بحثت عن دليل للحيارى ينقذني، فتبين لي أنه حائر، مثلي تماما. مع ذلك فإنني على يقين من أن الضحية هي أنا، المواطن الضعيف المغلوب على أمره، والغربال ليس قادرا على حجب قرص الشمس. الجاني هو الحاكم، فلا تلوموا الضحية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة