عهدة واشنطن العراقية لإيران   
الأحد 1431/10/10 هـ - الموافق 19/9/2010 م (آخر تحديث) الساعة 12:58 (مكة المكرمة)، 9:58 (غرينتش)
مهنا الحبيل


- ماذا بعد المحرقة؟

- البيت الخليجي وأتون الصراع

مع ضجيج خطاب الرئيس الأميركي باراك أوباما عن إنهاء العمليات القتالية المشكوك فيه، أُخفيت خلف الحفلة الإعلامية ثلاث قضايا مهمة، الأولى أن الحرب الأميركية تعرضت لهزيمة قاسية من قبل المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية، ولم يأت الانسحاب ضمن سياقات المشروع الإستراتيجي الأميركي في نسخه الثلاث.

ولم يأت الانسحاب كذلك ضمن هيكلة المنطقة العربية لإخضاعها لآفاق العملية السياسية التي بَشر بها الرئيس بوش سابقا كشكل ديمقراطي قشري يحمل مضامين وتغييرات جذرية في بناء النظام الاجتماعي العربي، كان يراد أن يهيأ لإخضاع الشرق الأوسط الجديد للأمن الإسرائيلي.

ورغم أن النصر لم يتحقق للمقاومة العراقية بصورة شاملة تجسد مشروع التحرير والبديل السياسي، فإن ذلك السياق المقاوم قدم تضحيات تاريخية لم يقدمها العرب بعد مقاومة فلسطين في أي ساحة حرب.

أما القضية الثانية فهي أن انسحاب جزء كبير من القوات الأميركية كان إلى قواعد ضخمة داخل العراق لا تزال كاملة العتاد والبنية، وهي تحمل دلالات عديدة للمستقبل المنظور والإستراتيجي.

والقضية الثالثة المهمة التي سنفصلها هنا هي سياق عودة الزخم من قبل واشنطن لنفس أجواء الانشطارية الطائفية بعد رسالة الرئيس أوباما السرية للسيستاني وتصريح علاوي التاريخي.

ولا يهم مطلقا السياق المرحلي الذي ورد فيه تصريح إياد علاوي وتجاذبات أطراف العملية السياسية فيه، لكن الأهم هو إعادة تصريحه لقضية موقف الولايات المتحدة من أهم قواعد الشراكة المركزية مع الجمهورية الإيرانية في احتلالها للعراق.

"
فريق من المثقفين العرب والسياسيين في الخليج لم يعوا أن واشنطن في ردها على علاوي تؤكد أنها لا تزال تعتبر المشروع الإداري الإيراني لاحتلال العراق وأدواته التنفيذية ركيزة لا يمكن أن تتخلى عنها
"
لقد كان حديث علاوي صريحا للغاية في البداية دون أي مواربة أو تشكيك، ثم حين اتصل الأميركيون به بدأ حيدر العبادي الناطق باسمه محاولة التخفيف من هذا التصريح.

وقد ذكر علاوي بكل وضوح أنه بلغه من واشنطن وجهازها السياسي والإداري المركزي أنها لا تقبل وليست على استعداد لدعم أي طرف لا تعتمده السياسة الإيرانية لإدارة المنطقة الخضراء، ومن خلالها العراق، وأن على علاوي أن يُدرك هذه القضية جيدا وأن لا يبتعد بمداره عن طهران.

لقد أعلنت واشنطن أمرا مهما وإن كُنا قد ذكرّنا به سابقا، لكن فريقا من المثقفين العرب والسياسيين في الخليج لم يعوا هذه القضية، وهي أن واشنطن في هذا التصريح تؤكد أنها لا تزال تعتبر المشروع الإداري الإيراني لاحتلال العراق وأدواته التنفيذية ركيزة لا يمكن أن تتخلى عنها.

وأهم من ذلك أنها تعتبرها حتى الآن -ورغم كل ملفات الصراع- الخيار المطلوب كرهت ذلك أم أحبت، وفقا لأساسيات الإستراتيجية الأميركية لحرب العراق أو وفقا لرؤى واشنطن لمدلولات التغييرات في قواعد اللعبة، لو انسحبت من العراق وهي تواجه هزيمة مزدوجة من طالبان والمقاومة العراقية.

وبعد هذا التصريح أعيد اسم المالكي مجددا رغم الصراع العنيف تحت الأرض بين أطراف الائتلاف الطائفي القديم، وما تعانيه إيران من نزعات التمرد والمحاصّة الداخلية بين أضلاع المشروع الطائفي.

وكان وزير الخارجية الإيراني قد صرح في الأسابيع القليلة الماضية بأنه يستعد لجولات مفاوضات مع دول المنطقة لما أسماها خطورة عودة طالبان بعد انتصاراتها الأخيرة وخشيته من وقوع كابل بالفعل في قبضة مشروع التحرير الوطني.

وهذه القضية -وبكل دقة- تعتبر حساسة جدا للمشروع الأميركي الذي يهتز تاريخيا في آسيا الإسلامية من تتابع انتصارات طالبان وشعوره بأن إعلان الهزيمة بات يتسرب من داخل أروقة حلف الناتو, ولذا فإن هذا المسار الدقيق في تقاطعات المشروع الأميركي الإيراني لا يزال حيويا وفعالا، فماذا عن انعكاساته في العراق وعلى المنطقة الخليجية؟

ماذا بعد المحرقة؟
مما أوضحناه من دلالات تصريح علاوي أن البصمة المعتمدة أميركيا للعراق هي فقط إيران، فإن طبيعة التصور والتحليل الإستراتيجي تنطلق مجددا لدراسة مواقع تأثيرات هذه التوازنات، سواء أسميت صفقة أم معادلة أم تكتيكا مرحليا، فالواقع السياسي والإستراتيجي سينسحب على المنطقة.

ربما الأمر ليس جديدا في العراق لكنه قد يحمل بعدا آخر، بمعنى أن انسحاب القوات الأميركية وإبقاء جزء منها في عشرات القواعد الصغيرة والكبيرة، وتأكيد واشنطن أن إدارة المرحلة ستبقى في يد إيران، يحمل في طياته مشهدا جديدا قديما، وهو سيناريو الحرب الخلاقة، بمعنى أن كلا القطبين لا يريد أن يسلم بهزيمة بالحرب ولا يملك حاليا مشروعا انتقاليا مستقرا، فما الحل؟

"
انسحاب القوات الأميركية وإبقاء جزء منها في عشرات القواعد الصغيرة والكبيرة، وتأكيد واشنطن أن إدارة المرحلة ستبقى في يد إيران، يحمل في طياته مشهدا جديدا قديما وهو سيناريو الحرب الخلاقة
"
إنه تفجير الجرح العراقي الذي لم يندمل، ليثور بركان دموي وطائفي يقود مجددا إلى سيناريو التقسيم، ومن هنا نفهم هذا الإطلاق المكثف لحرب التفجير الطائفي مجددا وتصريحات المالكي وشخصيات حزب الدعوة تحديدا المشجعة على الانشطار الطائفي، في حين تمتلئ الساحة بالجثث والأشلاء ويستمر عزف العملية السياسية جنبا إلى جنب مع ذلك.

وهذا الإطلاق لجماعات العنف، مع الإعلان عن عودة أبو درع من إيران، وهو متهم كمجرم حرب بأنه قاد أبشع عمليات إبادة طائفية في تاريخ العراق، مع تعزيز بيانات تصدر باسم القاعدة للتفجيرات الأخيرة يشير إلى تهيئة المشهد العراقي لنزف أكثر حساسية ودموية لا يمكن أن تكون مآلاته مستبعدة من طرف واشنطن وطهران.

بل إن وضع الحرب وسيناريو المستقبل قد لا يدرك الرئيس أوباما تفاصيل مصيره، وهذا ليس دفاعا عن أوباما وليس تشكيكا في سلطة الرئاسة على الجيش، لكن المراقب المتعمق في مسيرة الحرب الأميركية يكاد يجزم بأن هناك تكتلا لا يزال فاعلا يتطابق مع ما قاله وزير الأمن الإسرائيلي السابق ريختر، وهو يهدف داخل القوى الإستراتيجية الأميركية لتحقيق معادلة معينة توافقت مع طهران، وإن تصارعت في مواقع أخرى، على ضمان إزالة قوة المشرق العربي.

واستدعاء صورة الصومال مهم جدا، فالداعم الإستراتيجي لحرب التصفية الكاملة وإسقاط الدولة والمجتمع معا هو أسمرا ذات العلاقة الحيوية مع إسرائيل، ولا تزال تحتفظ بخيط دقيق ومهم مع واشنطن، بينما المنفذ هناك رايات القاعدة، ولذلك سيتضح المشهد هناك بعد الوصول لمرحلة الصفر.

والأمر كذلك في العراق فهي هولوكوست دموية تنتظر مرحلة صفرية جديدة تُهيأ لتغيير جغرافي شامل في العراق يضمن للطرفين منع أي إمكانية لأي طرف ثالث تغيير قواعد الاتفاق الأولى وهي تغييب العراق العربي القوي.

هذا البعد لا علاقة له بضجيج مدافع الإعلام وهو مسار في مركزيته الإستراتيجية يشرح لماذا توصي واشنطن علاوي بالتمسك بالمرجعية الإيرانية وتنذره من الخروج عنها.

لكن هذا المستقبل يواجهه مشروع العراق الوطني بقيادة هيئة علماء المسلمين والذي بدأ يتصاعد تدريجيا، وإن واجهته ظروف صعبة وحرجة، وهو يحتاج إلى توازنات دقيقة.

والغريب أنه معزول ومحاصر من القوى العربية الرسمية، بل وحتى بعض القوى الأهلية, لكن ماذا عن الخليج العربي؟ أين هو في هذا الاقتحام الجديد لعنصر الحرب والطائفية والتقسيم؟

البيت الخليجي وأتون الصراع
لعل أهم ما يقف عنده المراقب الخليجي هو حجم الغفلة والاستدراج الذي مارسته واشنطن في الدورة الأخيرة على الخليج، واندفاع الخليجيين إلى التصديق بأن مشروع دعم علاوي سيقلب ببساطة الأرض على إيران.

ولذلك ليس المهم إعادة قراءة تصريح علاوي في سياق فشل هذا المشروع، لكن الأهم هو التوقف عند أن من قال لعلاوي "كش ملك" هم الأميركيون ذاتهم، وما أشار إليه علاوي من خديعة الأميركيين له يتشرّبه الخليج العربي الرسمي بصورة أشد وأكبر.

إن معنى أن يَمرّ العراق بهذه المرحلة الجديدة مع رصد المرحلة السابقة وما تسببت فيه حمم احتلال العراق من آثار سياسية وأمنية وتوترات طائفية حساسة يعني الكثير للأمن القومي الخليجي.

"
الاستجارة بإستراتيجية الأميركيين والاعتماد عليها، دون تصورات ذاتية، يجعل المنطقة مكشوفة أمام انعكاسات هذه الدورة من التوازن الأميركي الإيراني المهيأ كليا للدخول في العمق الجغرافي للمنطقة الخليجية من خلال الاشتباك الطائفي
"
وهو يؤكد مرة أخرى أن الاستجارة بإستراتيجية الأميركيين والاعتماد عليها، وخلو الفكر الإستراتيجي الخليجي من أي تصورات ذاتية لتأمين توازنات مع قوى حليفة وذات مصالح تتقاطع مع الأمن الخليجي، وفقدان عنصر الإرادة والمبادرة، يجعل المنطقة بالفعل مكشوفة أمام انعكاسات هذه الدورة من التوازن الأميركي الإيراني المهيأ كليا للدخول في العمق الجغرافي للمنطقة الخليجية من خلال الاشتباك الطائفي، والحديث عن تعزيز الإيرانيين له كما حصل في قضية البحرين الأخيرة وأحداث العنف ودعوات الطائفية الانفصالية وتأثيرات هذه الدوامة على الكويت وشرق المملكة
.

هنا فإن الحسابات تختلف ويتراجع حجم الممانعة الذاتية داخل جسم المجتمعات الخليجية، وعليه تكون المنطقة معرضة لأحداث فوضى وعنف تقود إلى مسارين، إما انفجار دموي عاصف داخل منظومة مجلس التعاون، وخاصة بتلاقي الانفلات في العراق واليمن وتداعياته، وإما حركة إنزال سياسي يتعاطى معها الأميركيون بصورة متقدمة بإعادة صياغة النظم في هذه المنطقة لمراعاة قوة التوازن الإيراني وبعده الطائفي داخل دول مجلس التعاون.

وما نعنيه بالضبط هو قناعة واشنطن التي ستفاجئ الخليج العربي بإقرار صيغ سياسية وإدارية لهذه المناطق، كجزء من التزام واشنطن ذات العلاقات المباشرة الحيوية مع بعض هذه الجماعات الطائفية الموالية لإيران.

وستعمل هذه الصيغ إما على إعادة تشكيل الهوية والرابط القومي على مساحات جغرافية محددة، أو بتعديل أساسي في نظم هذه الدول، أو بالإقرار الضمني لها بتغيير قواعد اللعبة التي تنتهي في كل الأحوال بأن تتقدم إيران ميدانيا داخل دول مجلس التعاون معتمدة على أن من سيقول للخليج العربي هذا عهد جديد عليكم التعامل معه هو واشنطن ذاتها.

إن ما يعزز هذا الإشكال ويزيد من خطورة سيناريو المستقبل هو ضعف وتراجع خطط الوحدة والتنسيق والمشاريع الردعية بين دول الخليج العربي، وضعف العلاقات الوطنية الدستورية الشاملة داخل أقطاره ليس مع الأقليات بل وحتى مع الغالبية المنتمية إلى البعد العروبي الإسلامي.

ويتمثل هذا الضعف في غياب ديناميكية الإصلاح وتعزيز الوحدة الوطنية بالعدالة والمساواة الحقوقية, بل إن دول الخليج العربي ذاتها لا تزال في موقف سلبي من قوى الردع الحقيقية للتوازنات الأميركية الإيرانية الخطيرة على المنطقة والتي تملك تصورات لاستقرار العراق والتصالح مع جيرانه واستقرار الخليج العربي.

وقد ضيّع الخليج الفرصة في دورات عديدة وها هي تتكرر ليعود السؤال القديم: على من يأتي الدور الجديد؟ وما هي تشكيلات وضريبة التغييرات في دول المنطقة؟ وهل تعود خارطة التقسيم الخليجي من جديد؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة