المجتمع الموازي في البيت العربي   
الخميس 1428/8/24 هـ - الموافق 6/9/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:17 (مكة المكرمة)، 14:17 (غرينتش)


كريمة بداوي

- واقع متناقض
- أبناء المدرسة الاستعمارية
- بعث القيم المشتركة

أفاقت الشعوب العربية بعد تعثر المشاريع النهضوية في بلادها على عالم عربي متضارب، يحمل في طياته بذور التنافر والصراع خاصة أن الشرخ القائم بين دعاة الحداثة ودعاة الإصلاح أدى إلى أن تفقد هذه الشعوب قدرتها على انتزاع الأهداف العملية الصالحة في دعوى كل فريق أو اتجاه مما أثر على نمو الوعي الجماعي فيها وبلورته.

وإذا كانت المجتمعات الناشئة تبحث دائما عن سند لها في مخزونها الأخلاقي لتكوين التزامها الاجتماعي، فإن المجتمعات العربية تقف وقفة حائرة، لأنه لم يعد يتوفر لديها لتكوين مثل هذا الالتزام غير إرادة أفراد يفتقدون كل رابط حقيقي مع الآخرين.

وهكذا في ظل مجتمع فقد وجهته واختل توازنه، نمت طبقات اجتماعية في شكل خطوط متوازية، يستطيع للمتأمل أن يرى العالم الثقافي العربي من خلالها بوجهين اثنين، وجه تقليدي أو محافظ وهو الوجه التاريخي عليه كثير من الحفر والأخاديد التي طبعها الزمن، ووجه مستعار حديث من صنع مقتبسي الحياة الأوروبية.

"
المجتمع العربي فقد وجهته واختل توازنه لأن العالم الثقافي العربي أصبح بوجهين اثنين، وجه تقليدي أو محافظ وهو الوجه التاريخي عليه كثير من الحفر والأخاديد التي طبعها الزمن، ووجه مستعار حديث من صنع مقتبسي الحياة الأوروبية
"
واقع متناقض

لذا يبدو واقعنا العربي اليوم على قدر كبير من التناقض، فهو يحتوي خليطا متنافرا من الأشكال الثقافية والصور والأذواق، تجد فيه المثقف الذي لا يربطه بالفلاح أو العامل أيما اتصال، وسيدة المجتمع التي تحرص على تعليم أبنائها آداب السلوك الأوروبي، والشاب الذي انفصل عاطفيا عن أصدقائه وأسرته باسم الالتزام.

ولست هنا بصدد إصدار حكم أخلاقي، وإنما أحاول التنبيه إلى خطورة الأوضاع الاجتماعية الجديدة إذ الأمر لم يعد يتعلق بانقسام نخبوي فقط، لأن التنافر الذي أدى إلى القطيعة والصدام وإلى تنامي ظاهرة العنف في بعض الدول العربية دليل على أنه لم يعد بإمكان الجميع التعايش في عالم ثقافي واحد.

وفي اعتقادي أن السبب يرجع في ذلك إلى الآتي:
- إن الرواسب القديمة التي لم تتم تصفيتها بعد من ثقافتنا الإسلامية جعلت من تدين ومحافظة الكثيرين لونا من ألوان الفرار والهروب، فالخوف من مخالفة بعض الأقوال الفقهية التي تستند في حجيتها إلى العرف والعوائد جعلنا عاجزين عن اجتياز مراحل تاريخية جديدة، وعن التقدم والإبداع في أفكارنا ونشاطاتنا.

وأصبح الإيمان عندنا نزعة فردية أو حكرا على جماعة صغيرة مما أفقد الدين دوره الأساسي في تركيب القيم الاجتماعية، وبذلك أصبحت ميول التدين عند البعض تعني القطيعة مع المجتمع أو تتخذ صورا أخرى كالانتقام والثورة عليه.

فالفرد الذي لم يعد يجد دوافع روحية أو مادية تربطه بالآخرين يكون عرضة لمشاعر اليأس والإحباط والشعور بالوحدة، ومن ثم التطرف والصرامة في الحكم والاختيار.

- نضيف إلى ذلك سببا آخر وهو عجزنا عن التأليف والتركيب بين ثقافتنا الإسلامية وبين ما نجلبه من الحضارة الغربية، فقد أدت عملية التحديث السريع التي خضعت لها الدول العربية عقب الاستقلال إلى أن تقتبس أشياء الغرب وأفكاره دون ضابط أو مقياس يحدد شروط التقليد ومستوياته.

فكنا نقتبس الأفكار ذات الطابع الأيديولوجي الفلسفي العام، ونقحمها في عالمنا بترويج وتهليل من دعاة الحداثة الذين لم يروا في مشكلة العالم العربي غير مشكلة تغيير النظم واستبدالها بنظم ديمقراطية على غرار الدول الغربية.

لذلك لم يهتموا برجل الشارع قط ولم يلمسوا همومه وآماله عن قرب، وإن كانوا يتجهون إليه غداة كل عملية انتخابية بخطب رنانة عن الحقوق والمواطنة.

وهم إذ يثورون فعلى القيم الأصيلة، وعندما يقتبسون يتجهون إلى نفايات الحضارة الغربية، يدفعهم إلى اختياراتهم الخاطئة عاداتنا العقلية الموروثة التي لا تكترث بالجوانب الفعالة والحية وطبيعة تكوينهم.

"
الظروف التي ساهمت في خلق تيار الحداثة في العالم العربي ذات صلة وطيدة بالاستعمار لأن المدرسة الاستعمارية التي جلبها الرجل الأوروبي معه كانت تهدف إلى خدمة وجوده دون أن تهتم بتأهيل وصقل مواهب أبناء المستعمرات
"
أبناء المدرسة الاستعمارية

والحقيقة أن الظروف التي ساهمت في خلق تيار الحداثة في العالم العربي ذات صلة وطيدة بالاستعمار، ويبدو ذلك واضحا بالنسبة للدول العربية التي عانت من وجوده العسكري والسياسي كدول الشمال الإفريقي.

فالمدرسة الاستعمارية التي جلبها الرجل الأوروبي معه كانت تهدف إلى خدمة وجوده دون أن تهتم بتأهيل وصقل مواهب (أبناء المستعمرات) حتى إذا ما اتجه خريجو هذه المدرسة إلى إكمال دراستهم في الجامعات الغربية عجزوا عن أن يكونوا ذواتا مفكرة.

لذلك لم يروا من الحضارة الأوروبية سوى وجهها النظري ولم يبحثوا إلا عن مسراتها ومنافعها التافهة، غافلين عن ملاحظة الأيادي الخفية والعقول المبدعة التي تعمل في انسجام تام لتسير وتدفع عجلة الحضارة الغربية.

أما بالنسبة للدول العربية التي فرضت عليها الحماية وكانت تتمتع بأجواء أكثر حرية فإن الاستعمار نسج لها خيوطا خفية ليراقب بها عن كثب حدود تحرك مجتمعاتها، وهو ما يفسر اتجاه أساتذة الجامعات العربية الشرقية وتلامذتهم من أصحاب البعثات العلمية الأولى إلى أوروبا نحو طرح فكرة عدم فعالية القيم الإسلامية والمقارنة بينها وبين القيم الغربية، ولا يخفى أن المقابلة هنا أي بين الصحة والفعالية ضرب من التزييف والخداع.

فعدم فعالية القيم الإسلامية في مجتمعاتنا العربية لا يعود إلى عدم أصالتها أو إلى انتهاء مدة صلاحيتها، بل إلى أنها لم تعد قيما عملية تندمج في سلوك الفرد وتوجه نشاطه الاجتماعي.

وإننا لنقرأ وصف الصحابة لكيفية تعاملهم مع الوحي بقولهم (فكنا نتعلم العلم والعمل جميعا) فلم يكن العلم بالنسبة إليهم نظريا مجردا وإنما وسيلة للعمل وترجمة حية له.

إن من نتائج تغييب القيم الإسلامية عن صنع أسلوب حياتنا المشترك والتمترس بدلا عن ذلك، خلف تقاليد وعادات أثرية هي غياب الترابط والانسجام بين طبقات السلم الاجتماعي من جهة وبين مجموع الأفراد الذين يفترض فيهم الولاء لمنظومة قيمية واحدة.

"
ما يحتاجه بيتنا العربي اليوم هو اجتماع أبنائه من مختلف الاتجاهات غير الإقصائية وتوصلهم إلى بناء أرضية فكرية مشتركة تكون منطلقا لإعداد ثقافة عربية أصيلة ومعاصرة في أجواء من الثقة والتفاؤل
"
بعث القيم المشتركة

وهذا مما ينذر باستحالة متابعة مسيرة النهضة العربية لأن الأمم التي تتهيأ للقيام بمثل هذه المهمة هي أمم قد نجحت في تجميع وتنسيق الفضائل المشتركة فيها بين العالم والحرفي، السياسي والفنان، بحيث يجسد كل واحد منهم ثقافة واحدة أي طريقة حياة مشتركة.

ولأن الحداثيين عندنا يتكلمون بلغة لا يفهمها الناس البسطاء سواء كانت عربية اللسان غربية المعنى والمضمون أو أجنبية خالصة، فإن الهوة ستزيد اتساعا ما دام هؤلاء يتنكرون لقيم مجتمعاتهم الأصيلة وهم يحزون في غير مفصل كما يقال.

وعندما يتحدثون عن الوطنية أو الروح القومية وعقولهم وألسنتهم غربية، فسيصطدمون على الدوام بالوجه التقليدي للمجتمعات العربية الذي هو الآخر بحاجة ماسة إلى التغيير والإصلاح.

إن ما يحتاجه بيتنا العربي اليوم هو اجتماع أبنائه من مختلف الاتجاهات غير الإقصائية، وتوصلهم إلى بناء أرضية فكرية مشتركة تكون منطلقا لإعداد ثقافة عربية أصيلة ومعاصرة، في أجواء من الثقة والتفاؤل حتى لا تخترق دولنا العربية من الداخل وتخضع إلى التقسيم والاحتلال باسم التعدد الثقافي وحماية الأقليات أو تحت أي مسمى آخر.
__________________
كاتبة جزائرية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة