معالم فكرية وإستراتيجية لحماية الثورة السورية   
الخميس 1435/2/3 هـ - الموافق 5/12/2013 م (آخر تحديث) الساعة 2:23 (مكة المكرمة)، 23:23 (غرينتش)
مهنا الحبيل



رهانات سياسية
القوة في الوحدة والتنسيق
الأصول الفكرية للخلافات

التطورات المركزية في محيط الثورة السورية تجاوزت كل آفاق الاستشراف التي طرحها المحللون وأضحت واقعا مُشاهدا تُرصد تفاصيله، وأهمها تكتل المحور الدولي والإقليمي لمواجهة الثورة السورية. وكل الخلافات أو التوافقات بشأن مستقبل صفقة واشنطن طهران تُجمع على قضية مركزية تتعلق باتفاق الطرفين ضد الشعب السوري والعمل على سحق ثورته.

ولن نُكرر ما عرضناه من معطيات ومسببات هذا التوافق، فهو الآن يجري العمل عليه فوق الأرض وليس تحتها فحسب، وتتجاذب هذه القاعدة الجديدة أطراف عديدة في المنطقة وتتعامل معها على أساس أنها إحدى ركائز صناعة الشرق الأوسط الجديد.

وبالتالي فكل دولة تريد أن تُقلص خسائرها وتزيد من مكاسبها إن أمكن، من إسرائيل إلى إيران إلى دول الخليج العربي الخاضعة لترويكة واشنطن الجديدة أو الخائفة منها، وإلى تركيا الحليف الإستراتيجي للثورة السورية.

رهانات سياسية
ونحن نتحدث عن مسار جديد للثائر السوري له شقٌ سياسي مهم، وإن كانت ركيزته من الميدان، فإننا نؤكد على ثلاث حقائق في المضمار السياسي:

ما يجري شرس وعنيف ضد الثورة، لكنّه ليس قدرا، ومساحة تغيّر الارتدادات واردة حين يتغير الميدان أو يطرأ خلاف أو تنازع لأطراف التجاذب مع الثورة السورية، فلا يجوز أن تجزع فصائل الثورة ولا مشروعها السياسي مما يجري 

1- ما يجري شرس وعنيف ضد الثورة السورية لكنّه ليس قدرا، ومساحة تغيّر الارتدادات واردة حين يتغير الميدان أو يطرأ خلاف أو تنازع لأطراف التجاذب مع الثورة السورية، فلا يجوز أن تجزع فصائل الثورة ولا مشروعها السياسي الذي يحتاج إلى إعادة صياغة جديدة يقوم بها المجلس الوطني السوري الذي تجاوب إيجابيا وانسجم مع تطورات الميدان في إعلان الجبهة الإسلامية السورية.

2- تركيا ودول أُخرى في ظل مواجهة حرب سرية تحت الأرض باتت تخشى من تحول قواعد هذه الصفقة إلى ضرب في حزامها الحيوي السياسي والإستراتيجي، وبالتالي الانتقام منها لمساندتها الثورة، وهو ما تتقاطع فيه مصالح دول عديدة تسعى لخلق أزمة في تركيا كل لحسابه.

وعليه فإن الموقف التركي تحرك بعد أن شعر أن طهران وواشنطن ستُسدد من حساب أراضيه وديمقراطيته، بعد أن خُذلت إسطنبول من عواصم عربية تدعم إسقاط الديمقراطية التركية وترفض عمليا الفرصة الذهبية للاستفادة من المحور التركي الصلب ذي المصلحة المشتركة الواضحة مع المشرق العربي.

3- وعليه يلعب المسار الثالث دورا رئيسيا في الفقه الثوري، وهو عدم السجال السياسي والإعلامي الحاد أو مصادمة هذه الدول التي تضطر للخضوع لقواعد اللعبة مرحليا ولكن قلبها ومصلحتها مع الثورة، وتفّهم الممارسة البراغماتية لا يعني الخضوع للعروض التي تنقلها هذه الدول أو المحاور المضرة بالثورة بدءا من مؤتمر جنيف، ولكن التعاطي المعنوي الإيجابي معها حتى عبور ترسانة الضغط، وفتح المجال أمام فرص جديدة لمهماتها تتحول بالاتجاه الآخر أي مصالح الثورة بعد التغير الميداني المنشود.

القوة في الوحدة والتنسيق
والثورات حين تصمد قاعدتها الميدانية فليس من السهل أن يقهرها التحالف الدولي، وهو ما تحمله تجارب عديدة في العالم، فضلا عن هزيمة هذا العالم الأميركي وبشراكة إيرانية أمام مقاومة طالبان بغض النظر عن رؤى الحركة المتشددة.

لكن ذلك لا يعني عدم وجود خطر إستراتيجي على الثورة السورية تكثّف في اختراق خطوط حلب الأخيرة، والتراجعات منذ سقوط القصير أمام التحالف الإيراني، ولن يوقف هذا التقدم وبالتالي العودة للمسار السياسي عبر القوة الواقعية على الأرض وفرض شروط الثورة أو مساحة العبور لطموح الشعب، دون أن يوقف هذا الزحف وتتحول الثورة إلى مواقع هجوم مركزي.

حينها ستتغير قواعد التعاطي السياسي مع الثورة، والفطنة والذكاء هي أن تُحوّل مشروعك لمصالح الشعب السوري كقاعدة التغيير مع الفرقاء والوسطاء، وتفرض خطتك لما بعد الأسد.

ولذلك كان لا بد من أن يتغير وضع الميدان السوري ويتحول إلى كتل صلبة تمهيدا لتجميع هذه الكتل وتنسيقها، وعليه فإن مشروع الجبهة الإسلامية جاء في توقيت دقيق وحسّاس لمسار الثورة يُساهم في إنقاذ المشهد الحالي، لكن لا يزال الطريق في أوله لخطة الاسترداد.

إنه من المهم للغاية أن تعرف الجبهة الإسلامية وفصائل الجيش السوري الحرّ التي لم تنضم لها، أن عوامل ردع الحرب العالمية على الثورة السورية تنطلق من عدة مسارات مرتبطة بهما بالدرجة الأولى.

ونحن هنا نؤكد على أن قضية وجود تشظ وعناصر مسيئة في الجيش الحر وضعيفة أمرٌ معروف، لكنه لا يُلغي السجل الفدائي العظيم والتأسيسي للثورة وانخراطه في تدشين الكفاح المسلح، الذي وبرغم كل الآلام والأخطاء هو ما منع تكرار ذبح ثلاثين ألف سوري، كما جرى في حماة 1982، في عشرات المدن وتصفية الثورة وضياع الضحايا والمشروع معا.
يجب تجنب السجال السياسي والإعلامي الحاد أو مصادمة الدول التي تضطر للخضوع لقواعد اللعبة مرحليا ولكن قلبها ومصلحتها مع الثورة، وتفّهم الممارسة البرغماتية لا يعني الخضوع للعروض التي تنقلها هذه الدول أو المحاور المضرة بالثورة بدءا من مؤتمر جنيف

وهذا لا يعني عدم وجود أخطاء أو مراجعات قبل تدشين الثورة تصنع واقعا يسمح بملاذ أفضل للمدنيين وتقليل ضحاياهم، لكنه في نهاية الأمر لم يُكن ممكنا أن يوقف نظام الأسد عن القتل دون كفاح مسلح.

أما العناصر اللازمة للجسم المركزي القادم لميدان الثورة فهي كالآتي:
1- الجبهة الإسلامية مشروع تأسيس لتحالف وحدوي قوي، وليس بالضرورة أن يُنتظر حتى تنخرط فيه كل الفصائل، وتوأمها الشقيق في هذا المشروع الفصائل الفاعلة القوية في الجيش السوري الحر، وحين يُعلن هذا التحالف العسكري بمتطلباته اللوجستية والإستراتيجية، فإن قوة الثورة الميدانية ستتحول إلى عهد جديد بعون الله.

2- كل ثورة نجحت في العالم لها مشروع سياسي، بما فيها طالبان التي انتصرت بوحدة ميدانها وتحييد القاعدة عن اختراق جسمها وقيادتها، وفتحت مكتبا في الدوحة للتفاوض على مشروع سياسي ترتضيه، ثم أغلقته حين راوغ الأميركيون، وهم يعودون من جديد للتفاوض معها عبر باكستان.

وهنا المشروع السياسي في سوريا له طبيعته المنطلقة من ثوابت مجتمعه، والقول بحق الشعب الثائر في مرجعيته الإسلامية لدولته الجديدة هو قول وقاعدة صحيحة مشروعة.

لكن ذلك لا يجيز أن يتحول الموقف عن فقه الضرورة الشرعية التي هي من أصول الفُتيا في دفع الضرر الأكبر وتنظيم الرؤية السياسية للدولة الجديدة من خلال أفق الشرع الأكبر، وليس من خلال رؤية محدودة لا تتجاوز تطبيق الحدود على الأفراد ولا تفقه حقوق الله في حدوده لحريات الشعوب.

وعليه فينبغي أن تعي الفصائل الإسلامية على ماذا تُفاصل الناس، وما هو المشروع والممنوع في دستور الدولة بفقه الشرع وتوجيهات تطبيقاته المرحلية، قبل أن تتحول هذه الشعارات إلى مواسم صراعات، والعدو يزحف على الأرض فيحرق مشروع الثورة كله لا فكرة دستوره.

والتوجه الإسلامي الذي معه كل الحق في التركيز على الميدان لا يحتاج إلى ملاعنة السياسة والسياسيين في الثورة عند كل بيان ومعركة، بل يُركز في معركته ويتواصل بذاته وعبر ممثليه لإنجاز المشروع السياسي الذي يرتضيه دون ضجيج.

3- أما العنصر الثالث في تأمين الجسم الصلب للعهد الثوري الجديد فهو طبيعة العلاقة مع جبهة النصرة، وقد تجاوزنا داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) رغم خطورة مشروعها واستمرار وجوده على الأرض لأن الثورة تتوجه اليوم إلى توحد في تصوراتها عن التعامل مع مجموعات داعش، تتسع بين علاقة إيجابية مع مجموعات سليمة منها لضمان صعود العمليات القتالية ضد العدو وتحديد موقف في المستقبل من وجودها كمشروع لا أفراد في العهد السوري الجديد، وبين الاضطرار لردع مجموعات المخابرات أو التكفير المسلح منها عسكريا.

ولكن جبهة النصرة ورغم تورط بعض مجموعاتها والتباسها بثقافة داعش، إلا أنها بالجملة تتعامل مع قواعد اللعبة المشتركة للثوار، ولكن هذا الأمر لا يكفي لإقرار طمأنينة كاملة للميدان وبالتالي تفرّغه لحسم عسكري يؤسس عليه مشروعا سياسيا لمصالح الشعب لا أرضا محروقة.

والتغير في مصادر التمويل الشعبي الخليجي مؤخرا إثر توافقات مهمة ووعي جديد تختطه الحركة السلفية في الخليج العربي جيد وإيجابي، لكن لا بد له من دعم تصور واضح عن العلاقة المستقبلية بين الثورة وبين جبهة النصرة تُحدد بها معالم المستقبل السياسي، ولو كان ذلك ضمن التفكير المصلحي فلا حرج أن يُمارسه الثوار والنصرة، وهو يمارس من كل أعدائهم المتخالفين في جذورهم.

الأصول الفكرية للخلافات
إن هذه القضية في أي تفاهمات مستقبلية تحتاج إلى مسار محوري تقوم بها الحركة السلفية العلمية في المنطقة، وهي مواجهة وتفنيد الأطروحة الخطيرة التي قد تُسيطر على مجموعات من منسوبي جبهة النصرة وغيرهم.

وجود تشظ وعناصر مسيئة وضعيفة في الجيش الحر أمرٌ معروف لكنه لا يُلغي السجل الفدائي العظيم والتأسيسي للثورة وانخراطه في تدشين الكفاح المسلح، الذي وبالرغم من كل الآلام والأخطاء هو ما منع تكرار ذبح ثلاثين ألف سوري، كما جرى في حماة 1982، في عشرات المدن

وهي الموقف من مدارس أهل السنة الكبرى، واعتقاد هذه العناصر أن هذه المدارس حتى لو انتسب إليها علماء كبار أو شخصيات قيادية مهمة، من الملا عمر حتى الشيخ حسن الشافعي وكيل الأزهر، هي ضمن دائرة التكفير والتضليل لعدم مطابقتها لما يعتقدونه، ومهما هدأت هذه الفكرة فهي تعود للطرح في أوقات صعبة للأمة، ويُبنى عليها وعن جهل واسع عدم قبول بأي خلاف اجتهادي وعليه تعلن المواجهة العسكرية، وهكذا تشتعل البلدان وتتفاقم الأزمات.

نعم هناك عناصر أخرى من الفرقة والاختراق ساهمت سلبيا في تأزيم قضايا عديدة للأمة، لكن هذا المسار الخطير -وهو اعتقاد منهج مذهبي بأن مخالفيه في مدرسة الاعتقاد الكبرى لأهل السُنة التي تنسب للأشعري أو الماتريدي ومذاهب الفقه الأربعة، هي مظنة الضلال والتكفير، وبالتالي مواجهة شعوب وعلماء هذه المدارس بالسلاح- خطير جدا، وهو يؤسس لكل تطرف بعده.

لقد أفادت مشاريع المخابرات العالمية من نشر هذه المفاهيم بصيغ مدنية أو عسكرية، حتى يتسنى لها توجيه هذه الفكرة لتأمين تدفق مصالحها النفطية أو الجيوستراتيجية، فيقتل الشاب نفسه من أجلها ويقطع رأس قائد ثائر تحت رايتها.

واليوم هناك وعي كبير غير مسبوق لدى الحركة السلفية العلمية، فباتت تدرك أطياف منها أن مدرسة الإمام ابن تيمية السلفية الملقب بشيخ الإسلام والمدرسة السلفية القديمة في الشام ليست تلك المذهبية التكفيرية الخطيرة المدنية أو المسلحة، بل هي منهاج تجديد مبدع، وضرورة لتنشيط العقل المسلم في استنباطات معاصرة ومراجعات أصولية، فتشكل إضافة تنوع لا قاعدة استئصال لغيرها.

فيما تَحوّلت مصطلحات سلفية لمادة شوهاء تُستخدم لسفك الدماء المعصومة وفتح الأرض الإسلامية لمصالح الغزاة بحجة الدفاع عنهم.

ولقد أطنبنا في هذه القضية الفكرية لقناعتنا بعد رصدنا بخطورة تكرار صناعة الفوضى الفكرية عبر هذا الغلو الممهد للفوضى الدامية وخسارة المسلمين لمشاريعهم الثورية والإصلاحية.

وحين تضبط هذه الأفكار بمنهجية دقيقة فإن ميدان سوريا سيحافظ على توازنه ويستعيد مبادرته بمنهج واضح المعالم لإحباط أخطر حروب العهد الأميركي الإيراني الجديد.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة