نحو إعادة ترتيب الثورة السورية   
الخميس 1433/7/11 هـ - الموافق 31/5/2012 م (آخر تحديث) الساعة 14:48 (مكة المكرمة)، 11:48 (غرينتش)
مؤمن بسيسو

ترتيب الثورة داخليا
ترتيب الثورة خارجيا
الروافد الإعلامية

الروافد الثقافية

الجرح النازف في سوريا لا يزال مفتوحا، والنظام الدموي المجرم لا يزال يصب حممه على رؤوس الأبرياء ويراهن على إسقاط الثورة عبر بوابة القهر والعربدة والإجرام. ومع إشراقة كل صباح تهفو قلوبنا إلى المظلومين في سوريا الإباء، وترنو أبصارنا إلى الهبة الشعبية التي تتطور وتتسع دوائرها يوما بعد يوم رغم قمع ودموية وإرهاب نظام الطاغية الأسد وزبانيته المجرمين.

قبل أيام أثلج قلوبنا النبأ التي أعلنته إحدى مجموعات الثورة السورية باستهداف خلية الأزمة التي تدير معركة النظام الدموي ضد الشعب السوري، وضرب النواة المجرمة التي ترسم مخططات النظام وتشرف على تنفيذها في وجه الشعب السوري وثورته الباسلة.

وأيا كانت التفاصيل المرتبطة بالخبر، ومدى دقة أو صحة خبر استهداف رؤوس الظلم والإجرام الذين أوغلوا في دماء السوريين الأبرياء، فإن ما جرى يعد تطورا بالغ الأهمية لجهة التأكيد على ضرورة العمل الثوري، رأسيا وأفقيا، على السواء، وإعادة ترتيبه داخليا وخارجيا، وخلق الروافد الإعلامية والثقافية العربية الداعمة له خلال المرحلة المقبلة.

ترتيب الثورة داخليا
تحتاج الثورة السورية، أيما احتياج، إلى ترتيب بناها ومجموعاتها العسكرية تحت لواء واحد ومظلة موحدة، والدفع باتجاه تهيئة عناصرها وكوادرها العسكرية لتنفيذ خطط وأعمال نوعية تستهدف ضرب رؤوس النظام والإثخان في مفاصله العسكرية والأمنية التي تنشر الموت والخراب والدمار في ربوع الوطن السوري العزيز.

ترتيب شؤون الثورة السورية داخليا، بمساريها المتوازيين: سلميا وعسكريا، يشكل حجر الزاوية على طريق إسقاط النظام الأسدي المجرم

لم تعد هناك فائدة عملية من استمرار بكاء وعويل البعض وإدامة تنظيرهم لسلمية الثورة وضرورة تنقيتها من البعد العسكري، إذ أن التطورات المتسارعة التي يشهدها الواقع السوري، وحجم فجور وإجرام النظام يفرض العمل على مسارين متوازيين، أولهما دوام سلمية الثورة الشعبية، والآخر تفعيل العمل العسكري وتركيزه وتطوير آلياته كي يغدو أكثر دقة وإيلاما وأقرب إلى تحقيق الأولويات المرسومة والأهداف الموضوعة.

في مسارها الأول تسير الثورة وفق نسق مطرد من النجاح، وتتلمّس مفاعيل النجاح يوما إثر آخر، لكنها تحتاج في مسارها الثاني إلى كثير من الجهد والاجتهاد لتصويب عملها العسكري وتركيزه على البؤر والمفاصل الأكثر تأثيرا في النظام الأسدي، كي تنجح في الفكاك من فخ الاستنزاف الذي تستدرجها إليه قوى النظام، والتمكن من إنهاك رأس ومفاصل النظام بين يدي إسقاطه في أقرب وقت ممكن.

المهمة ليست سهلة، وتستلزم أولا توحيد الخلايا والمجموعات العسكرية المقاومة تحت قيادة واحدة، ومن ثم رسم رؤية ذات بعدين: تكتيكي وإستراتيجي حول كيفية ضرب ومواجهة وإسقاط النظام، متوسلة بالتخطيط الدقيق لأعمال عسكرية نوعية تراعي الابتعاد قدر الإمكان عن الممارسة التقليدية والمواجهة المفتوحة.

إن ترتيب شؤون الثورة السورية داخليا، بمساريها المتوازيين: سلميا وعسكريا، يشكل حجر الزاوية على طريق إسقاط النظام الأسدي المجرم، والعنصر الدافع الأهم نحو بلورة جبهة خارجية فعالة مساندة للنضال الداخلي.

ترتيب الثورة خارجيا
إن متطلبات الثورة السورية في الداخل يرافقها أزمة على مستوى فصائل ومجالس وهيئات الثورة في الخارج التي تبدو أشد ما تكون حاجة اليوم إلى إعادة صياغة على مستوى البنى والهياكل والبرامج السياسية والرؤى التنسيقية كي تلاحق مستجدات الثورة السورية الشعبية في الداخل، ولا تبقى رهينة الشعارات المجردة والاختلافات العقيمة التي تدور خارج الزمن في الوقت الذي تمضي فيه الثورة الشعبية إلى الأمام دون أي التفات إلى الوراء.

باختصار، فإن تجليات الثورة السورية على الأرض لا يكافئها انعكاس مواز لجهد الفصائل والمجالس والهيئات المنضوية تحت إطار الثورة في الخارج لجهة استثمار الدم المهراق والتضحيات الفياضة المبذولة في الداخل، بما يبلور قوة سورية تنظيمية متماسكة تستطيع التأثير في الاتجاهات ومجريات المواقف السياسية ذات العلاقة بالوضع السوري من جهة، وإقناع بقية الشرائح الشعبية السورية بالانضمام والمشاركة في فعاليات الثورة من جهة أخرى.

حتى اللحظة لم تقدم فصائل ومجالس وهيئات الثورة السورية في الخارج أداء مقنعا يرقى إلى مستوى الاحتياجات التاريخية المطلوبة على طريق إنجاح الثورة وإضعاف قوة وتماسك النظام الذي يجترح التذاكي السياسي المفضوح، ويعمد إلى الهروب إلى الأمام عبر ارتكاب مزيد من الجرائم، ويحاول التأقلم مع تقلبات المرحلة ومستجدات المواقف الدولية.

ومن هنا فإن إعادة ترتيب وإصلاح الواقع الداخلي لبنى وهياكل الثورة السورية يشكل المدخل الأساس لإعادة الاعتبار للثورة السورية ككل، وحمل العالم والمجتمع الدولي على تقويم اعوجاج مواقفه تجاه الدماء السورية النازفة، وإجباره على بلورة مواقف حقيقية وإجراءات ضاغطة تتجاوز دائرة الصمت على جرائم النظام إلى دائرة حصاره والضغط المباشر عليه وسلب مقومات بقائه السياسي والاقتصادي.

الروافد الإعلامية
يشكل الإعلام طرفا أساسيا في الثورة السورية الشعبية في مواجهة قهر وجبروت واستبداد النظام.
ومنذ اندلاع شرارة الثورة في سوريا لعبت بعض وسائل الإعلام دورا رياديا في إسناد الثورة ودعم المطالب المشروعة للشعب السوري وفضح الجرائم التي يقترفها النظام.

المهام والمسؤوليات المناطة بوسائل الإعلام العربية ينبغي أن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية التي تعيشها الشعوب العربية التي تشق طريقها للخلاص من نير الظلم والدكتاتورية

لكن الدور الإعلامي العربي تجاه الثورة السورية بشكل عام ظل قاصرا عن نصرة الشعب السوري، وبقي يراوح في إطار النقل التقليدي للأخبار بعيدا عن أي محاولة لصناعة إعلام قوي وضاغط يسهم في التأثير على صناع القرار الدولي وتحشيد الرأي العام عربيا ودوليا إلى جانب الشعب السوري في مواجهة بطش وجرائم النظام.

يخطئ أهل الإعلام وسدنته حين يعتقدون أن أخلاقيات ومواثيق شرف المهنة تفرض قيودا وحدودا على تغطياتهم الإعلامية وتحصرها في مجرد النقل الأوتوماتيكي للأحداث، فالإعلام –حسب المفهوم العصري الحديث- بات يمارس وظيفة اجتماعية وسياسية واضحة، ويتولى خلق وصناعة ميول واتجاهات الرأي العام، والترويج للقيم والمفاهيم في المجتمع.

لذا، فإن المهام والمسؤوليات المناطة بوسائل الإعلام العربية ينبغي أن ترتقي إلى مستوى اللحظة التاريخية التي تعيشها الشعوب العربية التي تشق طريقها للخلاص من نير الظلم والدكتاتورية والاستبداد، وأن تنسجم مع قيم الحرية والعدالة والكرامة التي تشكل روح وقوام الوجود الإنساني، وألا تتمنطق بمعاذير باهتة وحجج ساقطة لتبرير تخلّفها عن ركب التغيير السائر وتقاعسها عن تقديم النصرة المطلوبة للشعوب العربية الثائرة التي تدفع دمها ثمنا لتحررها وصناعة مستقبلها، وعلى رأسها الشعب السوري الشقيق.

الرافد الإعلامي العربي يشكل أحد عناصر الدفع الأساسية باتجاه دعم وإسناد الثورة السورية، وها هنا فإن الإعلام العربي اليوم على شفا اختبار عسير وامتحان صعب لجهة إعادة صوغ رؤيته ومعالجاته للشأن السوري، وتقديم نموذج إعلامي عربي مشرق ينسجم مع الوظيفة الأهم للإعلام ويتماهى مع القيم الأخلاقية والعروبية الكبرى.

الروافد الثقافية
كثيرا ما جاهرنا بأن ضرورات الكثير من الساسة والحزبيين العرب التي تمنعهم من المجاهرة بالرأي البواح والموقف الصريح إزاء الثورة السورية لا تُلزم خيارات المثقفين، فالمثقف يجب أن ينأى بنفسه وروحه عن التماهي مع أجندة السياسي، والدوران معه حيثما دار، والارتحال معه أينما ارتحل، وأن يحتفظ لنفسه بحق التعبير عن ضمير الأمة وقيمها الناصعة بكل شفافية ووضوح، ودون وجل أو تردد أو تقصير.

وهناك رأيان يتنازعان مشهد تقييم مواقف الساسة العرب إزاء الثورة السورية، فهناك من يلتمس العذر للسياسيين ولا ينكر عليهم موقفهم الصامت الذي ينطلق من اعتبارات مصلحية بحتة، فللسياسة ظروفها وللضرورة أحكام كما يقولون، وهناك من يعتقد أن قيم الحرية والكرامة والعدالة هي قيم مطلقة وثوابت إستراتيجية ولا يجوز أن تتعرض للخدش أو الامتهان بأي حال من الأحوال، وبالتالي فإن على السياسيين أن ينسجموا معها ويحترموا إرادة الشعوب وخياراتها في تحديد مصيرها ومستقبلها.

لكن أحدا لا يستسيغ تبرير تقاعس المثقفين العرب بشكل عام عن التفاعل الإيجابي مع مستجدات الوضع السوري الذي تنطق أحداثه كل يوم بفداحة الجرم وعظم المصاب الذي ابتلي به الشعب السوري على إيقاع مواقف وجهود دولية باهتة ومحاولات خبيثة من لدن بعض الدول للتغطية السياسية على جرائم نظام الأسد بعيدا عن أية قيمة إنسانية أو مبدأ أخلاقي أو ميثاق قانوني.

معظم المثقفين العرب –على اختلاف أطيافهم وتلاوينهم- يعيشون سلبية مفرطة وركودا عجيبا إزاء دعم الثورة السورية إلا من رحم الله، فهؤلاء لا تتجاوز مساهماتهم حدود وإطارات المعالجة التقليدية في أفضل الأحوال، وتتملكهم شحنات واسعة من الإحباط الذي يُقعدهم عن التفكير المبدع واشتقاق الصيغ والوسائل الفعالة لاستثمار الواقع المحيط بما ينعكس، أثرا وفائدة، على الشعب السوري وثورته المباركة.

من المعيب أن تتحرك الثورة السورية من حولنا ولا تجد لها صدى حقيقيا في أوساط مثقفينا، اللهم إن كان البعض يعتقد أن تعليقه أو حديثه بكلمة هنا أو هناك قد أسقط فروض الواجب التي تحاصر روحه وتخنق كيانه ما لم يلبّ متطلباتها ويؤدي استحقاقاتها.

المثقفون العرب يقفون اليوم على مفترق طرق حاسم، فهل يستعيدون روح العمل والحياة والمبادرة من جديد، أم يواصلون بكائياتهم على أطلال الواقع العربي؟!

ننشد اليوم حراكا ثقافيا تتأجج اتجاهات عمله، طولا وعرضا، في تفاعل مميز مع ربيع الثورات العربية، وعلى رأسها الثورة السورية، التي تُهتك عرى الإنسانية فيها لحظة بلحظة.

نريد حراكا حقيقيا ذا أبعاد شاملة ينتظم الكثير من الفعاليات والمعالجات المنظمة التي تقوم بحق الدين والعروبة والجوار واللغة والتاريخ من جهة، ومن جهة أخرى تستثمر الموجات الارتدادية للربيع العربي الثائر سورياً عبر حراك مجتمعي، يقوده المثقفون، وينفض عن كاهله غبار السلبية والتواكل، وينزع عن كيانه ارتكاس الروح وهبوط الإرادة والسير مع تيار الواقع واتجاهاته البائسة.

الحراك المطلوب إيجابي من الألف إلى الياء، ولا يستهدف التحريض أو الزعيق في الفضاء بمعزل عن أهداف مرسومة وخطة واضحة، فنحن لا نتحرى سوى تحقيق القيم والثوابت الكبرى كالحرية والعدالة والكرامة، ولا ننشد تحقيقها إلا بوسائل مشروعة وأساليب بناءة تضبط بوصلتها دوما في الاتجاه الصحيح دون أي زيغ أو انحرافات عن سلامة ومقاصد الطريق.

المثقفون العرب يقفون اليوم على مفترق طرق حاسم، فهل يستعيدون روح العمل والحياة والمبادرة من جديد، أم يواصلون بكائياتهم على أطلال الواقع العربي، فيما تتجاوزهم الأحداث وتلقي بهم وراء حائط التاريخ؟!

خلاصة القول.. لا يزال أمام الثورة السورية الكثير من المهام والاحتياجات كي تنجح في مواجهة نظام دموي ذي إسناد وتغطية سياسية خارجية، وأولى تلك المهام إعادة ترتيب شؤون الثورة، بنى وبرامج، من جديد، وتأمين قوى وروافد الدفع الإعلامية والثقافية المطلوبة خلال المرحلة المقبلة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة