حكومة كرزاي.. إنجازات وإخفاقات وتحديات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ الطاهر عمارة الأدغم

الفترة المنصرمة من عمر الحكومة
الصورة القاتمة للأحزاب والصراع
المستقبل وكل الاحتمالات

بدأت حكومة الرئيس حامد كرزاي تزحف نحو سلخ حولين كاملين من عمرها، ويوما بعد يوم تتباين الآراء حولها بشدة، والاختلاف هو القاعدة في أفغانستان وربما في كل شيء، لكن ما يصعب الاختلاف عليه هو أن هذا البلد وأهله والصراعات الإقليمية والدولية حوله، تجعل من أي تحليل أو توقع قابلا للسقوط في أي لحظة.


أول مشكلة واجهت الرئيس كرزاي ومازالت هي ضعف سيطرة الحكومة المركزية على جميع ولايات أفغانستان
الفترة المنصرمة من عمر الحكومة

مسيرة الفترة المنصرمة من عمر حكومة الرئيس حامد كرزاي خليط من الإنجازات والإخفاقات، والتقييمات حولها متضاربة، فهناك من يراها مرحلة سوداء قاتمة، لأنه في صف المعارضة على الإطلاق، وعين السخط تبدي المساوئ.. والذين يرون في المشروع الأميركي جنة وخلاصا، يرون في الرجل وحكومته جوامع الخير ومحاسن الأولين والآخرين، فعين الرضا عن كل عيب كليلة.

وفيما يأتي نتناول أهم القضايا التي خاضت فيها حكومة كرزاي أو ما زالت تخوض في غمارها، ونناقشها بعيني الرضا والسخط في آن واحد.

وأول مشكلة واجهت الرئيس كرزاي وما زالت هي ضعف سيطرة الحكومة المركزية على جميع ولايات أفغانستان، فلا أحد في الولايات القريبة أو البعيدة يبدي معارضته للحكومة، لكن في المقابل قلائل هم أولئك الذين يلتزمون بكل أوامر الحكومة، وظلت وزارة الداخلية تعاني من مشكلة الولاة والزعماء المحليين الذين يستمدون قوتهم من قبائلهم أو من تاريخهم الجهادي، أو من حجم الأموال التي يجبونها من الجمارك، وكان استبدال هؤلاء القادة خاصة الكبار منهم مشكلة عويصة يصعب حلها.

وفي محاولة للحد من نفوذ هؤلاء القادة والولاة اجتمع مجلس الأمن القومي الأفغاني بتاريخ العشرين من شهر مايو/ حزيران الماضي، وبحضور اثني عشر واليا يمثلون الولايات الحدودية، وأصدر قرارات حاسمة منها عدم جواز الجمع بين منصبين مدني وعسكري في الولايات، وعدم سفر الولاة إلى الدول المجاورة إلا بإذن من الحكومة، ومنعهم من توقيع اتفاقيات منفردة مع هذه الدول، وتسليم أموال الجمارك كلها للحكومة المركزية.

وكان الرئيس كرزاي والفريق الذي يخطط له يدرك جيدا أن بقاء هؤلاء القادة والولاة سيظل عقبة كأداء في وجه نفوذ الحكومة المركزية ولا بد من استبدالهم بقادة وولاة آخرين يستمدون قوتهم ونفوذهم من الحكومة المركزية فقط وهو ما بدأت فيه الحكومة فعلا.

فقد نجحت يوم الثالث عشر من شهر أغسطس/ آب الماضي في إقناع والي قندهار بتولي منصب وزير الإسكان وإعمار المدن في كابل، وأرسلت بدلا منه إلى قندهار المهندس يوسف بشتون العائد من الخارج وخريج الجامعة الأميركية في بيروت الذي كان يتولى الوزارة نفسها.

وفي اليوم نفسه أرغم رجل ولاية هرات القوي إسماعيل خان على التخلي عن منصب قائد الفيلق الرابع في هرات والبقاء فقط في منصب الوالي.

وربما بالعصا والجزرة الأميركية يمكن لحكومة الرئيس كرزاي أن تتخلص ممن تريد من القادة والولاة وتجبرهم على الإقامة في كابل أو الانسحاب من المشهد العسكري والسياسي نهائيا.

لكن المشكلة التي تظل مستعصية على الحل ولو إلى حين هي مشكلة هوية الحكومة الحالية والمستقبلية، والصراع الخفي بين التيارات المكونة لها والتي أجبر أفرادها عبر العصا الأميركية على الظهور بمظهر المتحابين المتحدين.

فحرية الصحافة دفعت بالخلافات بين التيارات المختلفة إلى واجهة الأحداث، وبرز الصراع على أشده بين التيار الإسلامي، وبين النخبة المثقفة العائدة من الغرب والتي تحتل مناصب حساسة في الحكومة، ولها من الصحف والمنابر الإعلامية والثقافية الكثير.

والمشكلة بين الطرفين تتلخص في أن النخب العلمانية تتهم المجاهدين بأنهم من دمر البلاد وقتل وشرد العباد، والمجاهدون يتهمون العلمانيين بأنهم كانوا ينعمون في مختلف أصقاع الدنيا، عندما كان الشعب والأرض يتعرضان للاحتلال الروسي.

وإضافة إلى هذا الصراع بدأت أحزاب أخرى وتيارات كثيرة تظهر وتعبر عن نفسها عبر جمعيات وجرائد، وحتى أن الشيوعيين عادوا إلى العمل العلني وأسسوا حزبا أطلقوا عليه اسم الاتحاد القومي، غير أن وزير العدل عباس كريمي وهو مجاهد سابق اعترض على إعلان الحزب وقال إن الدستور لا يخول الشيوعيين أي عمل سياسي علني، أما الملك السابق ظاهر شاه فقد أعلن أنصاره عن حزب يدعو إلى ملكية دستورية في أفغانستان كأفضل سبيل للاستقرار والسلام اعتمادا على فترة الأربعين سنة التي حكم فيها الملك ظاهر شاه البلاد وكانت أطول فترة استقرار تشهدها أفغانستان الحديثة.


القادة المحليون وانتشار السلاح لن يؤديا إلى انتخابات نزيهة، فقادة الحرب سيكونون نواب الشعب القادمين إذا تمت الانتخابات في مثل هذه الظروف، وهو أمر لا يحبذه الذين يخططون لأفغانستان الغد
الصورة القاتمة للأحزاب والصراع

ومع هذه الصورة القاتمة للأحزاب والصراع الذي قد يتفجر مجددا، ويعود بالبلاد إلى الوراء من جديد، فإن هناك من يرى فيما يحدث بداية مخاض لحياة سياسية ومرحلة جديدة يتجادل الأفغان فيها بالكلمة والفكرة، بدل الرشاش والمدفع، ويعقد هؤلاء المتفائلون الأمل على الدستور والانتخابات القادمة.

فوجود دستور حديث تتضح فيه الصلاحيات وتتحدد فيه الخطوط العامة لسياسة الدولة سيزيح كثيرا من المشاكل ويحول دون الوقوع من جديد في مستنقع الخصومات العرقية والحزبية والأيديولوجية، وانتخابات عامة تفرز حكومة منتخبة وقوية، سيقطع الطريق على كل من تسول له نفسه البقاء أو الوصول إلى السلطة بسند عرقي أو بدعم خارجي على حساب الشعب ومصالحه الوطنية العليا المتفق عليها من الجميع.

لكن هذه الآمال لا يرى فيها البعض ممن يحسبون أنفسهم أكثر واقعية من غيرهم، إلا أحلاما وخيالا لا متسع له في أفغانستان، لأن الواقع شيء آخر تماما، فالدستور الجديد وقبل أن يجتمع مجلس لويا جيرغا لإقراره تحوم حوله الشبهات من طرف، وينتقده طرف آخر بحدة، فالإسلاميون يرون أن الدستور يصنع على أعين أميركا وسفارتها في كابل، ولهذا لن يكون أبدا إسلاميا أو متماشيا مع تطلعات الشعب الأفغاني الذي قاتل الروس وهزمهم من أجل الإسلام وحده كما يقول هذا الفريق.

والنخب العلمانية ترى أن وجود البروفيسور نعمت الله شهراني على رأس لجنة الدستور وهو أستاذ دراسات إسلامية سابق في عدة جامعات، سينتج دستورا متزمتا، ولن يتناغم مع تطلعات العلمانيين في دستور يضمن فصل الدين عن الدولة، وعلمانية التعليم والقضاء وحتى الأحوال الشخصية ربما وبقية القضايا محل الخلاف.

أما الانتخابات فإن مسؤولين في الحكومة نفسها يشككون في إمكانية تحقيقها في موعدها، فأمام عملية إعداد قوائم الناخبين عقبات كثيرة، ولعل من أهمها الأمن خاصة في أقاصي البلاد، إضافة إلى نسبة الأمية الكبيرة في أفغانستان، ونقص الوعي بصفة عامة.

كما تظل مشكلة المرأة عقبة أمام لجان التسجيل، فالتصريح باسم الزوجة وحتى البنت الصغيرة ما زال عيبا يستحي منه رب الأسرة في أكثر القرى والأرياف في أفغانستان، وقد حاولت إحدى الحكومات سابقا القيام بعملية إحصاء في أفغانستان، وتوجه أحد مندوبي لجنة الإحصاء إلى أطراف العاصمة كابل، وحين سأل صاحب بيت عن اسم زوجته قال له انتظر قليلا ودخل البيت وأخرج بندقية وقتله، وقضت هذه الحادثة على هذه العملية في مهدها.

إضافة إلى أن القادة المحليين وانتشار السلاح لن يؤديا إلى انتخابات نزيهة، فقادة الحرب سيكونون نواب الشعب القادمين إذا تمت الانتخابات في مثل هذه الظروف، وهو أمر لا يحبذه الذين يخططون لأفغانستان الغد.

ومن جانب آخر فإن عملية نجاح الدستور والانتخابات كما يرى البعض، ترتبط بشكل مباشر بالجيش الوطني الجديد ومدى النجاح في تشكيله وسيطرته على جميع نقاط أفغانستان، وهذا الجيش نفسه ما زال محل خلاف، فوزير الدفاع المارشال محمد فهيم ومن حوله من المجاهدين السابقين غير راضين تماما عما تفعله الريشة الأميركية في رسم ملامح وجه الجيش الأفغاني الجديد.

وصحيح أن كثيرا من المسلحين في أنحاء مختلفة من أفغانستان وزعت عليهم ملابس عسكرية من قبل وزارة الدفاع، وصحيح أنهم انضموا إلى فرقة أو كتيبة هنا أو هناك، لكن هذا لا يرضي المخططين للسياسة الجديدة التي تريد جيشا آخر تماما، بينما يرى المجاهدون السابقون أن من حقهم أن يظلوا في الجيش، بل يقترح بعضهم أن يؤسس الجيش الجديد ويظل هناك جيش مواز له يسمى الجيش الجهادي.

ومع كل العوائق فإن خطة جديدة أعدت وسيعلن عنها قريبا، يقلص فيها عدد الفيالق من ثمانية إلى أربعة إضافة إلى الفيلق المركزي، وعندها سيتم التخلص من كثير من القيادات الجهادية، وزعماء الحرب.


مصالح أميركا في أماكن كثيرة من العالم تكمن في استمرار الأزمات لا في حلها وإسدال الستار عليها إلى الأبد
المستقبل وكل الاحتمالات

مع هذه الصورة المفتوحة على كل الاحتمالات فإن المستقبل وعلى مدى السنوات القليلة القادمة قد لا يبتعد كثيرا عن الوضع الحالي، ويصعب أن تعود أفغانستان إلى نقطة البداية... وذلك لعدة أسباب أبرزها الحضور الأميركي في المنطقة والعالم كله والذي يبدو أنه لن يسمح حاليا لدول الجوار بالتدخل السافر في شؤون أفغانستان والعودة إلى دعم هذا الطرف أو ذاك والدخول من جديد في دوامة الحروب التي كانت تدار بالوكالة، وإذا انعدم الدعم والتدخل الخارجي فإن الأفغان أنفسهم يصعب عليهم العودة إلى الحروب دون مال، فهناك من يرى أن السنوات العشر الأخيرة في أفغانستان كان اللاعب الأساسي في القتال فيها هو الأموال الخارجية، وحتى أيام الجهاد ضد القوات السوفياتية فإن البداية وحدها كانت بريئة من التدخل الخارجي لكن المجاهدين بعد فترة وجدوا أنفسهم داخل مسار يدفعهم للسير فيه العالم الغربي وأعداء الشيوعية في كل مكان، وحاديهم فيه الأموال الطائلة التي كانت تصلهم، والدعم الإعلامي والمعنوي القوي الذي كان يساندهم.

وعليه فإن الأوضاع قد تبقى هكذا إلا في حالة واحدة وهي تخلي أميركا عن أفغانستان لسبب أو آخر، أو أن تتحول مصالح أميركا في أفغانستان من الاستقرار إلى عودة الصراع وسيل الدماء، والمتابع للسياسة الأميركية لن يستبعد ذلك، ومصالح أميركا في أماكن كثيرة من العالم تكمن في استمرار الأزمات لا في حلها وإسدال الستار عنها إلى الأبد.

ولو استمر الوضع على ما هو عليه الآن فإن الرئيس كرزاي سيكون الرابح على المدى البعيد أمام خصومه وخصوم مشروعه الأميركي، وهذا بالطبع إذا استمرت أميركا في دعمه وأوفت الدول المانحة بالمبالغ والمشاريع التي وعدت بها، فالمشروعات الضخمة التي بدأت خاصة شبكة الطرق الرئيسية لو قدر لها النجاح خلال سنة أو سنتين، فإن كرزاي سيكون داود الثاني في أفغانستان، لأن أغلب ما في أفغانستان اليوم من طرق وبنايات وسدود من إنجاز السردار داود ذلك الرجل الذي شغل منصب رئيس الوزراء في السنوات العشر الأخيرة من حكم الملك ظاهر شاه ابن عمه، وانقلب عليه عام 1973 ليعلن نظاما جمهوريا، وواصل مشروعات كثيرة بدأها حتى قتل عام 1978 وهو يقاتل الشيوعيين الذين انقلبوا عليه، وبقيت البنية التحتية التي أقامها على بساطتها إلى الآن مفتاحه السحري إلى قلوب أغلب الأفغان.

ولأن الأفغان ملوا الحروب، ويأملون في رؤية بلدهم كغيره من دول الجوار، فإن الرئيس كرزاي إذا نجح ولو إلى حد متوسط في إعادة بناء شبكة الطرق والجسور، ورأى الناس في عهده المدارس والمستشفيات، فسيكون داود الثاني، ويستطيع إقناع الناس بانتخابه مرات ومرات.
ــــــــــــــــــ
مراسل الجزيرة في كابل

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة